الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:09 am


.
Hello



كيفكم حبايبي إن شاء الله بخير


روآيه قرأتها وعجبتني كثيير، وحبيت تشآركوني قرآءتها





" بعض ما خبــّـأته الريآض "

للكآتب : فيصل غنآم







يوميــآت عآصميــّـه طويله تتسم بـ الضجر والرتآبه إلى أن ...

أحدآث سلسه ، خفيفة دمّ أتمنى تعجبكم

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:10 am

بعضُ ماخبأتهُ الرياض - فيصل غنام
1

أتسكع بسيارتي الجديده في الشوارع الفسيحة وأفكر :
لماذا أنتي موحشةٌ أيتها الرياض ، لماذا يكون الضجر سيد أوقاتك دائماً !؟ كأن سمائكِ تمطرُ الملل كل لحظة!
اعتدتُ في أوقات فراغي الكثيرة أن أقطعها من شرقها لغربها على غير هدى، جميلةٌ هذه العزلة ، ثمة فرق بين العزلة و الوحده ..
الوحده أن تكون منبوذاً من الآخرين ،
العزلة أن تجعل مِنك أنتَ رفيقاً لأوقاتك غير عابيءٍ بدعوات من حولك !

أتسكعُ
على أنغام الموسيقى المنبعثة في هدوء ، غالباً ماتكون الأغاني التي أختار
سماعها ميّالةً للشجن ، ذائقتي لا تختارُ إلا أصحاب الحناجر الحزينه
والموسيقى الباكيه، فريد عبادي سلامة موسيقى بيتهوفن بيانو سازبيلمان
هؤلاء الخمسة لا يمكن أن يجتمعون إطلاقاً إلا في سيارتي ، الحزن يجمعهم
ويوحد فنهم !

أتسكع، فإذا أعياني الإرهاق
والضيق توقفتُ إما عند مقهىً على قارعة طريقٍ أنيق ، أو زرتُ شقة صديقٍ
لأجاذبهُ الأحاديث المكرورة المملة ..غالباً لا يكون هذا الإختيار صائباً
لأني أجد في حضرتهِ غرباءاً يحيلونني لأخرسٍ يستمع فقط ، لا أجيد الحديث
مع الغرباء !

من حينٍ لآخر أتوقف عند ماجد ،
صديق الدراسة القديم ، لديه محلٌ للكمبيوتر يستقر فيه من العصر حتى الليل
، مع أن احاديثه لا تعجبني كثيراً لأن غالبيتها عن البرامج والنظم التي
لا أفهم فيها شيئاً! مع ان صمتهُ طويل لإنشغاله في صيانة الأجهزة التي
تتكدس في مستودعه ، إلا إنهُ مكانٌ للإسترخاء حيناً والقراءة أحياناً أخرى
، حجةٌ أدفع بها ضجر اليوم العاصميّ الطويل !

وأتوقفُ
عند المحل ، هاهو ماجد مطرقُ الرأس منهمكاً مع جهازٍ في يده ، لم ينتبه
لسيارتي التي توقفت أمام الباب ، وعلى صوت البوق المنبعث من سيارتي جراء
قفلها بجهاز التحكم عن بعد / يرفع رأسه ! رآني ، يشير لي بيده ضاحكاً ..
أدفعُ الباب في رتابه ..تنقر زجاج الباب أصوات الدناديش المعلقة فوقه ،
صوتٌ ممل أحفظه جيداً .. يقوم ماجد باشاً فأصافحه في رتابه مدعياً الحماسة
..ممسكاً في يدي برواية أحلام التي لم أكملها .. حملتها معي لأني أعلم أن
حفاوة صديقي ستقل شيئاً شيئاً حتى ينسى وجودي نهائياً جراء استغراقه في
أجهزته اللعينه ..

كعادتي كل مرة ، اتخذت
مقعداً وجلست، أقلب عيني في المكان وأرقب السيارات المسرعة على الطريق ،أو
مستمعاً لزبائن ماجد الذين يجيدون الثرثرة في كل شيء إلا الأحاديث
الممتعة !
مرت ربع ساعة ولم يخذلني ماجد، لم يخيب ظني هذا العالِم الأصلع ، تحدثنا
قليلاً ،ثم رويداً راح يفك ويربط و ينقر على الكيبورد ويحمل ويبدل ... وكأن
الكرسي المجاور فارغ، نساني كعادته !

ها قد طابت القراءة ، لمثل هذه الأوقات خُلقت القراءة ، أضع قدماً على الأخرى ، وأروح أقرأ .." ذاكرة الجسد " ..
هذه الرواية تسرق اللب ، كما تأخذ ماجد هواية الأجهزة اللعينه أخذتني هذه
الأوراق لعوالم أخرى : المحارب الرسام ذو الذراع الوحيده والثورة الجزائرية
والسي طارق وقسطينه ..
رحت أسبح مع أحلام حين راح يسبح ماجد مع صيانته التي يحب ..

ترتفع أصوات الدناديش مرةً أخرى والباب يُفتح ، يقبل أحد الزبائن ويقوم ماجد .. وأنا المستغرقُ مع أحلام كجمادٍ لا يدري ما حوله .
ما أجمل هذه الرائحة .. رفعت رأسي :
ملاكٌ يحملُ جهازاً يكاد أن يقطع نفَسَه ، هذه الرقة لا ينبغي لها أن تحمِل إلا أنوثتها فقط .. يا للفتاة الحسناء ..
أقبلت ناحية الصديقين ، الغارقيَن في الصمت على الطاولة الرصاصية .. قالت بصوتٍ خفيض جميل : مساء الخير !
وأنا أسترق النظر من فوق الأوراق قلتُ بصوتٍ لا يكاد يبين : مـ ساء الـ نو ر !

:
:


2



كانت
تقفُ طاعنةً هذا الفضاء بقوامها الممشوق، جسمها متموسقٌ لدرجة القتل ،
ترتدي عباءةً طُرّزت لتزيدها فتنة ، كأنما كانت هذه العباءة إكسسواراً آخر
للأناقة لا للستر ..
هذا الكحل الذي يلامسُ عينيها هو الشيء الأكثر حظاً في الدنيا .. ومن خلف نقابها تنحسر رؤوس وجنتيها كشمسين آذنتا بمغيب ..
وقفت كأنما تستفز الصبر .. رائحة عطرها كانت تحيل المكان جنة .. كلما تحركت انحسرت عبائتها عن بنطالٍ أزرق يطل كسوط عذاب !
وضعتْ اللابتوب فوق الطاولة ، كانت يدها السمراء قريبة مني لدرجة الرعب
،سمّرتُ أنظاري على أناملها الرقيقة وأظافرها التي يتراقص فيها لون التوت
..

في بلدٍ آخر ، من السخف أن يلفتك الجمال
الجزئيّ ، هناك في البقاع البعيده .. يُكشف الستار عن الجمال كله ،
تشاهده في كل طريق .. تتماشى معهُ لدرجة الروتين !
في الرياض ، الأمر مختلف .. هذا المنظرُ يعتبرُ ترفاً لأمثالي .. هذه اللمحات من الجمال تشعرك بالنشوة بالإرتواء ثم .. البكاء !

كانت تخاطب صديقي عن جهازها المملوء بالفايروسات .. وكنتُ أقول في نفسي: بربكِ أتلومينها ؟
لو كنت فايروساً مااخترتُ إلا جهازك .. لسكنتهُ و تأملتكِ ساهمةً أمام
الشاشه وشممت عطرك كل ماانثنيتي و صافحت يديك كلما نقرتي على لوحة المفاتيح
!
لا قوة في الدنيا ستخرجني .. ولا حتى هذا الماجدُ عدوّ الفايروسات الأول !

في
بلدٍ مثل الرياض .. يُترك الحديث للعيون .. هذه الأعينُ لها أبجديةٌ خاصه
.. كانت عيني تتكلم كثيراً .. تخاطبها تدللها تسائلها ..
كلما التقت عيناها بعينيّ صرفتُ نظري لأي جهة .. ثم أعود ناحيتها تاركاً الحديث لعيني !
كان نظري كذبابةٍ لعينة .. كلما صرَفتها بيدها ونستها قليلاً .. عاود الطيران والوقوع في ذات المكان !


أيتها السمراء ألا تسمعين دويَ انفجارات قلبي ؟ انظري لأشلاء الشاب المتحطم أمامك !
ليستْ مشكلتكِ هذا الحاسوب اللعين ..تباً له ، هناك بني آدم .. روحٌ تُزهق !
لطالما قلتُ لأصدقائي أن السَمار أجملُ ما تتحلاهُ أنثى .. لطالما نافحتُ عن هذا اللون كأفخم صنفٍ في قائمة ألوان الوجوه ..
كانوا يقولون : البيضاءُ أجمل .. فأفلسف الجمال كأغريقيّ :
نعم للبياض قدسيّته ، لكن أمامهُ ، وفي أسوأ أحوالك ، تستطيع أن تملك زمام أمورك ..
السمراء وحدها من تمرّ بك فتجعلك تطلق تنهيدةً مسموعة كما لو كانت روحك تنسلّ من جسدك !
أينهم هؤلاء الأصدقاء المتفيهقون ، آه لو كانوا هنا .. لقدموا لي الإعتذار واحداً تلو الآخر !


من زحمة أفكاري أفقتْ ، لا أدري أين ذهبَ ماجد .. دخل إلى المستودع الخاص به وتركنا لوحدنا .. راح وأتى إبليسُ ثالثنا !
كان شيطان الغواية يصرخ بي : كلمها يا مغفل !.. والشاب المغفل يجيب : ماذا أقول ،كيف أبدأ !
يعاود الإلحاح : ستندم .. إن ذهبتْ هكذا ستندم .. خاطبها ادعُها للجلوس يا مغفل .. انظر لقد تبرمت من الوقوف !

قفزتُ ملقياً كتابي الذي نسيته مفروداً على ركبتي، قربتُ لها مقعداً وقلت:
- تفضلي بالجلوس ..
ابتسمتْ وقالت شكراً ... قلت في نفسي : ينبغي أن يأتيَ الشكر من الكرسيّ !

عاد ماجد .. تباً للحضور الرديء .. كنتُ سأسألها عن جهازها وقيمته إستدراجاً للحديث ليس إلا ..
أنا آخر من يهتم بهذه الكمبيوترات .. فقط هذا اليوم شعرتُ أنني بحاجةٍ
لأدرك بعض جوانبها وأعرفها أكثر ..كنتُ سأفتح محاضراتٍ عن هذه الحواسيب
الغبية !
لسوء حظي ،حين كنتُ أنوي سؤالها عاد ماجد ..
عاد يحملُ جهازاً آخر ، أعطاهُ لها .. شكرتهُ وانصرفت !
خرجتْ كمصارعٍ قويّ .. أردى خصمه طريحاً على الحلبة وخرج ..لم أكلفها إلا دقائق ، هزمتني و دق الجرس وانتصَرت !

لن تعود .. سحقتني وتركتني للشقاء .. ستذهب لأمها لغرفتها لتخاطب صديقاتها و تلهو وتنام كأنما لم تفعل شيئاً..
هكذا هنّ الفاتنات، هذا كل ما يتقنّ إجادته.. يفطرن القلوب .. يسلبن النظر
.. يجندلن الخصوم دون حتى أن يعرفنَ عن المعركة الدائرة شيئاً !
هه ياللبراءه

دقيقتين من الوجوم ، شعرتُ بأن المحل بات صحراء مجدبه بعد أن كان واحةً غنّاء..
قررتُ الخروج ، شعرتُ أنها أخذت معها الأكسجين من هذا الحيّز وانصرفت ،
أخذتُ كتابي مبتسماً ..
عندما جاءت كنتُ أقرأ الصفحة الثمانين في رواية أحلام، انصرفَت وأنا في ذات الصفحة !


وأنا أترنحُ في طريقي للخروج ، لمحتُ جهازها الذي غادرتْ بدونه ..

سألت ماجد في لهفة : هل ستعود ؟!
أخبرني أنه أعطاها بديلاً ريثما يصلح هذا .. ستعود لتأخذه بعد العشاء !

هتف إبليس في رأسي على الفور : لم تنتهِ المعركة ياصديقي .. احشد قوّاتك.. أمامك فرصةٌ أخرى!
رددتُ على الفور وأنا ابتسمْ :
موعدنا العشاء ، أوَليس العشاء بقريب !

:
:


3

أقفُ
مجدداً أمام باب محلّ ماجد .. عاد من صلاة المغرب حينَ عدتُ من بيتنا
للتوّ .. ذهبتُ وارتديتُ أجمل مالديّ ، نعم أظنني قررتُ التهوّر !
أن أندم على ما أفعل خيرٌ من الندم على ما لم أفعل !
ليس من عادتي حين أخرج من عندِ ماجد أن أعود له في ذات اليوم ، أحتاجُ أسبوعاً على الأقل لأكرر الزيارة ..
أن أزورهُ بعد ساعه من مغادرتي هذا غيرُ مألوف ..قبل أن يسألني قلتُ مبتسماً :
-اشتقتُ لك !!

دخلنا ، كان صوت الدناديش الناقرة على الباب هذه المرة صوتاً أشبه بتغريد العنادل في الشروق ..
لم يكن مملاً ، هذا الصوتْ سيكونُ بعد ساعة أشبهَ بمعزوفةٍ تزفّ مقدم الحسناء التي سلبتني عقلي ..
صوتُ أذان العشقِ رافعاً نداء الجمال أن حيّ على الحب أيها الأبله !

جلستُ وفي بالي يعتملُ ألف سؤال ، كيف أشرحُ لماجد المتعقل ما أنا بصدده !
ماجد صارم ، رجلٌ يعشق العمل ويحترمُ زبائنه كأنهم أبناءه .. أن أقول لهُ أني عشقت زبونتك كأني أنتهكُ حرماته !
هو من النوعِ الجاد ، شابٌ كان ينبغي أن يكون في ألمانيا مثلاً .. في
اليابان ، في العالم المتقدم .. وجوده في الرياض غريب ، هو لا يواكب الموجة
الشبابية أبداً ..
تنحنحتُ وسألته :
- ماجد ، منذ كم ونحن نعرف بعضنا ؟!
وبلهجةٍ جادة أجاب - منذ المتوسط !
قالها بلا مبالاه ، قالها وهو يقلّب رُكام هذ الحديد يبحثُ عن قطعه كما لو كان يبحثُ عن ذهب !
أمسكتُ بذراعه وأدرتهُ صوبي :
- أعرفكَ وتعرفني منذ عشر سنين .. هل تعلم ماهي عشر سنين ؟ مئات الأسابيع .. آلاف الساعات !
- وإذا ؟!
اللعنه على صرامتِك ليس وقتها الآن أيها الرجل البفاريّ !

- بعد كل هذه الصداقة يا ماجد ، لو احتجتُ منك مبلغاً من المال أتساعد ؟!
- بالتأكيد ، محتاج كم ؟
- لا شكراً ، دعني أواصل ، لو رأيتني أُضرب في هذا الشارع الذي أمامك ، أكنت تتخلى عني ؟!
- ههه أجننت ؟ طبعاً لا
- ماجد ، لا أريد منكَ مالاً ولا أن تقاتل من أجلي أحداً .. أريد ربع ساعة فقط !
- ؟
- بحق السنين الماضيات ، بحق الساعات الطوال ، بحق هذه الصداقه .. حين تأتي زبونتك صاحبة هذا الجهاز توارى في مستودعك ربع ساعة !
- ............
- لنفرض أن أمك استدعتك لضرورةٍ ملحة ، أكنت تبقى في المحلّ ولا تخرج ؟ يا سيدي اِعتبر أمك استدعتك ربع ساعة ، واتركني معها قليلاً !
- ههههههههه جاد ؟
- نعم ، أرجوك دعني أغامر ، كنتَ على وشك أن تقرضني مالك الآن ، شكراً ، لا أريد .. أقرضني فقط ربع ساعه من وقتك حين تأتي،
دعني أدير المحل بدلاً عنك لدقائق ، هل سألتك من قبل خدمة ؟ أرجوك لا تصفعني بالرفض يومَ فعلتْ ، بحق صداقتنا يارجل !

أقسمتُ لهُ أني لن أتهوّر بأكثر من الكلام ، سأعرض عليها صداقتي ليس أكثر !
أقسمتُ له كتعهدٍ رسميّ ان أتحمل كافة الضرر ومايترتبُ على حماقتي من نتائج وأنهُ ليس داخلاً في خيوط اللعبة أبداً !

وعلى وقعِ صوته وهو يقول : طيب، لك ربع ساعة مو أكثر !
.. رحتُ أتنفسُ الصعداء غير مصدق .

ما هو الإنتظار ؟ هو طريقٌ محفوفٌ بالغيب ، أن تنتظر ، هذا يعني أن تتأرجح طويلاً بين شعور اليأس وشعور الأمل !
بعد إقناعي لماجد دار حديثٌ عاصف أشد ضرواةً مع نفسي .. نشبت حربٌ ضروس بين الخير والشر في اعماقي
كان جانبي الطيّب ، ملاك الخير الذي تلقّى تربيته في بيتنا وكبُر على نصائح والديّ يهتف بي :
- ماذا تفعل أيها المجنون .. أقلع عن نواياك في الحال ، هذا عملٌ لا يليق بك أبداً !
ويهتفُ جانبي السيء ، ملاك الشر الذي تربّى في ردهات الشوارع متسكعاً كل هزيع ليل :
- بطل ، الهروب جبن ، سحَقتكَ في الأولى دون مقاومة ، اثبُتْ لها في الثانية ، وما الحياة إلا التجاربْ !

نعم صفعتني ، لم يكن مجيئها الأول إلا صفعه !
وأعلم أني أقل من إتقان الرد بذات الفعل والتأثير ، لكن يكفيني على الأقل أن تشعُر أن المصفوع لم يسكتْ !
أحياناً تخذلنا القوة ، لكنَ التعبير عن الإضطهاد وصوتُ الإعتراض ليس حكراً على الأقوياء فقط !
لن أكونَ نملةً في بيتٍ حقير يطأها من يطأها ولا يشعرُ بها ..
أريدُ أن أكون على الأقل تلك النملة التي لم يمنعها ضعفها أن تقف لجيش سليمان !

حوار الذات هو أشرسُ حوارٍ على الإطلاق،
أأنتظر ؟ أم أنسى الأمر برمته ..
إنقسمتُ بين هاتين الفكرتين ، كل واحدةٍ تملكُ ألف حجةٍ مقنعة !

وباولو كويلو ذاك اللعين ، كأنه ينظر لحيرتي من بلاد السامبا، كأنهُ رآني يوم قال :
الإنتظار مؤلم ، والنسيان كذلك .. لكن أسوأ أنواع المعاناة هو اتخاذ قرار انحيازك لأيٍ منهما !

نعم أسوأ مافي هذه الحيرة النفسيّة إتخاذ قرارٍ نهائي ، إما المغامرة وإما الإنسحاب ..
لكن مهلاً ..
كل القراراتِ الناجحة في هذه الدنيا ، كل هذه الأفكار العظيمة في العالم ،
كل المشاريع التي أثبتت جدواها عبر التاريخ والجغرافيا..
ماكانت لتظهر لولا كسرُ الخوف !
ماكانت لتكون أساساً ، لو وقع أصحابها فريسةً لأنياب الخوف ،
لا نجاح إلا بعد تخطي الخوف ، بعد الإنطلاق يكمنُ التقييم ليس قبله !


يا سيد كويلو ، يا سيد ماجد ، يا أيتها الحواسيب، يا هذه الدنيا:
لقد قررتُ الإنتظار ! أقبلي أيتها الفاتنة

يتبع ...

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:11 am


4


ربما لا نحقق النصر في كل حرب ، لكن الإنتصارات لا تصنعها إلا المواجهة !
الإنتصار/الهزيمة .. لا يتحققان على الورق .. هناك في الميدان يتضح الأمر !

الجُبن ، الهروب ، الإدبار ، هذه أبجديّة الجبناء ، أولائك الذين يعيشون
حياتهم رتيبةً ممله ، يقبعون في الدنيا كحجارةٍ في جبلٍ منعزل ، لا تجيد
إلا البقاء في صمت !
المواجهة، الجسارة، الإقدام ، شريعةُ الأبطال في الأرض ، هؤلاء من يعيشون
حياتهم كما ينبغي، مليئةٌ بالصخب بالتجارب يخلقون الإثارة والمجد لذاتهم .
كل إنتصار ، كل ثورة ، كل مشروع عظيم ، كان في البداية فكرة ، تحولت لتنفيذ !

الجبان ، رجلٌ يخشى السباحة ، يريد من الناس أن ينقلون لهُ تجاربهم في
التعلم ، يمدونه بالنصائح ، يستعينُ بهم صارخاً لو سقط في الماء !
الشجاع، رجلٌ يتقن السباحة ، تعلمها ذاتياً ، راح يلقي بنفسه في المياه حتى حذقها ، ليس في حاجة أحد هو المغتني بنفسه !
وأنا الثاني لا أريد أن أكون الأول الرعديد !

على هذه الأفكار تتوقفُ سيارة اليوكن ، فيرانيّة اللون ، يتوارى ماجد في المستودعِ الخلفيّ تاركاً لي وابليس إدارة المكان !
يُفتح باب السيارة فتستقبل الأرض حذاء السبور كعاشقٍ يحتضن عشيقته ، رأيتها وهي تنزل بمشقة من هذه السيارة المرتفعة ..
في البدء لمحتُ الساق اللدن الذي أطلّ متأرجحاً في الهواء بين السيارة
والإسفلت ، ثم البنطال الأزرق منزلقاً على الساق كقواتٍ تُلجم ثوره ، ثم
العباءة تغمرها كالليل يوم أقبلت تمشي صوب الباب !

صوتُ الدناديش يغني سيمفونية بيتهوفن الخامسة ،
ثم صوتها مغنياً : السلام عليكم ..
وصوتُ ابليس في رأسي يهمس : ها قد التقى الجمعان ، أسرج لها الخيل ولتطلق أعنتها ..

نهضتُ متأنقاً ، وقفتُ بقميصي الأبيض والجينز والشعرُ المسرّح للوراء والعطر الباريسيّ وتقدمتُ بصمت ناحية الكرسي المجاور ..
حملتهُ واتجهت به إليها أرد السلام بلهجةٍ كأنها لا تكترثُ بالزائر الذي اقتحم المكان !
الإنطباع الأوليّ أهم الأوراق الرابحة .. لا بناء بدون أساس .. لبناء
العلاقات والصداقات يجبْ أن يكون الإنطباع الأولّ راسخاً متيناً كأرضٍ صلبة
تستطيع الوقوف عليها !

- أستميحكِ عذراً ، لدى صديقي عادةٌ سيئة ، يخرج لبيتهم القريب أو لقضاء بعض حوائجه ويتركني أواجهكم أيها الزبائن المتبرمون ..
دقائق وسيأتي أرجو عدم المؤاخذة سيدتي
- آها ، لا عادي .. بس أتمنىّ ما يطوّل
- اطمأني ، ماجد لا يستطيعُ البقاء بعيداً عن هذه الأجهزه ، تماماً كالسمكة
المحتاجة للماء دوماً .. دقائق وستشاهدينه مقتحماً هذا الباب لاهثاً
منقطع النفَس .. يتنفس الحواسيب صدقيني !
رأيتُ عينيها الدائريتين وقد ارتفعتا لأعلى أظنها ابتسمتْ ،
راح إبليس يصفق في رأسي كرجلٍ يجلس في المقعد الأماميّ يشاهد مسرحية ، ويصيح :
-برافو ..أحييك .. بطل .. هيا تصاعَد تصاعَد

لم تجلس أمامي ، راحت تقلب عينيها في لوحات المفاتيح الجديده وجموع الماوس والهيدفون والسيدي ..
لم تخاتلني ولو بنظره ، كل هذه الأناقة كل هذا الإعتداد لم يجعلها تكلف نفسها اختلاس لمحه..
يالنا من مساكين أبناء الرياض ..نجهلُ لغة الأنثى تماماً .. كل مانقوم به مجرد تخمينات لا أكثر ...
أحدنا يقول : الأناقة ..نعم الأناقة تسرق الأنثى
يرد آخر : لا ، الأسلوب .. أهم شيء أسلوبك في الخطاب!
الثالث : لتجذب الأنثى ناحيتك ، عليك أن تضحكها .. نعم أظنه الإضحاك
يروح ليلنا رجماً بالغيب .. نتخرص الدروب المؤدية إليهنّ ..
في بلادٍ أخرى .. سيضحكون كثيراً من هذا الحوار ..
في بلادي .. هذا الحوار مقدس .. غايتهُ نبيلة .. نتعاونُ على فك أسرار اللعبة المجهولة !

عندما كان نيوتن ينظر للتفاحة ، يحلل سقوطها ، يتأملها على الأرض .. كان كل همه الوصول لنقطة الجاذبية.
كلنا في الرياض نيوتن .. كلنا نتأمل تفاحاتنا يلفحنا الحرمان .. نبحث عن أسرار الجاذبية !

سأقتلُ هذا الصمت .. سأبدأ :

- هل تريدين بعض الشاي ؟
إلتفتت صوبي بسرعه وبلهجةٍ نزقة : لا شكراً !

راح إبليس يرميني بالطماطم ، تباً لك يا أبله .. أتحسب نفسك في مقهى أيها النادل الأحمق .. شاي ! شاي لعنة الله عليك |!؟
تراجع .. انسحب تكتيكياً لدقيقه ثم احشد قوّاتك من جديد يا فتى المشروبات !!


كانت واقفةً أمام رفوف المحل مائلة الجذع ، تتخصر يدها السمراء أوسط جسمها وتنقل بصرها في كل شيء إلا أنا!
تحمل شنطةً انيقه فوق كتفها كانت تلامس جسمها الغض ببراءة !
تقف بهذا الميلان والتخصر والحقيبة المتدلّية التي تزيد عباءتها تضوّقاً لتفصح عن كثير !
كانت أمامي وتقاطيعها تبوحُ بأسرار ما خلف الستار !
آه لو كنتُ رساماً .. نحاتاً .. لكنتُ أقف الآن أمام كنزٍ ثمين ولقطةٍ خالدة !
لكني أبله .. لا أتقن إلا الفرجه ... غادرتني أبجديتي وفقدت النطق ..

أصعبُ الأشياء أولها .. أن تبدأ ، هذا يعني أن تتكلف المشقة الهائلة .. كل ما بعد البدء أسهل !
البدايات أشبه بحجرٍ يسد الطريق ، لا تقدم لا مراوحة إلا بزحزحة هذا الحجر ..
كان بيني وبينها ثمة أحجارٍ هائلة .. تكبلني عن بداية الإنطلاق عن اشتداد المسير !

حتى المشاهد الوحيد لهذه المسرحية .. صديقي ابليس الذي روّج لهذا العمل كله .. كان أخرساً في مقعدهِ الأمامي !
يراقبني صامتاً .. أدرك جيداً فيما يفكر ؟ ! خذلهُ البطل !

أحلام مستغانمي بالنسبةِ لي ، لا تعدو كونها كاتبة ، تتقن فن الرواية لا أكثر !
لكن لم أعلم أنها في يومٍ من الأيام ستكون بالنسبة لي أكثر من ذلك ..
طوق نجاة مثلاً !

وقعت عينا سمرائي الجميلة بعد كل هذا الوقت على " ذاكرة الجسد " ..
مرمية ً على الطاولةً ،
كنتُ واقفاً عند الصفحة الثمانين ، عطلتني فاتنتي عن متعة القراءة !

راحت تغرد بصوت الكروان تسألني :

- مجنونة أحلام صح ؟!
كانت تسألني !
نعم ، لأول مره .. توجه حديثها ناحيتي ..
الخرس .. حالة التوهان .. اللاوعي .. كل هذه الثلاث كنت أنزلق في عتباتها واحدةً بعد اخرى !

- قرأتها ثلاث مرات وأنوي قراءتها للرابعة مجدداً ، كل مافيها مبهر ..

هه مازالت تحدثني ، تخاطبني .. هذا حوار ،
ها قد انزاح الحجر وبدأ الإنطلاق !
أخذتُ أتأملها واجماً

صاح إبليس من مقعده كمشاهدٍ بلغ به الحماس مبلغه :

تكلم ..أيها الغبي تكلم !


:
:


5


قديماً ، كنتُ أضحك ممن يقضي أوقاته بين دفات القصص والروايات، ماهي القراءة ؟ هي الحياة النظرية !
الخروج ، التسكع ، مواجهة الناس .. هذه الحياة العمليّة ، التجربة الحقة..هي الرواية الأصدق !
هؤلاء الكتاب يجيدون الثرثرة عبر الورق ، كأنما يبيعون يوميّاتهم وخلاصة
تجاربهم .. يدّعون أنهم حريصون على تقديم المعرفة وبث الوعي ..
محظوظون ببلهاء يتلقون ما يأفكون .. لو خرج أحد العظماء من قبره يتحدثُ عن سيرته لفرغت القاعة ثالث يوم وانفض الجمع من حوله ..
لكن لو قدم سيرتهُ في كتابٍ أنيق معنون كما ينبغي ، لتهافت الناس على قراءة ما حبّر ..يتصنعون الثقافة والنبل !

كانت لديّ عقدةُ القراءة .. لا أعرف الإمساك بكتاب والبقاء أسيراً له كما يفعل غيري ..
لكن مع الوقت ، بدأتُ أتصالح مع الورق ، ورويداً رويداً رحتُ منغمساً في القراءة ومتابعة المشهد الثقافي وأبرز وجوهه .


لحسن حظي أني أحببتُ الروايات ، لحسن حظي أني ارتبطتُ بأحلام على وجه التحديد .. لولاها لما كنتُ الآن أمام هذه الفرصة السانحة !
الآن عرفتُ فائدةً أخرى للقراءة !
عندما سألتني سمرايَ عن أحلام.. أحسستُ بشغفها اللامحدود بها وبالرواية التي بين يديّ ، عرفت أن باب الحظ يُفتح للمرة الأخيره ..
الآن الآن وليس أي وقتٍ آخر ، إما أن أخلق التأثير أو تباً لي وللثقافة أبد الآبدين ..

واضعاً قدماً على الأخرى ، مرتخياً للوراء ، سمّرت عينيّ بعينيها بطلاقة .. ورحتُ أتحدث كأكاديميٍ متخصص :

- لدى أحلام أهم ورقةٍ على الإطلاق : سحر اللغة ! أحسدها كثيراً ..
بإمكانها أن تكتب كل مايخالجها من شعور وعاطفة وأحاسيس دون أن يمل قارئها
..
أنتِ أنهيتي قرائتها أكثر من مره ، ألم تلحظي شيئاً مهماً : كانت تكتبُ قصة
بطلها بأسلوب المونولوج الباطني .. دفع مافي الذات إلى السطح ، البوح ولا
غير البوح !
هذا الحديثُ الذاتيّ أصدق حديث ـ لا زيف فيه لأنه ينبع من أعماق النفس.. قد
تتحدثين مع إحداهنّ فيمتلأ الحوار بالزيف بالمجامله بالنفاق ،لكن حديث
الذات صادق ، ليس إلا الحقيقة !
شاهدي في المسلسلات ، حين يريدُ المخرج أن يوصل للمشاهد حيرة بطله ، يجعله
ساهماً يفكر في إطباق ، وصوتهُ يتحدث للمشاهدين كناية ً عن الإنهماك في
التفكير و الإضطراب ..
لو كان البطلُ يتحدثُ عن همومه لأحدهم، ربما يظنه المشاهد يكذب يزيف يبالغ
.. لكن حديثهُ لروحه هو أصدقُ تعبيرٍ يصل الى من خلف الشاشه ،
الإقناع .. هذا ما فعلته أحلام ..كتبت بهذا الأسلوب البارع وتفوقت

كان حديثي وسيلةً لغاية ، كنتُ أتحدث لأصطاد لا لأخلق حواراً جدياً !
كنت كمن يقفُ على جال بحيرةٍ مُدلياً سنارتهُ في الماء ويقول للسمكه هيّا اقتربي!

يبدو أن حديثي راق زبونتي .. هاهي سمكتي تتقدمُ خطوة ، عينيها تمارسُ
شيطنةً تعبثُ بمن يقابلها ، صوتها الناعم يحاولُ صفع ثقتي وهي تقول :
- أوافقك تماماً .. كنتُ أٌقرأها بإندماجٍ تام . بكيتُ كثيراً في مشهد زواج حبيبته بقسطينه ، توقفتُ عند ذلك الجزء كثيراً ..

مشهد الزواج لا أعرفه ، لم أصل إلا للصفحة الثمانين ، حرقتي علي الرواية يا فاتنتي لكن لا يهم .. سأراوغ :

- بالمناسبة ، أحلام هنا ليست مبتكرة ، الإنغماس في الشخصيات وسبر أغوارها وإيضاح معالمها ومايعتمل في خفائها فنٌ روسيّ بإمتياز !
الروس هم من يجيدون حقاً تصوير شخوصهم وصراعاتها النفسيه و حيرتها ونزعات
الخير والشر فيها .. هل قرأتي لديستويفسكي مثلا ً ؟ تولستوي ؟ تشيخوف وإن
كان ساخراً نوعاً ما ؟
كلهم يتعمقون في الذات البشريّه ، كتاباتهم تعتبر مراجعَ هامة في علم
النفس.. دوستويفسكي نشأ مريضاً بالصرع .. هذا المرض هذه الحالة النفسية
أثّرت كثيراً في أدبه ، صار بارعاً في رسم المعاناة البشرية من الداخل ،
حين يورد الجريمة في كتاباته صدقيني هو لا يوردها ليخلق إثاره أو يرسم حبكة
، إنما ليفصّل دافعيّتها وأغوار منفذها ..

على وقعِ إصغائها رحتُ أواصل :

- نجيب محفوظ ، أبرع العرب الذين طرقوا هذا النهج ، في روايةٍ كامله اسمها "
قلب الليل " يتحدثُ عن شخصيةٍ وحيده ، ممزقه مطحونه ، اقرأي ثلاثيّته
لتشاهدي براعة الوصول للعمق .. واقرأي كيف صوّر بطله أنيس زكي في ثرثرة فوق
النيل ، أنيس ذلك الأشلاء المتبقية لإنسان ، الرجل الكافر بالحياة
المترسب في بحر الإحباطات المتتاليه ، ثمة فروقات هائله بين الروائيين
..هناك من يكتبها ناقلاً لك تجربة حياةٍ لم تعشها ، هذه الحياة قصيرة
والرواية تعطينا حياوات كثر .. بقعة ضوءٍ هائلة على جوانب لم نكن لنتلمسها
على أرض الواقع ..
وهناك من يكتبها هراءاً منبثاً يحشد فيها الإثارة المبتذلة والحرف الرخيص وينعم بالشهرة التي يمحنها إياه مراهقٌ سيلعنهُ حين يكبر !
في الرواية هناك من يسبح على السطح وهناك من يغوص ، أحب الغوّاصين في قيعان
الأنفس البشرية ليستخرجوا كل خفاياها من الأعمق . همنقواي فاز بنوبل عن
روايةٍ واحده تتحدث عن عجوز يصطاد سمكة قرش ويسحبها من منتصف البحر الى
الشاطيء، 200 صفحة تصور صراعاً مع هذا القرش واضطرابات هذا العجوز وتقلباته
بين الفرح والخوف والحزن .. إما ان تضيف الرواية لقارئها أو فإنها عبث لا
أكثر .. كامو صاحب رواية الغريب الفائز عنها بنوبل أيضاً كان يحكي عن
شخصيةٍ وحيده تترقب وقت الاعدام والأفكار والكوابيس التي تمر به .. يقول
كامو بعد فوزه بالجائزة :يجب أن تكون الرواية فلسفةً مصوّرة !


تأكدتُ أني أثرتُ فيها قليلاً .. هاهي تجلسُ على الكرسيّ دون دعوه ..
سنارتي تهتز أخيراً وقصبتُها تتقوّس بشدة .. سمكتي ابتلعت الطُعم وراحت
تغرد :
- أحب كثيراً روايات العاطفة والرومانسية.. لهذا ربما لم أقرأ للذين ذكرتهم
،مشكلتي أنحازُ للحزن بالذات .. تأسرني التراجيديا رغم بؤسها ..
- كتابة الحزن أسهل طريقٍ للوصول ، جادةٌ ممهدة ! أصعب شيءٍ هو أن ترسم
بسمة أو تهِب معرفة .. هذا طريقٌ وعِر يحتاجُ إمكاناتٍ جبارة ..
الحزن بات سِمةً يتحلّاها كثير من المثقفين ليبينوا عن أنفسٍ عركت الحياة وعرفتها ..
صاروا يظنون الإغراق في الحزن نوعُ من النضج ..
أنا أحترم الحزن كحاله كشعور وقتيّ لا أصدق به كنمط ..أكفر به رداءاً على
الدوام ..تولستوي يكفر بالسعادة المطلقه والحزن السرمديّ ..
وأنا كذلك !

-إذاً ماذا تقول عني ؟ حتى في السينما أترك كل شيء وأتتبع بوليود لأنها .. آها.. كما تعرف.. دموع في دموع .

قالتها بلهجةٍ عذبه ..كانت ترفع حاجبيها وهي تقول " كما تعرف " ، نطقت عبارتها الأخيرة وهي تهزأ ساخرةً من نفسها ..
لكنتُها الضاحكة كانت أطربَ ما سمعت . ولأول مرةٍ منذ جاءت رحتُ أبتسم لها ..
كنا كصديقين على طاولةِ مقهىً في بيروت تحفنا الأشجار ، لسنا مخنوقين بالطابعات والشاشات والحواسيب في الرياض ، قلتُ على الفور :
- المخرج الهنديّ لو خيّروه بين جائزة الأوسكار أو قاعه تغصّ بالمتفرجين الباكين على فيلمه .. لاختار الأخيره هههه

ما إن أنهيتُ عبارتي إلا رأيتها تضعُ راحة يدها على فمها من خلف العباءة تداري شهقةً صدحت بصوتٍ عال وهي تضحك ،
أظنّ الصديق الذي قال عن الضحك "مفتاحُ الأنثى" كان أصدقنا تخميناً !
على أنغام ضحكاتها كنتُ أغرق في الفرح .. وإبليس الذي كان صامتاً يراقب الحوار ، هاهو يدفن سبابتيه تحت لسانه ويصفر لي بإعجاب !
لا ياماجد ..أرجوك لا تخرج ، لا تعكر صفو الحفلة .. إنتظر في سردابك يا إمام الصيانةِ لا عجل الله فرجك !

قامتْ تطعن الفضاء من جديد ، علقت حقيبتها على كتفها الشريف ، عينيها تبسِمان لي وهي تقول :
- على كلٍ ، يبدو أن صديقك لا ينوي العودة .. سأوصي السائق بالمرور غداً ، شكراً لك

هرعتُ إلى الباب كأني أريد صدها عن الخروج ، قلتُ أرجوكِ انتظري قليلا ً ..

خرجتُ أقفز الدرجات الثلاث راكضاً لسيارتي ، لبثتُ فيها قليلا ً أبحث عن غايتي وأنا أنوي رفع الستار عن التهوّر الأخير ..
بسرعة صعدت درجات المحل ودخلت لاهثاً :

- تفضلي
- ماهذا ؟
- رواية " الأبله " ليدستويفسكي ، لن تجديها في الرياض أبداً .. وصلتني من البحرين وأنهيتها قبل اسبوع ، أرجو أن تقبليها
- ولكن
- لا تقولي أي شيء ، إذا أنهيتيها ، أو لم تعجبك، بإمكانك إرسال السائق لهذا المحل وإعادتها .. صدقيني هذا الروسيّ تجربةٌ ثرية !

وضعت الكتاب في حقيبتها وقالت شكراً.... !
- إسمي فيصل
- شكراً فيصل !


خرجتْ ،

وقفتُ أتأملها والسائق المحظوظ يفتح لها باب السيارة مقترباً منها دون أن
يقول له أحدهم شيئاً ..وقفتُ أمام باب المحل أشيّع شمسي الآفلة ..
كعاشقٍ أشرف فوق التل يرقب قافلة حبيبته التي سارت بها ولا يدري متى اللقاء !
رحتُ أرقب هودجها -اليوكن - يتوارى بين جموع السيارات المتدافعةِ كالحجيج ..

دخلتُ المحل لأجد ماجد ، وجدتهُ يبتسم ، قلتُ وأنا آخذ روايتي الجميلة " صديقة السمراء/ذاكرة الجسد ":
- كنت أخشى مقاطعتك لي .. كنت أفكر ماذا سأقول لها لو أطللتَ من مستودعك الخلفيّ وأنا الذي كذبتُ بشأن ذهابك للبيت !
- لا ،كنت أستمع لك جيداً أيها الناقد الأدبيّ فآثرتُ الإنزواء، تعال ، ماهو هذا الديتسوفسكي ؟
أجبت ضاحكاً - نوع من أجود سنارات الصيد !
- سمعتك تقول لها تفضلي ، بالله ماذا أعطيتها لتشكركْ ؟
أجبته وأنا أقهقه هذه المره :
-أعطيتها كتاب ، مجرد كتاب ياصديقي ، يحوي بين أوراقه الثقافة والأدب والمعرفة والتشويق والحبكة وإسمي ورقم هاتفي الجميل
- يا الملعون !
- الموتُ للجبناء .


قبل أن أخرج من ميدان معركة السمراء ، إلتفتّ صوب ماجد :
- طلبتُ منك 15دقيقه لكنك أمهلتني أكثر من ذلك !

.. وهو يفتح أحد الأجهزة ليبدأ الإصلاح :

- أظن صداقتنا تستحقُ أكثر من ربع ساعة !

:

:


6

منبه الجوال و صوتُ أمي خلف باب الغرفة كلهم يوقظني للجامعة .. أزحتُ غطائي عني وجثمتُ وسط السرير أتثاوب .. أحك رأسي وأفكر !
آخر خاطر قبل النوم ، كان السمراء .. قضيتُ ليلةً من التفكير الطويل والسباحة في الخيال حتى غرقت !
أول خاطرٍ حين صحوت ، كانت السمراء " اللعنة لم تتصل " !

غسلتُ آثار النوم عن وجهي ولكن من يغسل عقلي مما يدور فيه !
أتأمل في المرآة وجهي وأفكر : أتُراها حين تتأملُ وجهها وهيئتها كاملةً
أمام المرآة تعجبُ بنفسها أم ألِفت زينتها .. مرآتها أسعدُ الأشياء طراً !
عثرتُ في عصا المكنسة الكهربائية وأنا أنزل للدور الأرضي ، ألقيتُ بوابلٍ من الشتائم على الخادمة المسكينة التي وقفت مطرقةً في خوف !

حين وصلتُ سيارتي وقفتُ ألعن كل شيء ، لقد نسيتُ مفاتيحي في الغرفة !
صعدتُ سريعاً .. جلبتها .. نزلتُ وأنا أفكر :
هذا الصباح يزورها الآن كما يزورني .. هذه الشمس تسطعُ أشعتها علي وعليها
في ذات الوقت .. سرت فيني خِفةٌ وتراقصتُ لهذا الشعور فابتسمت !

في القاعه ، كان الدكتور يتحدث بحماسَه وأنا في بحر ٍ آخر ، أتواجدُ جسداً في المكان لا أكثر ، روحي هناك ترفرفُ مع سمراي !
أسترق النظر تحت الطاولة لهاتفي ، جعلتهُ صامتاً لكن لم تنقطع عيني عن
تأمله .. كل وميضٍ كان يجعلُ قلبي يخفق بشدة ..و حين أكتشف أن المتصل أحد
السخفاء أصدقائي سرعان ما ألعن الحظ وألعنُ حتى المتصل المسكين !

سمعتُ ضحكاتِ الطلاب فانتبهتُ لأجد الجميع ينظر لي باسماً، وصوتُ الدكتور يجلجل في القاعة ذات المدرج المتموّج :
- هيّا أجب !
- .. أعدِ السؤال لو سمحت !
- لن أعيده ، أنتَ أخبرني عماذا تحدثتُ الآن !

على حمرة الخجل المتراقصة في ملامحي ، وعلى تقريع الدكتور وضحكات زملائي جلستُ وأنا أتمتم :
- "بالطقاق" .. لا تتصل !

وأنا في الطريق للبيت أمني نفسي :
ربما لم تفتح الكتاب ، روايةٌ بحجم " الأبله ".. تحتاجُ وقت فراغٍ هائل
ونفسيةً مرتاحه لتُقرأ بإنسجام ، نعم نعم .. لم تفتح الكتاب حتى الآن !
ثم يقفزُ تحليل آخر :
ربما فتحته البارحة .. قرأتْ في مقدمة الرواية إهدائك المضحك فرمتها على السرير واتضح لها أنك مخاتل لا أكثر !
أو ربما إمعاناً في تأديبي ، شرعت في قرائتها وبدأت تستلذ بأحداثها متجاهلةً رقمي المسكين في أول صفحة !

كنتُ كتبتُ على صفحته الاولى وأنا في السيارة قبل إعطاءهِ إياها :
" أُهدي أجمل ماقرأت ، لأجمل عينٍ رأيت .. فيصل / .......055541 "

يا للحيلة الرديئة ، كنتُ بالأمس أتراقصُ لها واليوم أعلنُ براءتي منها .. شعرتُ أني أحمقٌ جداً!
أفكر وسرعتي تتجاوز ال140 على الطريق :
عادت لغرفتها البارحة ، خلعت عن نفسها ملابس الخروج ، ارتدت بيجامتها الفاخره ، استلقت على السرير وفتحت الكتاب ..
استلقت على السرير بالبيجامة .. استلقت على السرير ، استلقت .. أردد هذه الصورة في عقلي ! ! أواصل :
فتحت كتابي متشوقةً للرواية الممدوحه ، ضحكت بصوتٍ عالٍ على الإهداء السخيف
، ضحكتْ أكثر من ذلك الأداء التمثيلي البارع الذي قام به ذلك المغفل في
المحل ..
قالت لنفسها : كنتُ أظنهُ أديب بحق يتضح أنهُ الآن مجرد مراهقٍ لا أكثر ! ألقت كتابي عنها وراحت تقرأ مجلةً للأزياء والموضة !

سخِرتُ من نفسي وأنا أتصوّر هذا المشهد ، ربما هذا ما حدث فعلا ً .. يا للناقد الأدبيّ المضحك !


العزلة كانت إختياري أنا ،
لا شيء عندي يعدلُ متعة القراءة في غرفتي أو جولة بالسيارة في انحاء الرياض الفخمه ..
يبدو أن عزلتي قد تسرب لها الآن شيءٌ من الأذى ،
أن أبقى هكذا مفكراً في تلك العيون ، أن أبقى هكذا أتأمل الجوّال ..أن أحادث نفسي بشأن تلك العيون المجرمة ، سأجنّ !


أصدقائي أربعةٌ منذ أمد ، لم يزيدوا أبداً منذ سنين ، يجتمعون دوماً في شقة صديقي فهد .. وأنا أكثرهم غياباً عن هذا الجمع ..
تباً لذاكرتي ، كيف نسيت ماجد ! ماجد أصبح من الأمس أعز الأصدقاء ..
أحب مجالسة أصدقائي .. إعتزالهم هذا لايعني أنهم مليئين بالسلبيات التي
أترفع عنها ، العلة فيني أنا .. أنا من يجنح للعزلة والبقاء على هامش حياة
الآخرين .
لم أعد منفرداً كذئب في أطراف قرية .. داهمتني السمراء ! شاركني خيالها المؤذي كل تفاصيلي .. قاسمني يومي وتسكعي وحتى قراءتي !
طالما قد انتفت عني صفة الوحده ، فليشاركني أوقاتي من يرفهُ عني .. لا من يجعلني مجرد عصبيٍ حانق !
اليوم يومُ الأصدقاء .. وداعاً عزلتي الهادئه !

********

- هلااااا نجيب محفووظ !
كالعاده فهد يستقبلني بلسانه اللاذع وأنا أسلّم عند مدخل الشقة ، لم يرد حتى السلام !
- "ترى حليمه بولند وهي حليمه على سن ورمح، إذا دق عليها احد .. ترد " هههههههههه !
آآه يافهد، مازلت في غيّك القديم .. لو رأيتَ مارأيتُ البارحه لألقيت حليمة من الدور العلويّ لذاكرتك !
- " لازم نبخششك عشان تسيّر " ؟ ثم متوجهاً بحديثه للأصدقاء الضاحكين : " قايل لكم في هالديرة ماتمشي أمورك إلا بدهن سير وواسطه " !
على صوت الضحكات الصادحة في أرجاء المكان أخذتُ مقعدي ورحنا نتحدث في كل شيء !

حين نمتلأ بالفراغ ، تستحيلُ الأشياء التافهة لقضايا كبرى !
نتجادل للجدال ، نتحدثُ عن أي شيء في كل شيء ، لو مرت نملةٌ تافهه بيننا
صارت محور نقاشٍ ضاحك تتعالى فيه الأصوات أينا لمحها أولا ً !
بين البلوت و أغاني القنوات الصادحه وفتيات الفيديو كليب يروح ليلنا العاصميّ سريعاً سريعاً ..
على سحب السجائر المُحيلة فضاءات الغرفة لضباب ، وعلى بعض الرشفات المحرّمة
من كؤوسٍ نتحصلها بصعوبه وبثمنٍ متضاعف عن سعرها الأصلي ..
وعلى صوت ضحكاتنا المترنحة في سماء الليل يروحُ الوقت يجري كعداءٍ منطلقٍ ليحرز المجد لنفسه وبلده ..

ربما وحدي من يدركُ أن هذا الوقت يُهدر ، كلهم مقتنعون بأن مانمارسهُ هو المتعة المنشوده !
لهذا ، أصبحتُ مثار سخريتهم لأني الوحيدُ الذي يهتم للكتب والقراءة ويعتزل مجلسهم الموقر إلا في الإسبوع مرة ...
وفهد هذا الصديقُ الذي منذ عرفتُ الدنيا عرفته ، رفيق النخل والسواقي في
القرية القديمه .. هو أشدهم لذعاً لبعض ممارساتي التي يسميها غير مفهومه !
قال لي ذات مره وأنا أحمل كتاب الحرافيش لنجيب محفوظ ، بكم اشتريته ؟ أخبرته أني أنفقت لأجله 45 ريال !
راح يضحك ويقول :
أعطني نصفها وأقص عليك قصصاً أمتع مما ستقرأ له ! من يومها راح يسميني نجيب محفوظ .. ماموقفُ نجيب يا ترى لو سمع نبأ هذه التسمية ؟!

الواحدة منتصف الليل ، نغلق باب الشقة متجهين لسياراتنا .. هزيعُ الليل
يسخر من مشية بعضنا المترنحه وعيوننا المحمرة وضحكاتنا الصادحة بلا أسباب..
لا أدري من قال "ما أرق الرياض في آخر الليل ".. هو يكذب ، ربما كان جالساً
بجوار أديب لبنانيّ يتغزل في بيروت ومصري يتغنى بشرم الشيخ .. فأراد
إطراء الرياض مقلداً ليس إلا ..
الرياض في الليل موحشة ..تصطف فيها البيوت والمحلات المغلقة كأسنانٍ تتجاور
في فك رجلٍ ميت ! رجلاً غارت عيناه ويبست جمجمته وبات رفاتاً لا ملامح له
..
الرياض في الليل لا وجه لها .. تمر فيها السيارات المتقطعة كشهبٍ في السماء تعبرها بسرعه ..
لا وجه لها يا ذاك الذي قلت : " لو بغيت ، أخذتها من يدها ومشيت " ، بربك
أسمعتَ عن فتاةٍ لها أطراف وليس لها وجه .. هذه فتاة من الجن ، مرعبه !

ارتميتُ في سيارتي الغارقة في الظلمه .. انطلق كل اصدقائي لبيوتهم .. وحدي
بقيتُ خلف المقود في مواقف العمارة السكنية التي علقت عليها لافتةٌ تقول "
للعزاب " !
كانت معلقةً فوق نافذة شقتنا بالضبط ، أتأملها ساخراً وأتذكر مقولة احلام :
في قسطينة ، هناك كل شيء يدعوك للشراب لكنه ممنوع ! بلدٌ توفر لك كل أسباب الشرب ثم تحرمها عليك !
لا أدري وهذه الجملة تخطرُ في رأسي .. أتذكرت الرياض؟ .. أم تذكرتُ السمراء التي تحب أحلام ..لا أعرف !
لكني أعرف اني تذكرت مقولة ذلك الأديب الذي نسيتُ اسمه ورحت اشتمه ، قال لا عشق إلا بعد معرفة .. هذا لأنهُ لم يعش في الرياض ..!
وميض الجوال يشق العتمة ..
أرفعهُ بيدٍ مرتعشة .. ليس رقماً مخزناً لدي .. تتراقص أرقامه العشرة في ليل السيارة الواقفة بأمر قائدها الحزين !
عشرة أرقام يعلوها ساعة جوالي تخبرني أنها الواحدة والربع ، أوسدت الهاتف أذني وبصوتٍ متعب :

- ألو
- هلا .. فيصل ؟



يتبع ...

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:12 am

[size=16]
7


جاء صوتها هادئاً يشق صمت الرياض، ينسابُ كنسمةٍ باردةٍ تداعب غصناً أخضر ،
نطقتْ إسمي متسائلةً إن كنتُ أنا .. ووقفتُ عن الجواب لبرهه .
كان إسمي ينبعثُ بين شفتيها كـ قبله !
"فيصل؟" هكذا نطقتهُ مستفهمةً تستجلي الأمر، قالتهُ بصوتٍ حاد يستفسر، راحت أذني تستقبلهُ كما لو كانت تسمعه أول مره ..
كان إسمي جميلاً جداً ..شعرتُ بإنّي أحمل الإسم الأجمل في المدينه .. همسَت
بهِ في ليل السيارة المتوقفة فحركت فيّ إحساساً لم أفهمه ..

- اي نعم .. مرحبا ؟
نطقتُ عبارتي الأخيرة وأنا لا أدري كيف أبدأ أو ماذا أقول ، أشبهَ بطفلٍ يتعلم المشيَ بعد الحبو ..
- عرفتني ؟
لا ، ليستْ حانقه .. لو كانت كذلك ما رمت بهذا السؤال ، لكانت تنطلقُ في
مرافعاتٍ غضبى الآن ! لمزيدٍ من سماع صوتها العذب رحتُ أتغابى :
- لا ، عفواً من معي ..
ضحكتْ كأنما تقولُ لي أيها الكذوب ..
- أنا اللي أعرتـَها الكتاب بالأمس !
- آها .. صاحبة الجهاز ؟
سؤالٌ آخر أطمحُ لسماع إجابتها ، على طريقة / هل من مزيد أيها الصوتُ الناغم .. أجابتني فوراً :
- " إمممهه "
هكذا .. لم تجب بكلمة ، فقط همهمت بهذه النغمة في غنج علامة الإيجاب ...
كأنها تعرفُ سطوة صوتها فراحت تقتصدُ في إستهلاكه !

توقفتْ وتوقفتُ أنا ..
مرت سياره ثم أخرى أنا أرمق الطريق في صمت من خلال مرآتي الخلفية ..
كنا غارقين في السكوت كأنما جمدت الألسن بغته .. كأنما انتهتْ المكالمة .. أضعُ الهاتف على أذني وتضعهُ على أذنها لنسمع صمتنا !

ربما ظنت أني من النوع الذي يُعتمد عليه في فتح آفاق الحوار ..
ربما توقعتْ أن عليها فقط أن تتصل وتترك أمر النقاش للشاب الجريء يُدير دفته ..
بالتأكيد هالها صمتي ،
أردتُ تحرير لساني من رقدتهِ فاستعصم ، أردتُ دفع الحديث لأي وجهة فعثرتُ بحجارة الرهبة ووقعت !
ماذا تحسبني ؟ رجلاً يلتقي النساء كل يوم .. ؟ رجلا ً يجيدُ مناقشة الأنثى كمناقشة الرجال ؟


في غمرة أفكاري استيقظتُ على صوتها ينقذ مأزقي :

- يبدو أنك مشغول !
هه، بربك توقفي عن إضحاكي يا سمراي؟! لو اتصلتي وأنا في غمرة انشغالي لأجلتُ كل شيء وفرغتُ لك !
سأخرق تلك الحكمة وأؤجل عمل اليوم إلى الغد .. آه لو تدرين ، مبلبلٌ يا سيدتي لستُ مشغولا .. أي شغلٍ في الواحدة والنصف !
أجبتها بسذاجة :
- لا ، بالعكس .. إنما .. فقط متفاجئ بعض الشيء ..
كانت جملةً رديئه تمتلأ بألف ثغره ، إنما هي محاولةٌ لإرتكاب الحديث !

- متفاجيء ؟ طيب ليش كتبت رقمك !؟
هيّا .. أولى ثمار جملتك الغبيه ، إذاً فلتحصد ثمار ما زرعْت!

حركتُ سيارتي وسلكتُ الطريق أمشي على مهل .. ربما حركة السيارة تصيبُ عقلي ولساني بالعدوى !
فكرت : لا مزيد من الخجل ، تذكر .. الإنطباع الأول أدومُ خاطر !
حسناً :

- سجلتُ رقمي لأحدثك ، راق لي حقاً ذاك النقاش في المحل بالأمس !
- يبدو أنه النقاش كان مجرد وسيلةٍ لغاية !
أيضاً هي بادرتْ بالجرأة ونزع رداء الخجل .. هذا ماتريدين ؟ إذاً هيا ننطلق :

- سأكون كاذباً إن قلتُ أشياء كثيرة ..
إن أخبرتكِ أني لم أطمع في محادثتك .. انعتيني بالكاذب .
إن قلت جئتي ومضيتي دون ترك أثر .. قولي لي كاذب .
وكاذبٌ جداً إن قلتُ أنكِ كأي أنثى صادفتها يوماً !

رميتُ بعبارتي وأنا أردد في نفسي : هذه الجرأة، فلتشبعي نهمكِ يا فاتنتي !

لم يطلْ صمتها كثيراً .. كأنها ضحكت وهي تقول :
- واو .. صريح جداً !
رحتُ أجترّ الحديث ..
- هل تعلمين ماالفرق بين الصراحه والوقاحه ؟
- ها ؟
- الصراحه أن أخبركِ شيئاً حقيقياً .. الوقاحه إخباركِ مالا تودين سماعه! وأظنني جمعتُ الإثنتين !
-إممم لا غلط !، الصراحه أن تخبرَ بالصدق ، الوقاحه نوعٌ من الكذب وتشويه الحقيقه !
- أبداً ! كلاهما حقيقه .. كلاهما خبرٌ صادق .. هل تعرفين فلسفة الكاتب الفرنسي اندري مورا بخصوص هذا الأمر ؟
يقول : الصراحه هو النقد الذي نسمعه ممن يحبوننا ونحبهم. الوقاحه هي مانطلقه على الصراحة ذاتها حين تأتي ممن لا نحب !
- ماشاء الله ، يعني الأمر متوقف على مشاعرنا تجاه الناقل ؟ صدقني مامعه سالفه مورا ههههههه

على صوتِ ضحكتها كنتُ أقفُ بعيداً جداً عن بيتنا ..
طرقاتٌ لأول مرةٍ أعبر من خلالها ، كنتُ أقود كالأعمى وأستمتعُ بالحديث العذب !
تركتُ لأذني دفة القيادة .. مع كل جملةٍ كنتُ أنعطفُ عبر أقرب ممر ، غصتُ في متاهات المدينة !
أين أنا ؟ لا يهم .. المهم أني على الهاتفِ مع هذه العذبه !

بصوتٍ بشوش سألتْ :
- أتوقع إنك بالسياره !
- كيف عرفتي ؟
- صوتُ السيارات المارّه ، صوتُ الهواء القوي ...
ضغطتُ على بوق سيارتي.. راحت على الفور تقول :
- وأيضاً صوت المنبه هههه
فـ ضحِكنا سوياً..

قلت لها أنها نست أهمّ شيء .. صوتُ الأنغام الصادحةِ من المسجل !
يالغبائي .. ليست كل البيوت بيتنا !
أخبرتني ضاحكةً مني أن الأغاني ليستْ حكراً على السيارات ، قالت ها أنا في غرفتي و لا يكف صوتُ محمد عبده عن الغناء !
وقنواتُ الفيديو كليب لاتهدأ حتى أقرر النوم !
وأننا كشباب ، محظوظون جداً لحريتنا في الخروج والدخول متى نشاء ..

على إثر حديثها رحتُ أبتسم !
في الرياض تتجاورُ البيوت وتصطف قبالة بعضها لكن بينهنّ ثمة فروقاتٍ واضحه ..
رمى بي حديثها في بحر المقارنات ورحتُ أفكر ..

أي سجنٍ يا سمراء ؟

في بيتنا .. لم تكن تخرج شقيقاتي إلا للمدارس فقط !
السوقْ في مواسم متباعده .. يخرجنَ برفقة والدي أو رفقة أحدنا نحن الأبناء ..نحرسهنّ كقطيعٍ لا يعرف إدارة أموره إلا بوجود راعي !
يوصينا أبي أن ننزل معهن ونجول في السوق وبضائعهِ المملة ونعيدهن بسرعه !
والدي لو سمع صوتَ موسيقى ينبعث من التلفاز لأقام الدنيا وما أقعدها ..
في بيتنا لم يكن لشقيقاتي قبل زواجهنَ صديقاتٌ خارج اليوم المدرسي.. في بيئتنا من الخطأ أن يُترك للفتيات حرية التزاور !
لا بد من ملعقة شكٍ وارتياب لنصونَ المرأة ..
نتعاهدها بالحراسة حتى تغادر لبيت زوجها كماسةٍ تُحاط بالعناية والرقابة والإهتمام حتى البيع !
في بيتنا .. كانت تُكمل الفتاة التعليم الثانويّ ثم تقف مجبورةً .. لأن سمعة الجامعة سيئة في مجمتعنا المحافظ !


تتحدثين عن السجن يا ذات الهودج الخاص !
أي سجنٍ بربك وأنتِ الساهرة على أنغام أبو نورة في الثانية من الليل !
أتتحدثين عن السجن ياذات السائق المطيع ! بربكِ عمّاذا تتحدثي !!

في بيتنا .. كانت شقيقاتي يُجمعنَ في غرفةٍ وحيدة .. لا غرف خاصة للبنات !
هه يا أيتها السمراء ذات الغرفة الضاجة جدرانها بأصوات جميلات لبنان !
أنا الشاب ، لا أستطيعُ مشاهدة قنوات الفضاء لأن والدي يمنعُ الدش منعاً باتاً أن يهبط سطح منزلنا ..
وأنتِ تسهرين للفجرِ على قنوات الأغاني في غرفتكِ الأثيره !

رحتُ أقارن بيننا وبينهم في كل ما تخبرني به ..
يا للفرق الواضح !
لديهم كميةٌ هائلةٌ من الثقة يحيطون بها أبنائهم وبناتهم !
لها كافة الحرية حتى العاشرة من الليل ..
بعد العاشرة يجب أن تكون في المنزل .. يُمنع السواق بعد العاشرة أن يلبي مشواراً إلا للضرورة .. يا للصرامة !

ثقتُها في الحديث كانت تتصاعد .. جرائتها ساعدتني لأنطلق معها لأتحدث عبر كل شيء ..
ليستْ مثلي أبداً .. تتضحُ عليها آثار النبل والثراء .. كانت تتحدثُ غاضبةً على خادمتهم المغربية التي نامت ولم تجهز لها العشاء ..
سمعتُ عن سائقين في البيت وليس واحد !
جهازها الذي كان بالأمس بداية اللقاء.. عرفتُ أنه يفوق الآلاف التسعة !
أجوبُ طرقات حيّنا السكني البسيط وهي تثرثرُ عن أرقى أحياء الرياض بطلاقةٍ تشي أنها من تلك البِقاع !

كل شيء يحيط بها كان نقيضاً لي ..
بهرتني بحديثها عفويتها ثراءها رقة صوتها ..
تتحدثُ لي وأسترجع مشهد عينيها البراقتين فلا أجد أحق بتلك العيون الجميلة من هذا الهمسِ الرقيق ..
رمتْ بي في أتونِ المقارنة .. أدركتُ على الفور حقيقةً دامغه : تجمعنا الرياض لكن نعيش في عالمين نقيض !


لم يعد الأمر مجرد إقترابي من أنثى واتخاذها صديقه ..
ما بات فقط هوساً بهذه العيون والقوام الرشق والدنوّ منه ..
وليس ملأ فراغي وإشباع عاطفتي المتقدة ..
بل أيضاً أصابني الفضول ..
الفضول في الإنغماس في هذا العالم الآخر الذي أشاهده عبر التلفاز و أقرأ عنه في القصص ..
عالم الأثرياء والبيوت المنعمّه !
تلك الأحياء التي أمرها لأتأمل قصورها .. اليوم أجدني على مقربةٍ من إحدى فتياتها !
طالما رنوتُ للنوافذ الفاخرة المشجرة وأتخيلُ ما خلف الستائر ..لطالما تسائلت عن الحياة الدائرة في الغرفِ المخملية تلك !
هكذا .. صدفة ..
وجدتُ نفسي أمام فتاةٍ من تلك الطبقه التي تختلفُ عني في كل شيء ..

* * *


توقفتُ أمام بابِ بيتنا القديم..
بقيتُ في السيارة أستمعُ حديثها المنساب كجدول ماء ، حتى سخريتها مني كانت تتسلقُ لمسامعي كأغاريد :
- بربك فيه احد يسمع فريد وأم كلثوم !
- أنا مثل أوسكار وايلد، عارفه وش يقول ؟ " ذائقتي بسيطة جداً، فقط لا أرتضي إلا الأفضل ! "
- يا بابا .. يا بابا فيه اختراع اسمه رابح.. راشد .. عبدالمجيد
ضحكتُ وهي تقول بابا بطريقةٍ تلح في الإقناع ..
- ألحانهم مكررة ، موسيقاهم مستنسخه من بعض ، اتركيهم واسمعي الأطلال أو عش انت .. على الأقل أنفقي سيئاتكِ فيما يستحق
- ههههههههههههههههه
شعرتُ أن ضحكتها تدوّي في سماء حيّنا البسيط .. بيوتٌ متراصة .. متقاربة .. تتكدسُ أمامها السيارات القديمة بعض الشيء ..
ما موقفها لو رأتْ هذا البيت ذو الطلاء المقشر ! أو هذا الباب .. بابنا الذي حوّله أطفالنا وأطفال الجيران سبورة لتعلم الخط ..
ماذا ستقول إن شاهدتْ سيارة والدي " الوانيت " .. سيارتنا الرسميّه .. في حين أسوأ سياراتهم هناك تُمنح للسائق " يوكن فيراني " !!

إبتسمتُ لهذه المقارنة الساحقة ..
استأذنتها في وضع المكالمة على " تعليق " ..دخلت البيت وحين فتحتُ باب
غرفتي ذات الستائر القديمة والفوضويّة الأشياء .. عدتُ لسمرائي أتحدث ..
في بيتنا .. أتسللُ للبيتِ كل ليل خائفاً أترقب .. فإذا وجدتُ أبي نائماً شعرتُ أني اجتزتُ الخطر المحدق!
آخر ما ينقصني أن يصرخ فيني والدي وهي تسمع !


كانت الساعة الثالثة وأنا فوق فراشي أحادثها همساً ..
تجاذبنا الحديث في كل شيء .. وعندما قالت متثائبةً " دوّختني يافيصل نعست "
، شعرتُ إن شيطاني يبتسمُ لي ويريد مني تقليب هذه العبارة طويلا ً طويلاْ
!
-تصبحين على خير يا .. تصدقين ؟ للحين ما اعرف اسمكْ
- إممم .. لا خليه بعدين ! تصبح على خيـ ..تعال :
بكره ..لا هنت .. فز من طولك.. تروح التسجيلات .. خذ ألبوم راشد " ويلي "
.. بربك إركن فريد وخل ام كلثوم تستريح شوي وعطني رأيك بأمانه !

نطقت العبارة الأخيره متقطعةً بصوتٍ متغنج .. صوتُ من تشرّب الدلال في أحضان ذويه جيداً !
لم أكن إلا لألبي ..

- أبشري ، أوامر أخرى ؟
- لا .. بس مو تنسى، يالله بـاي
- مع السلامه

إنتهتْ المكالمة الأولى ..
يبدو أني لم أعطِ إنطباعاً سيئاً ..
" خليه بعدين " تشي بأن الباب موارب .. لم تُغلقه في وجهي .. لا لم أكن سيئاً أبداً !


على صوتها المتراقص في أذني كنتُ أحتضن وسادتي وأغمضُ عيني وأنا أردد :

انتظرني يا راشد في الصباح ..
جاءتني بخصوصك توصية ٌ لا ترد !

قبل أن أستسلم للنوم .. وعلى صوت الأذان الأول مخترقاً هدأة الليل ..
كنتُ أرسل لصديقي ماجد مسجاً سريعا أكتبه في الظلمة :

"صديقي ماجد: شكراً لك ..شكراً لـ محلّك .. شكراً حتى لـ حواسيبك "


.. يتبع
[/size]

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:14 am

8


لا أظن كاتباً في الدنيا مهما برعت لغتهُ وحروفه .. يستطيعُ إيصال السعادة المتراقصة في روحي الآن.
ولا حتى طبيباً نفسياً بارعاً.. بإمكانهِ تفسيرُهذا الفرح المتقد فجأة !
لم أنم إلا 4 ساعات ..
لكني أفقتُ نشيطاً ضاحكاً ممتلأً بالطاقة مشرباً بالحياة !
لبستُ وتأنقتُ وأنا أغني .. وقفتُ أمام المرآة أسوّي غُترتي بإتقان وأنا أصدحُ بخليطٍ من أغاني أم كلثوم ..
أغني مقطعاً من أغنية وأنتقلُ لأخرى كطائرٍ سعيد يتنقل من غصنٍ لغصن ..
خرجتُ من غرفتي بشوشاً .. خرجتُ أنيقاً لأن تشارلز ديكنز كان محقاً " السعادة أهم أداة تجميلٍ على الإطلاق " .
حتى الخادمة السيلانيّة السوداء التي لا شيء فيها يدعوكَ للإبتسام ..لم أنساها من سعادتي !
طالها من فرَحي نصيبْ ، ضحكتُ لها وأنا الذي اعتدتُ الرزانة حد التجهم !



في الصباحات السابقة :
كنت أتناولُ إفطاري وأحتسي الشايَ عابساً ..مطرقٌ كغاضب !
أتناولهُ في مطبخنا القديم جداً بفرشته الخضراء وأدراجهِ المتآكلةِ أطرافها صدئاً !
وبصوتِ حنفيّتهِ التي تجيدُ الإزعاج بقطراتِ نَداها المتكررة سقوطاً على مدار اليوم !
يغرقُ الدور الأرضيّ الهاديء في بحر التلاوةِ المنبعثِ من مذياع أمي القديم ، تلك أمي ترقدُ بين سجادتها وإذاعة القرآن !
أظننا البيتُ الوحيد الذي لا تكف جدرانهُ عن التعطر بالآيات ..
فإذا أنهيتُ إفطاري ، أطللتُ على أمي في الفناء لأجدها كالعادة باكيةً مع تتبع القراءة ..
أصافحها وأخرج تشيعني دعواتها المحفوظة!



أما هذا الصباح :
كل شيءٍ كان كعادتهِ إلا أنا !
كان مطبخُنا حقلا ً أخضر ، أدراجهُ ترتفعُ كغيماتٍ في سماء..
أصواتُ القطراتِ الرتيبةِ كانت إيقاعاً هادئاً لم يضايقني..
شربتُ الشاي وخرجتُ إلى الفناء الراقدةِ فيه أمي .. أغلقتُ الراديو لأثرثر معها قليلا ً ..
سألتها عن آلام قدميها ،احتسبتْ الأجر وشكرَت ، دلّكتُ ركبتها المريضة بالخشونة كما أوصانا الطبيب،
قبلتُ رأسها وخرجتُ لتعاود التهليل والبكاء مع السوَر !

فكرتُ في سمرائي وأنا أُمهلُ سيارتي لتنزع عنها برودتها :
يا تُرى الآن أين تذهب ؟ لماذا لم أسألها أين تدرس وهل هي طالبة أم ماذا ؟
حسناً ، ألديهم فناءٌ كفنائنا الذي عبرتُهُ للتوّ !
فناءٌ ذو سقفٍ حديديّ .. يعتمدُ التكييف الرخيص ذو الماءِ والقش!
وسخِرت باسماً :
هه ماذا لو رأتْ المطبخ الذي تناولتُ إفطاري فيه .. أكانت تجزع ؟
وهل أمها كبيرة السن كأمي ، تضطجعُ في الفناء في الصالة في أي مكانٍ يزورها الألمِ والإعياء فيه ؟
أم ياترى يغالون في الإتيكيت وكل شبرٍ في البيت لِما خُلِق له ؟!
وأبوها .. يا تُرى ما منصبه وأين يعمل ومركزه المرموق ماذا ؟
وسرَت بي الأفكار صوبَ أبي المنطلقِ قبل مغادرةِ الطيور أعشاشها ناحية المدرسة البعيدة ..
أتذكرُهُ باسماً وهو الذي يتحدثُ عن التعليم كأنه أحدُ رموزه .. مسكينٌ أبي:
يفتحُ أبواب المدرسة ثم يقفُ متمللاً حتى الظهيرة ليكسرَ الجمود .. يروحُ
خلفَ مكبر الصوتِ ينادي الطالبات والمدرسات لذويهنّ الآتين لأخذهنّ ..
ويعودُ لنا كأنهُ المدير ذو الشأن.. ينتقد التعليم و يُلقي بالنظريّات المهمة الكفيلةِ بتطويره !
آه يا أبي المسكين وأمي المسكينة وآهٍ أيها البيتُ الأشبهَ بعجوزٍ يُنازع !


مر كل هذا في مخيّلتي ..
شعرتُ أني ساديٌ يريد التنغيص على نفسه !
لا لن أسمح لكل هذا أن يعكر صفو سعادتي ..لن أسمح حتى لنفسي أن تجرني نحوَ الحزن مجدداً حين بدأتُ تلمّس خيوط السعادة ..
كامو يقول " لن تذوقَ السعادة طالما تفكرُ في تفاصيلها "
طردتُ كل هذا عن رأسي وشققتُ عن ذاكرتي صورة فاتنتي وضحكاتها البارحة ولذة الحديث والرقمَ المخزّن بإسم " سمراء "
انتشيتْ ، رجعتْ روحي ترفرفُ من جديد ..



أليس غريباً .. أن تتغيّر عاداتك فجأة ؟
أن تريدَ مصافحة من عرفت ومن لم تعرف .. وأنتَ الرجل المتحفظ دوماً ؟!
أن يغمرك الفرح فتريد محادثة كل مار بجوارك وأنت المقلّ في الحديثِ حتى مع الأصدقاء ..؟
هل السلوك جبلّةً وطبيعه ؟ قيمةٌ ثابته !؟ أم أن سلوكنا نتيجةٌ تتأثرُ بعوامل كثُر .. قيمةٌ تتغيّر تباعاً ؟
ما هي السعاده ؟ أحقاً هي العلاقة الإنسانية الخاصة كما يقول دو سانت ؟
أم هي ما نتصنعه ونزيفهُ لأنفسنا كما يُفلسفها أرسطو ؟
لا أدري ..ولا أريد حتى أن أدري
كل ماأدريهِ أني وقفتُ مفعماً بالحياةِ أصافح رجلا ً يمانياً في محلٍ تتكدس فيه الأشرطه .. وبصوتٍ مغتبط:

- أبي شريط "ويلي" لراشد الماجد .


كان مسجل السيارة معموراً بـ شريط " من أجل عينيك عشقت الهوى " ..
أخرجتهُ وأنا خجِلٌ من ثومه ومن فريد وعبدالوهاب وكل أصدقائي الكلاسيكيين ..
شعرتُ أنهم يتعرضون لطعنة الخيانه ويدركون سر هذا التحوّل !
كنتُ أركنهم جانباً وكأني أقول :
ابتعدوا قليلاً ياأصدقائي القدماء.. هناك من قدِم مشفوعاً بشفاعةٍ حسنة !

راحت السيارة تدوّي بـ :

" مالي في هالدنيا سواك انت يا أجمل ملاك انت الوحيد بدنيتي مابي أعيش الا معاك "

ورحتُ مع الكلماتِ محلقاً في السماء وأفكر :
هذه الأنغام طرقت مسمعَ سمراي يوماً ..تلك الحسناء التي رأيتُها وسمعتها وأجهل اسمها !
بالتأكيد لن تتصلْ ، لكني سأفعلْ سأحادثها ليلا ً .. الليلُ بحرُ العشاق ويتسامقُ فيه الحديث ليصبح شعراً ..
أعود للأنغام الصادحة من المسجل :
ربما غنتها .. بل ربما رقصت على أنغامها في خلوتها !
انفصلتُ عن الدنيا ..
كنتُ أتجه إلى الجامعةِ كطائرٍ يرفرف بجناحيه لا لم أكن أسيرُ على الإسفلت الأسود الموحش..
وصلتُها وشعرت أن المسافة كانت قصيرةً على غير العاده ، مجرد دقائق !
في القاعة في الممرات في المواقف كنتُ الرجل الثرثار !
الرجل الذي لا يُمل حديثه ..
حتى عامل الكافتيريا تبادلتُ معه أطراف الحديث عن بلدتهِ التي لا أعرفها أصلاً على الخريطة ولا أعبأ بها مطلقاً .

أليس غريباً ..
أن نكتشِفَ بعد سنين ، جوانبَ في أنفسنا ما كنا نعرفها قط !
أنا الذي أجنحُ للعزلة ما استطعت ، ويصيبني الخرسُ بين الجموع ، وأظنني المحتاجُ لدورةٍ في مهارات التواصل ..
.. أجدني المفوّه الباسم هذا الصباح !
أحدثُ نفسي في زحمة الحضور /
من قال أن العزلة جيده ؟ يا للسخف .. وهل الحياة إلا الصخب !
العزله ! يا للقرار الذي بنيتُه سنيناً كبيت ، ياللرأي الذي اعتنقتهُ طويلاً كعقيده .. كنتُ أرتد و أكفر به هذا الصباح!
أوَليس أغرب الغرائب: أن تتهاوى القناعات فجأه ؟!


*****


في شقتنا مساءاً .. كنتُ أشارك فهد سلطنة الحديث !
كفرتُ بالإستماع فقط !
لم يكن هو المتفرد بالقصص الشيقه والقفشات المضحكه .. فهد هذا المساء واجهَ منافساً له على عرش الكوميديا !
كلهم كانوا يتضاحكون على تعليقاتي الساخرة ..
إستلمتُ زمام السيطرة في هذا المجلس الذي تحفهُ سحبُ السجائر ولا يتخلله إلا صوت الضحك وصوت القداحات تشعل لفافةً بعد أخرى ..
حتى فهد صار مستمعاً كرجلٍ آمن بالهزيمة وتنازل للطرف الأفضل عن دفة الحديث ..
كلما أنهى قهقهاتهِ نظر لي وفي عينيه نظرةٌ تتسائل في ابتسام!
هذا الرجل يعرفني أكثر من أي شخصٍ آخر ..و أعلمُ أني بالنسبةِ له كتابٌ مفتوح ، عبثاً أمتلأ بالأسرار أمامه !
كان يصفقُ لي كلما تألقتُ ويرمي بلسانهِ اللاذع كلماتٍ يطلقها بنبرته الساخرة القديمه :
" والله صاير بطران / بشرني وش انت شايف / الظاهر مات نظّالك "
وأتلقّى دعاباتهِ بسرور ..

أصرّيتُ أنْ أجلب العشاء أنا ..
خرجتُ لأجد فهد قد قرر مرافقتي للمطعم .. كان يريدُ أن يحادثني على انفراد .. عرفتُ أنه مملوء بالأسئلة فابتسمتْ .
في السيارة لم أتركْ حيرتهُ تطول :

- شبّكت لي ملكة جمال هههههه
- أحلف ..
- قسم بالله !
- أين ؟ متى ؟ كيف .. غرّد غرّد
على حماسهِ البادي رحتُ أتلاعب به :
- دع عنك هذا وقل لي متى مباراة الهلال القادمه !
- أوووه .. تباً لك وللهلال .. تكلم
- برأيك أأحضر مشويّات أو كبسة ؟
- كبسك عزرائيل الله ياخذ عمرك
-هههه حسناً حسناً..
أتذكر صديقنا ماجد ؟
- ماجد مااجد مااااجـ .. "الموسوسْ" !؟
- هههههههههه نعم..لكن انتبه لن أسمح لكَ بتكرار هذا الوصف بعد الآن ..
قبل الأمس .. كنتُ عنده في المحـ

نغمة " بعيد عنّك " المنبعثة من هاتفي تخترقُ حديثنا ..جاءت في وقتها المناسب متواطئةً مع إغاظتي لصديقي المستفَز !
ابتسمتُ وقررت الإجابة إمعاناً في تشويقه ..
أخرجت الهاتف من جيبي على وقعِ لعناتهِ المتبرمِة ..
وجهي يمتقعْ .. وقفتُ صامتاً أنقّل نظراتي بين الهاتف وبين فهد ..

- ماذا ؟
- التي أحدثكَ عنها، ها هيَ تتصل !

يتبع ...

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:15 am

9

هناك في محل ماجد حين رأيتُها قبل يومين .. كان إبليس يكتب السيناريو ويقوم بالإخراج وأنا مجرد بطلٍ يؤدي الدور !
أما هنا ، في هذه السيارة الواقفة على قارعة طريقٍ مظلم ، كان إبليسُ
يتوارى إحتراماً لفهد .. فهد ذاك الشيطان البشري الذي يعرف الكثير ..
كان إبليس يترك المقاعد الأمامية في مسرحية "الشاب والسمراء" ويقول لفهد
تفضل.. هذا المكان مكانك .. ثم ينزوي صامتاً في جوانب المسرح الكبير !


فهد صديقي منذ كنتُ طفلاً في قريتنا .. سبقني في الظهور للدنيا بأربعين يوما .. كان بيتهم الطيني يقابل بيتنا تماماً .
تعلمنا الحبوَ سوياَ .. نطقنا ومشينا سوياً ،
كبُرنا على نصائح أمهاتنا ينبّهنَنا أن نلزم البقاء عند الباب ، وشققنا عصا الطاعةِ وخرجنا إلى المزارع سوياً ..
كبرنا وصرنا أشقياء بما يكفي لنتلقى العلقات من أهلنا .. ومن جدي وجده حين
نَدهمُ السواقي ونخطرُ في حقول البرسيم غير آبهينَ بأقدامنا التي تحصدُ
ماوطأت ..
وعرَفتْ الأغنام هجماتنا سوياً مقلدين الذئاب الشرسة ضاحكين ، والنخلُ المتسامي عرفَ شقاوتنا ...سوياً ..
لطالما صعدنا النخيل كأنما نصعدُ في السماء .. ولطالما استعجلنا مواسمها فقطفنا ثمرها ولمّا يؤت أٌكلهُ بعد ..
وعرفنا الرياض في ذات الوقت تقريباً .. نزلوها أهلهُ قبلنا بأشهر،
يومها بكيتُ فوق ركامِ بيتٍ طينيٍ خرِب، اعتليتهُ ورحت أشيّعهم راحلين عن القرى في صبحٍ كئيب !

عرَك الرياض قبلي ، شبَ وصار رجلاً كأنما استحال فرقُ الأيام بيني وبينهُ أعواماً طوال،
اختلفت اهتمامتهُ جذرياً .. ترك طفولته في القرية وبات شيئاً آخر تماماً !
قرويٌ لطمتهُ الحضارة بغته .. خرج عن النسق كلياً وساءت سمعتهُ .. تعثرت دراستهُ طويلاً ..
انخرط في العمل الوظيفيّ كاتباً في أحدِ فروع البلدية بالرياض، عملٌ يغيبُ عنه أكثر مما يحضر!
ثم بالكاد أتمّ تعليمه الثانويّ -ليلاً- حين صرتُ الآن طالباً في سنة التخرج من كلية اللغة العربية.

في نظر والدي لم يعد فهد ذلك الجارُ القديم .. ما عاد ذلك الفتى الوادع الذي يغدو ويروحُ إلينا كما لو كان أحد أفراد منزلنا .
صار أبي يصفهُ بشيطانِ وُلِد في بيتٍ ملائكيّ .. عقوبةٌ ابتلى الله بها أهلَه ! يزجرني إن رآني معه ..
دائماً مايعطيهِ - أبي - الأعذار المكذوبة حين يراهُ أمام بيتنا ينتظرني ..لهذا اِعتدتُ أن ألتقيهِ سراً !
نعم هو نموذجٌ للصديق السيء في نظر الآباء ، سيماهُ في وجهه ..
إنما للحق هو أقربُ الأصدقاء طراً ..
وأعرفُ أن خلف سمرتهِ الطارئة وعينيه الغائرتين وجبهتهِ المندوبة قلباً ينضح بالصداقة والطهر ..


السفر الشراب حضور مباريات الهلال السهر أبرز إهتمامات فهد وأهم قضاياه الخاصة.. لكنّ لا صوتَ يعلو في حديثه على صوت النساء !
يحدثنا عن تجاربهِ فـ يغمرنا الصمت كـ تلاميذ يقبعون فوق المقاعد مصخين السمع لمعلمهم ..
يقصّ لنا مغامراتٍ لا نراها إلا في الأفلام ، لم نكن لنصدق يوماً أن الرياض تخبيء في زواياها مثل هذا العرض ..
الهدايا التي تملأ غرفته ، دُمى الدببة المتناثرة في الشقه ، قلوب الحب
والدناديش الحمراء التي تزين سيارته كلها تخبرنا أنهُ المتفرد عنا !
حتى فاتورة هاتفهِ التي تتجاوز مرتبه الشهريّ ، يقسم لنا باسماً معتداً
بنفسه ، أن فتاةً في شمال الرياض تتكفلُ بسدادها له فنغرق في الضحك وبعضنا
في الحسد !!!

كان يسميني " نجيب محفوظ " هازئاً من إمعاني في القراءة .. وأسميه " دنجوان " لإمعانهِ في أحاديث الهوى ..
قال لنا يوماً وهو يُفصحُ عن نظريّاته الخاصه :
- لا يهم الجمال ولا الأناقة ولا حتى المادة .. يلزمك خفة الظل وسلاسة الحديث لتستقر في قلب إحداهن
وكنا نصغي ... لا يجرأ أحدنا فيقطع الحديث اللذيذ
- المرأه تبحث عن ما يتضاد مع شخصيتها ، لا تريد الجمال ولا النعومه ولا سخافات المراهقين في الأسواق ، تريد رجلاً ليس أكثر
فأقول في نفسي تباً له كيف يعرف؟! ، ما كان ينقصنا إلا كراساتٍ جانبية نسجل فيها مايقوله د.دنجوان ونتلقاهُ كمحرومين !
- الأنثى لا تريد منك إلا أن تُشعرها بالدفء والإهتمام ،لذلك حين تتحدث إليها: " اصرف حنانك هههههههههه "
ونضحكُ كأننا نقول للحديث الصاخب هل من مزيد !

في إحدى المساءات الباردة ..
اتصلَ بي وهو يتألقُ سعادةً .. عرفت فيما بعد أنه عائدٌ من موعدٍ غرامي، حادثتهُ وهو يغني " زي الهوا " ..
رفعت سماعة الهاتف لينطلق صوتهُ في حبور:
- وفـ عز الكلام آآآآه، سكت الكلا.. ألو ، هلا نجيب، أعرف جيداً ماذا تفعل ، ممسكٌ بروايةٍ ساذجه وتقرأ هههه
- أهلا فهد ، وكأنك تدري !
كنتُ حينها أقرأ رواية جين اير العالميّه مأخوذاً بتفاصيلها .. قال لي على الفور :
- غبي! اصنع روايتكْ لا تقرأها .. الأحاسيس والمشاعر تُعاش أولاً ثم تُقرأ !
حين تصنع تجربتك الخاصه، إطّلعْ على تجارب الآخرين يابو محفوظ.. وأتاريني ماااسك الهوى بيديّا آآآه ماسك ...
راح يغني وأنا أضحك !


هل كنتُ أحسِده ؟
هل كنتُ أتمنى أن أكون مثلَه ، حقاً لا أدري !
لكنّي كنتُ على فتراتٍ متباعدة أحاول أن أغتنمَ رياحي حين تهِب ، مدفوعاً بالإنتعاش اللذيذ الذي أراهُ في أعين دنجوان !
كنتُ على النقيض منه ،حييّاً أفتقدُ للجرأة ، كثيراً ما كنتُ أكتفي
بإختلاسِ النظراتِ أملاً في تحقيق علاقةٍ عابرة ، لكن النظرات لا تصنع
للحمقى شيئاً !
كنتُ أعود بالخيبة والكثير من الألم ،
لديّ عينٌ تهوى الجمال وقلبٌ يهفو للحب لكني أبله .. نعم أبله.. وهذا ما اعتدتُ وصفَ نفسي به حين أسمع احاديث العشاق !
لستُ أسوأ من غيري مظهراً وأناقة .. لكني أدركتُ أن فهد مقنعٌ حين قال :
- الأسلوب !
وأسلوبي أبلهٌ مثلي تماماً .. مرتبك خجول متلكيء .. أشعرُ أني غالباً مثار
شفقة الجميلاتِ اللواتي يكتفينَ بالنظر لي ويقلن في أنفسهن :
- يبدو أنه أخرس ! ثم يمضينَ كما لو قلّبن بضاعةً لم تعجبهن !
هكذا .. أقفُ بخجلي ثم أفشل ..أمضي ساخطاً مستصعباً سهولة الأمر الذي يتحدثُ عنه صديقي !

في الرياض .. أسمعُ همسات العشاق لكن لا أراهم .. أفتش في الزوايا فلا أجد إلا الصمت ..
تمنيتُ كثيراً أن أكون صديقاً لإحداهنّ أبثها الوجد وتبثني همومها .. لكن لم أجد !
لهذا ..
عرفتُ أخيراً أن الأسلوب اللبق ليس الأهم، إنما يأتي بعد شيءٍ آخر ، شيئاً
أهم منه ، يبدو أن صديقي الأستاذ نسيَ أن يعطي تلميذه النصيحة الأولى ،
لكن التلميذ النجيب اقتنصها لوحده :
- الجرأة !
حين تجرأتُ أخيراً .. كنتُ أقفُ على أعتاب مغامرةٍ استوقفت فهد ونظر لي أخيراً بعين الرضا !



رفعتُ الهاتفَ وأنا كافرٌ بالخجل مؤمنٌ أن الحياء لا يصنعُ شيئاً في بلدتي هذه ،
وأمام شيطاني دنجوان الذي كان يردد بإلحاح :
- رد .. كلمها
رحتُ بصوتٍ غير مرتبك ، أحادثها كمن ألِف النساء وأحاديثهنّ :

- هلا و غلا !

على بسماتِ فهد ويده الرابتةِ على كتفي رحتُ منطلقاً معها كلاعبٍ يتلقّى الإشادات من مدربه !





10


- بالتأكيد سمعتُ الأغنية ، إسمحي لي أن أهنيء ذائقتك !
- شايف؟ ماقلت لك عط الجيل الجديد فرصه !

كانت تجيبني ويمينُ فهد تلكزني أن أضع المكالمة على المكبر ، كان يريدُ أن يفحص الصوت كمهندسٍ يريد فحص مركبه !
كانت لديهِ نظرياتٌ بخصوص الصوت :
حاد.. إذاً هي جادةٌ للثقافةِ أقرب ! اهرب عنها
خفيض.. معذبة ! كن لها نعم السنَد تكن لك نعم الصديقة
مبحوح.. عاطفية ! عض عليها بالنواجذ

راح صوتها العابث يدوّي في السيارة :

- إذا أردتَ أيّ استشارة بخصوص الأغاني الجديده ، فسأخبركَ من الآن وهاأنا أقولها لك: لا أحدَ أفهم مني فيها!
كان الصوت ينسكبُ في أذن فهد مزيجاً من تصنيفاته الثلاثة ..الحاد الخفيض المبحوح ..
..يبدو أن دنجوان لم يستطِع تحديد الفصيله فاكتفى بالإبتسام !


متصنعاً الجديّة قلت لها باهتمامٍ باد :

- أوَليس غريباً .. أن تسمعي الموسيقى في وحدتكْ ، فتشعري أنكِ قد ازدحمتي بالناس ؟!
- الله الله ياسيدفيصل، كلمتك هذه جملة موسيقيه لوحدها ههه
- إذاً ، لأكن معكِ صريحاً ، ليست لي بل لروبرت براونغ
مازحةً راحت تضحك :
- آها ، أصلاً هالكلام كبير عليك ههه

كان فهد غاضباً يضرب زجاج سيارتي في صمت وهي تنطلقُ في ردهات الرياض ، علّقت المكالمه :

- ماذا بك !
- يا مغفل يا غبي ، وما يدريها عن هذا الملعون روبرتانغ؟! ، كان ينبغي أن
تنسبها لنفسك وتنفرد بالإعجاب ، لا أن تطبّل لهذا السقيم الأمريكي
- أولاً / اسمه براونغ ، ثانياً / بريطاني ليس أمريكي ، ثالثاً / إهدأ لا توترني أرجوك
- حسناً حسناً .. لكن حذارِ أن تكون صدوقاً .. إكذب، إختلق وستُبهر صدقني

فهد ميكافيلي ، كل وسيلةٍ مبررة .. آخر ما يعبأ بهِ حفظ الحقوق !

عدتُ أحدثها بكل شيء .. عن يومي، منذ الصباح وحتى الآن ، عن إفطاري ! عن حتى شراء الشريط ..
عن الكلية عن الأسلوبية في النقد وحديثُ الدكتور المتحمس .. عن زحمة السيارات وأنا عائدٌ ظهراً نتيجة انقلاب شاحنه ..
لم أكن مضجراً ، كانت تشاركني وكأنما تسسحثني لمزيدٍ من الحديث .. تسألني فأجيب ،
تارةً يشيرُ لي فهد بإبهامه مرفوعاً لأعلى نتيجة الإستحسان ، وتارةً يلكزني بمرفقه كما لو خالفتُ التكتيك !

راحت تحدثني عن الضوضاء في منزلهم هذا اليوم ، أختها الكبرى لم تسافر مع زوجها لباريس هذا الصباح وحضرت عندهم بأطفالها الخمسة ..
كنتُ فضولياً حتى بشأن ذهابِ زوج أختها لباريس .. لا يسافر الأفراد في عائلتي إلا للقرى !
أردتُ سؤالها لكن خشيتُ أن تعجبَ من حشر أنفي !
حدثتها على الفور عن حبي للأطفال إنما لستُ قادراً على البقاء بينهم ..ضجيجهم يحيلني لعصبيٍ متبرم !
حدثتها عن إشفاقي على الآباء .. أشعرُ أنهم مسلوبي الراحة ويعانون الصخب الدائم ..
أخبرتني أنها على العكسِ مني تعشق الأطفال وأنها تتمنى لو أنها تتبنى طفلا ً دون عناء الحمل والولادة ..

ابتسمتُ لفهد وهو يشير لي بالخوض في غِمار هذا التفصيل ، اللعنة على عقلِك الوغد ياصديقي دنجوان !

- أنا طالب في السنة الأخيرة لغة عربيه ، بعد شهر سأكون في ال23 من عمري
- هذا يعني أنكَ أكبر مني بسنةٍ وحيدة ..
- أكبر منك بيوم أعرف منك بسنة ..أتعلمين بهذا القياس كم أفوقكِ في المعرفة ؟ تقريباً ثلاثة قرون ونصف !
- هههههههههههه يا الشايب

حضرتني دعابةٌ وأنا أرى فهد يصغي السمع ، :

-أتعلمين ؟ لديّ صديق يكبرني بـ40 يوماً ، فقط كما ترين الفرق مسألة أيام لا أكثر !
لكنه لا يكف عن نعتي بـ ولده ! يصر أن يعلمني في هذا الحياة كل شيء بحجة هذه الأيام الأربعين !

على إثر عبارتي الأخيرة كان فهد يفتلُ شاربهُ مبتسماً يعرف جيداً عمّ أتحدث !

- حسناً سأتركك الآن يافيصل، أأستطيعُ محادثتك ليلا ً ؟!

كنت أظنني سيئاً .. كنتُ أظنني وحدي الشغوف بهذا العلاقة والمحتاج لها ..
يبدو أن سمرائي تشاركني ذات الأفكار !

كانتِ السيارة كالعادة تنطلقُ إلى غير وجهة !
وجدتني فجاةً أتوقف عند الجسر المعلق في قلب الرياض ... كيف ومتى وصلت هنا لا أدري!
توقفتُ عند حوافّ ذاك الوادي الغارق في السكون رغم زحمة الناس على أطرافه ..
مساكينٌ أهل الرياض .. يسكنون صحراء معمورةً فقط بالخرسانات والإسمنت .. أنصفَهم التاريخ وظلمتهم الجغرافيا !
لا بحر يلقون إليه بأسرارهم ولا طبيعةً خلابة تضفي البهجة على حياتهم ..
يهرعون لأي متنفس وإن كان على ضفاف الطرقات ـ يستوطونون أي مساحةٍ نستها مؤسسات البناء وإن كانت وعرةً موحشة .
كنتُ أقفُ على أطراف هذا الوادي الصامتِ كصمتِ صديقي وأحدث سمرائي :

- بالتأكيد تستطيعين محادثتي متى شئتِ، فقط لا أطلب إلا الإسم !
بربكِ أليسَ نوعاً من الظلم أنت تناديني بإسمي وأناديك بالضمائر النحويّة !
ثم إنكِ لم تخبريني أينَ تدرسين وتغلفين نفسكِ بالغموض التام !

- خمّن يا سيدي !
- لا أحب لعبة التخمينات .. حسناً ، بإمكانكِ الإحتفاظ به لنفسك ..
- زعلت !
- لا ، إنما لا أحب أن أمارس الرجاء .. نوعٌ من الخضوع لا أرتضيهِ لنفسي
- حسناً لا تخمن اسمي ، خمّن ماذا أسميتك في هاتفي !

تراقصتُ لهذه الجملة ، شعرتُ بالزهو ، إبهامُ فهد المرتفع لأعلى يخبرني أني على الطريقِ المستقيم !

-إممم فيصل ؟!
- لا
- إذاً ماذا
- ههههههههه دوستويفسكي
- ههه مساكين هؤلاء الأدباء يا ..يا أنتِ ، صديقي يقول نجيب وأنتِ تقولين الآن دوستو وأخشى غداً أن أكون كويلو !
-هذا لأنك أديبٌ فعلا ً !
- أشكركِ على الإطراء والتسمية.. لكني بصراحة مازلتُ أخزّن رقمك دون إسم ..
- حسناً.. اكتبه تحتَ مسمى " ساره " !
ولستُ أدرس الآن ، توقفتُ بعد السنة الأولى في كلية التربية، في إجازة إلى أجلٍ غير مسمى .. لا أحب النهوض صباحاً .

ســـــاره !
سمرائي الجميلة ، عيونها الجميله ، صوتها الجميل ، وإسمها الجميل ..
ساره !
يا للإسم المنطوقِ كنغمة .. ساره ، يا لرنّة الإسم المبهج .. ساره : أربعةُ حروفٍ تعرّف الجمال !
أجملُ الأسماء من الآن فصاعداً !

-عاشت الأسامي ساره
- عشت ، يالله بـاي

أغلقتُ الهاتف .. فتح فهد باب السيارة ودوّى صوت صفيرهِ في الوادي ..
كان يهتفُ لي كما يهتفُ لمهاجمي الهلال حين يحرزون الأهداف التي تُسعده في المدرج ..
كالَ ليَ المديح .. هنأني .. تصافحنا كـ زميليْ مهنة !
وفي أطرافِ الوادي كان صدى التصفير والضحك ينعكسُ إلينا .. ربما إبليس من يبادلنا التحايا !


على دفة المركبةِ الباردة كنا نتمدد ننظرُ للقمر الساحر .. يصلنا هتاف
الصبية اللاعبين بجوارنا وصوتُ أهاليهم .. ونباح الكلاب الجائعةِ في زوايا
المكان ..
تمر بنا سيارات الآيسكريم و يتعدانا المارّة محدقين بنا كأنّا سُكارى ! نتحدثُ ويُنصتُ الوادي ..
راح يخبرني فهد عشرات الطرق لإختصار المسافة ..

- عليك أن تحدثها بأسرار مكذوبه ،فقط تُسبقها بعبارةٍ مثل : " لم أقل هذا السر لأحدٍ في حياتي غيرك "
البنات اللواتي يرتكبنَ المحادثات الهاتفيّة .. لا يدفعهنّ لذلك إلا قلة الإهتمام من المحيطين بهن ..
عبارةٌ مثل التي أخبرتك يا فيصل ، تُشعرهنّ بالخصوصيّة بالشأن الرفيع بمقاسمة حياة الرجل ..
صدقني انا أعرف عمّاذا أتحدث

أستمعُ عباراته وأتمتم بالإنبهار !
راح يردف :

- بربك يا صديقي ، أليست سخيفةٌ هذه الحياة لو خلَت من الجميلات !
- أتعلم يا فهد ماذا يقول الحكيم نيتشه / الحياة بدون موسيقى غلطة ! أتُراه أخطأ ولم يقل المرأة !
- سأخبرك شيئاً يافيصل ، إن كان حكيماً كما تقول فلن يخطيء صدقني ، لكن الرواة الملاعين حرفوا الجمله هههههه

ضحكاتنا تنبعثُ في فضاءات المكان غير مبالين بالرائح والغادي ..
ثم صوتُ هاتفي ينبعثُ في سماء الوادي .. حدثتني نفسي أن سمرائي .. عفواً ساره ! لم تصبر ، تريد أن تكلمني مجدداً !
يا لخيالات العظمة .. كان رقمُ سلمان صديقي ..
صوته يعنفنا غاضباً :

-وينكم ! ساعه وربع عشان تجيبون عشاء !

ماذا فعلتي ياساره ..
نسيتُ الأصدقاء جوعى في الشقة !

راح الوادي يشيّعنا مغادرين وأصواتُ ضحكاتنا تصدحُ دون مبالاةٍ بناظر !

يتبع ...

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:15 am


11

فهد سلمان محمد صالح / ماجد / بعض طلاب الكليّة
رباعي الشقة / صديق المحلّ / أصدقاء الدوام الجامعيّ ..
هؤلاء اللاعبين في مسرحِ حياتي خارج العائلة.
ثم الدالفُ الجديد ، السمراء ..

"لا تسألوني مااسمهُ .. أخشى عليكم ضوعة الطيوب !"

انضمتّ لهم ساره .. واستأثرت بالإهتمام كله !

أحاديث الأصدقاء تأتي ضاحكة مسليّة ..
لكن أحاديثي لساره تأتي مفعمةً بإحساسٍ لا أعرفه ،
كأنما يدعوني لإلتهام مزيدٍ من الدقائق معها !

أشعر بها ، صديقه و .. أكثر !
دخلتْ في أعمق تفاصيلي .. وأدخلتني في صميم حياتها ..
حميميةٌ تسكنني تجاهها ، أُلفةٌ سريعة أحاطتني بها ..

أحدثها عن بيتنا ، عن أمي المتعبة ، عن والدي الغاضبِ مني دوماً ..
عن إخوتي الذين تزوجوا وصرنا لا نراهم في الأسبوع إلا مرةً او مرتين ..
عن هموم ما بعد التخرج وهل ألتحقُ بالتدريس أم يرمي بي حظي التعيس كعادتهِ في أرتال المنتظرين !
أحدثها حتى عن هم الكتابة الذي يسكنني ،
عن حبي للقصص وملاحقة الأفكار والسرد الذي تتعبني صياغته ..
عن الهلال ، عن قريتنا التي نزورها كل شهرٍ مره ..
عن حتى خادمتنا التي هربتْ وتركتْ لأمي المتعبة الوقوف على حوض الغسيل ..

أشكي و تُصغي ..
ليس إصغاء الأصدقاء الذكور .. بل إصغاءاً تشعر أنه يخفف عنك .. تجيدُ تماماً مشاركتي الألم ..
كلماتها المتعاطفة حيناً .. والمشجعة أحياناً اخرى ، تستحيلُ يداً تربتُ على كتفي !
كل ضيقٍ يساورني وأُبديه لها .. تستقبلهُ في اهتمام وتخفف عني كأنما تدثرني بمشاعرها المتعاطفة !
كل مشكلةٍ تنتابني وأبثها إياها .. أجدها سُرعان ماتبدأ في إختراع حلول ..
ليست كأي صديقٍ آخر يستمعُ لمشكلتك ثم يقفز لموضوع آخر كأنما كان ينتظر منكَ إنهاء الحديث ليبدأ مواضيعهُ البليدة !

وتحدثني فأُنصتْ ..
وتروحُ تقصّ علي تفاصيل بيتهم وأحداثه فأشعر بخصوصيةٍ تمحضني إياها ..
وتسألني عن بعض ما أشكل عليها لغةً في بعض القراءات فأندفعُ في محاضراتٍ لذيذة ..
تجيدُ حتى التتلمذ فتشعرني بتفردي!

لم أعمل بنصيحة فهد .. كنتُ صادقاً جداً كما لو كان الكذب خيانة !
كان يقول لي أن الكذب وتنميق الكلام و تصفيفهُ خيرُ دعايةٍ نبثها عن أنفسنا فنرسخَ في أذهانهنّ ..
لا أعرفُ اختلاق الأحاديث .. أُجيد تماماً حكيَ واقعي!
لكني مهذبٌ جيداً معها .. أليس التهذيب أكثر ألوان النفاق قبولاً ؟!
سعدتُ جداً بتكوين صداقةٍ مع من تشاركني ذات الهم والوحدة ..
كنا كطائرين حبيسين في قفصٍ واحد ، يغرّدان بالكلام المباح صبحاً وعشيّا .

باسمٌ حديثها ، تعليقاتها ضاحكة .. وتأتي عفويةٌفلا تملك إلا أن تغرق في الضحك ..
تسخرُ مني وأسخرُ منها ولا ترى إلا البسمةَ تعلو محيّانا ..
دخلتْ حياتي كما لو كنتُ أنتظرها سنينَ طِوال .. دخلتْ حياتي كأنما لتؤثثها من جديد ..
ودخلتُ حياتها كما لو كنتُ أملأ النقص الوحيد الذي يعكر صفوها ..

رغم أنها إبنةٌ لأحدِ تجّار العقار.. رغمَ أنها كأميرةٍ في خدرها تأمر فتطاع ..
إلا أنها نبيلة .. ليستْ من الغرور في شيء وأنا الذي ظننتها كذلك ..
ما أبعد المسافة بيننا وبينهم على خط الثراء .. هم في أقصى اليمين ونحنُ نقبع أقصى اليسار ..
ما أبعد المسافة بيننا وبينهم .. نحنُ في أقصى الجنوب وهم في أفخم أنحاء الشمال ..
تتحدثُ عن خادمٍ وسائق وطاهيَه .. عن مسبحٍ منزليّ كبير تمارس فيه هوايتها .. عن حديقةٍ غناء تخبرني أنها تحدثني الآن فيها !
تتحدثُ لي عن مجتمعٍ نبيل وعزائم فاخرة وعلية قومٍ تراهم في مناسباتهم الخاصة ..
رغم كل هذا، لم أكنْ أكذب ..أحدثها بحياتي اليوميّة ومايعرض فيها وأعيشه ..
و كانتْ نبيلةً للقدر الذي أُصارحها فيه بكل شيء فتسمع بنضج ..

عندما أهاتفها .. كل مرة تصيبني رهبة البدء .. لم أتخلص من هذا الشعور رغم تكرار المكالمات ..
أتصلُ بها ولا أعرف ماذا سأقول .. لكنها كانتْ تسيّر الأمر تماماً .. كأنني أحضر الزورق وهي من يشرعُ في التجديف ..
نُمتطي جياد الحديث وننطلق ، نعبر كل شيء .. نخرجُ من مضمار لنقتحم آخر ، يروح الليلُ شعراً وما نحن بالشعراء ..
كانت مهاتفتي لها تُشبه قول جان جاك روسو عن كتابة رسائل الهوى:
لكي تكتب رسالة عشق عليك أن تبدأ دون أن تعلم ماذا تريد أن تقول وأن تنتهي دون أن تعلم ماذا قلت .
كنتُ أبدأ الحديث بالسلام وتمضي ساعتين منهياً الحديث لا أدري ماذا دار على وجه الدقه ، لكني سعيـد !

يا للحنان والقلب الكبير !
حين أخبرتها أني أنا من قمتُ بغسل أواني العشاء البارحة لأن أمي كانت متعبةً جداً ..
حين قلتُ لها ذلك كنت أبتسم ، أنتظر سخريتها البارعه وتعليقاتها المضحكة ..
لكنها لم تضحك ولم ترد .. فقدتُ صوتها ..
ثم إرتفعتْ نبرة بكائها بوضوح .. راحتْ تشكرني لماذا لا أدري !
كانتْ تقولُ أني على النقيض من أخويها مثلا ً .. لن يفعلا لأمي شيئاً من هذا قط ..
ابتسمتُ في نفسي وأنا أقول: لأنهمْ يملكون على الفور قيمة خادمةٍ جديدة !

هل أحبها .. لا أعرف ! هل هذا هو الحب ؟ لا أدري !
هل أعشقها .. أيضاً لا أعرف ، لكن كلما تحادثنا قفزت صورة عينيها حاضرةً طوال المكالمة ..وأشعرُ بالشغف !
هل أغارُ عليها .. للأسف نعم !
عندما أتصلُ بها ويتضح أن الخط مشغول أمتلأ بوساوسي ..
أتُراها تُحادث الآن أحد أبناء الطبقةِ الراقية .. يُحدثها عن سفراتهِ وسيارته الفارهه بعد أن سأمتْ حديث الرجلِ الذي يغسلُ الصحون !
وأسألها فتجيبْ ..
- كانت أختي على الخط
- متأكدة ؟!
- فيصل وش فيك ؟

ويسألني فهد عن سير العلاقة ، فأخبرهُ أن الإنسجام يصلُ مداه .. فلا يفتأ عن تحذيري :

-إنتبِهْ ، إيّاك وأحاديث الصِدق .. تُولّد الحميمية ثم التعوّد ثم الإدمان الذي هو الحب !
- لا لا عليك .. مجرد صداقه !
- صداقه فقط ؟ يالك من مغفل .. عِش حياتك !
- ماذا تريد أن أفعل
- ادعها للخروج للنزهة .. هل تريدُ البقاء كل أيامِك خلف سماعة الهاتف !!

لا أستطيعُ فعل ذلك .. وكيف أسألها الخروج !
أخشى أن تغضب ، أن تظنني أتلاعب بها .. أخشى أن يفلت الحُلم من يدي !
كنتُ قد توصلتُ للتصالح مع نفسي تجاه هذه العلاقة :
يكفي أن تكون محادثاتٍ تؤنس الوحدة وتخفف الضغوط
الكثيرون يهوون المراسلة .. يعقدون صداقةً فقط بالكلمات .. بالنسبةِ لهم أظنني أعيشُ في ترفٍ نسبيّ !
ولكن ..
تلك العيون التي تسكنني ، وما سكَنَ خلف النقاب واستتر عني .. أفلا أفوزُ بنظرة ؟
ثم أرى جيوبَ الهيئةِ تجوب الطرقات فأتذكر أبي وأمي والفضيحة فأحجم !
الرياض مدينةٌ كبيرة .. لكنها تصغرُ في الفضائح لتصيرَ قرية !
لا أدري ..

في المساء هاتفتني .. عشرةُ أيامٍ من الإتصالات المكثفة والأحاديث النديّه ..
لم يتراخَ عزمُ اللذة ولم يفْقد الكلامُ شهيّته ..
كان كل شيءٍ يتصاعدُ لدرجة الإدمان !

- أنهيتُ رواية الأبله ، بصراحه كانت جيّده .. إنما لم أجد فيها غايتي
- أخبرتكِ ساره أن دوستويفسكي لا تهمه أحاديث الحب وأحزان الفراق وحبكة الجرائم .. نفسيٌ بالدرجة الأولى
- أليسَت هناك روايات تجمع بين الوعي و النضج وبين المتعه والتشويق .. كاتبٌ يقدر جمعَ الإثنتين
- إممم هل قرأتِ بين القصرين لنجيب ، حبكةٌ مشوّقة ولا تخلو من الدروس المُستقاة .. لن تندمي ، أعودُ لها كثيراً في مكتبتي الخاصة
- هل تُعيرني إياها ؟!
- .......
- سآتي غداً لنفس المحلّ وأعطيك الأبله وأعطني هذه !

يبدو أنها تبرمت من كسلي فأخذتْ دور المبادرة ..
لم أُبادر بطلب رؤيتها ... فاحتالت هذه الحيلة ..
توقعتْ مني أن أطلب رؤيتها فأدركت ترددي .. بهذه الحيلة اللطيفة يبدو أنها تبرر الأمر !
"كيدهنّ عظيم " قلت في نفسي..

كنتُ أفكر هكذا غارقاً في الصمت ..
للأسف ، لم أعرفها جيداً.. ظلمتُها .. لم تكنْ بحاجةٍ لهذه الحيل !
أفقتُ مجدداً على صوتها يسألني :

- ألا تريد أن تراني ؟!

يتبع ..

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:16 am

12

- في تركيا يافيصل تكون نهايات الأسبوع أعياد العشاق .. الأمرُ بالتأكيد يختلفُ عن هنا ..
في تركيا يسيرُ الشاب والفتاة ممسكَين بيد بعضهما دون لوم لائم .. هنا تتلصّصون اللقاءات !

مجيد ، حلاّقي التركي ، أزورهُ كل عشرة أيام وأسلمهُ دقني وسمعي ..
أستطيبُ أحاديثه فينطلقُ مستطيباً إصغائي ، يروحُ متحدثاً عن تركيا عن الثلج عن فتياته التي أحب وهجرنَه للزواج !

- مجيد كم أحببت من مره ؟
- أوووه كثير
- كم فتاةً عرفت ؟
- أووهوووه كثير
- مارأيك إذاً ؟!
- البنات واللهِ ما إلهم قلوب يا فيصل !

مسكين، يبدو أن حظهُ هناك كان عاثراً مع الجنس الآخر لذا هرب عنهنَ إلى عاصمةٍ تحجبُ النساء ..

- أحببتُ واحدةً من أنطاكيّه ، أنطاكيا بلد الجمال كما تعرف ، وأحبتني .. اتفقنا على الزواج ..
عمِلتُ صباحاً مع والدي وليلاً عند صديقه ، سنتين لم آخذ فيهنّ أي إجازة سوى أيام العيد ..
أتعرف متى أخذتُ إجازةً طويله عن الشغل ؟ حين علِمتُ أن زواجها بعد أسبوع من أحد أبناء التجار هههههه !

قالها ضاحكاً .. لكن بالتأكيد كان يتألم ، شعرتُ بذلك حين أخذهُ حماس الحديث فحرفَ الشفرة قليلاً وأدمى رقبتي !
راح يعتذر ويضع القُطن والمعقّم وهو يتمتمُ بما يبدو أنها شتائم تركيّه ، من يدري ربما كان يلعن النساء !.. وكنتُ أبتسمُ من بلاهته!

- أنتمْ تستهويكم العواطف وأحاديث الحب والمشاعر الدافئه .. لهذا نجحتْ عندكم أعمال الدراما الرومانسية التركيّة وفشلت هناك.

تذكرتُ " لميس " التي لا شيء بالنسبة لساره!
شعرتُ أنه مزهوٌ بفنهم فأردتُ إغاظته :

- يجب أن تعلم أن كل ممنوعٍ مرغوب، تلك الأعمال التركيّة تفتقدُ للإقناع لكن جذبت الناس بمواضيعها التي لا يُمكن أن تُعاش هنا !
أترى يامجيد هذه المرآة التي أشاهدها الآن في صالونك للمرة الألف ولا أعبأ بها ..صدقني وأنا هنا أعني جيداً ما أقول :
لو وضعتَ عليها لوحة " ممنوع اللمس " ، لكنتُ أمنّي نفسي بخروجك قليلاً لأمرر يدي عليها هههه !
- هههههه شيطان
- لا لستُ شيطاناً يا صديقي لكن حين تُريد ترويج الشيء تحدثْ عن منعه !
-حسناً، في امستردام عاصمة المخدرات والجنس لا يُمنع شيء ، ويبقى للأنثى سطوتها ، تصنف ضمن أعلى معدلات حالات التحرش والإغتصاب !

شعرتُ أنه دحض كل حججي ونسف ماتفلسفتُ به !
قلتُ له وأنا أعطيه الحساب زائداً فيه خمس ريالاتٍ أخرى لأني سعيد وأشعر بالغبطة ..

- بالمناسبه مجيد ، ما هيَ الطريقة ُ المثلى لقلب المرأة / الإضحاك ، اللباقه ، الجمال ..
قاطعني على الفور وهو يحرك النقود التي أعطيتهُ في الهواء :

- المال ! "ما معك اي والله تاكلها على راسك " !

يا ألله ، محتقنٌ جداً مجيد الحلاق ، لو كان كاتباً لأتى بأشد ما أتى بهِ أنيس منصور !



13


ليلاً كانت الرياض هادئةً كعادتها ليالِ السبت المضجرة ..
تنامُ على وسادة الصمتِ ما عدا تلك الشقة المملوءة بالأصدقاء السامرين ..
أخالُ سكان الرياضِ يصِلهمْ ضجيجُنا لشدة ما كانوا غارقين في ليلِ السكون المطبق !
وفهد هذا المجنون ..!!
بصوتهِ الثقيل وعينهِ الحمراء يهتفُ للأصدقاء كما لو كان يُذيع بشرى ، يُشيرُ ناحيتي بسبابةٍ مترنحة وهو يضحك :
- هذا ، ترى عنده موعد بكره هههه
لم أُرِد لغير فهد أن يعرف سري .. امتعضتُ من هفوتِه وخرق العهد المبرم
بيننا .. أخذتُ من يدهِ قارورة الماء التي ليست ماءاً على أي حال ، ونهرته :
- توقف أرجوك ، ستقود سيارتك للبيت بعد قليل ! يكفي بدأتَ تهذي
كنتُ أحدثهُ محتقناً تفضحني نظراتي ..
أدركَ غضبي بما تبقى فيهِ من قليل الوعي ، وراح يُجيب الأصدقاء المتسائلين :
- موعد في مستشفى الشميسي ، صح فيصل!
- نعم .. عيادة الروماتيزم ، أمي !
ثم سقط على الأرض نائماً وأنا أتأملهُ لاعناً الغباء الذي يجعلني أئتمنُ أمثالهُ على أسراري !


إنهمكَ سلمان في دوزنة العود طويلاً كأنما يختبرُ صبرنا ونحن نهتف به متعجلين .. كان أبرعنا في العزف وأجملنا صوتا ـ
بدأ يغني كما طلبت منه :
" دنيا حظوظ دنيا حظوظ والله رمى حظي معاك "
سماعُ الأغاني عبر التسجيل ليس أبداً كسماعهِ مباشرةً في قلب الحدث ..
يستخفّك الطرب فتبدأ التصفيق والرقص والتصفير وصيحات الإعجاب ، مع أنّك
ترفضُ كل هذه الأفعال حين تشاهدها على الشاشة من جمهورٍ متحمس !
لم يُدركِ سلمان ولا صالح ولا محمد سر تحوّلي الواضح من الكلاسيك العربي إلى الطرب المحليّ الحديث !
كنتُ دائماً ما أقترحُ على سلمان غناء أعمال أم كلثوم وعبدالوهاب فيؤديها قليلاً ثم يبدأ فهد ناقداً :
- نووووم جبتوا لنا النوم ! هات شي يحرّك الدم
لكن هذه المرة .. الوضع اختلف !
كنتُ أطلبُ من سلمان أداء أغنياتٍ لراشد لرابح لعبدالمجيد .. أحدّدها بالإسم على وجه الدقه ..
لو كان فهد الآن بيننا يقِظاً لأخبرهم أن سر التحوّلِ ســاره !


ساره ..
أوّاه يا حديثَ القلب السعيد .. يافراشةً ترقصُ في زوايا الروح بألوانٍ براقة ..
تُرى ماذا يخبيء لي الغد معكِ هناك في متجر ماجد !؟
قال لي فهد حين سمِع بخبرِ الموعد في الغـد:

- برافو ، إنما كن حريصاً على تركِ إنطباعٍ أهمّ من المرة الأولى !
- لا ماعليك ، تلميذك النجيب سيبهرك !
- ثمّ كأني أُشاهدك تدخل المحل بيدٍ خالية ! إنتبه
- لا تخف ، معي " بين القصرين "
رمى إليّ بنظرةٍ متسائلة ، أخبرتهُ أن هذا اسم الكتاب الذي طلبَتهُ مني !
راح يهزّ رأسه وكأنه يقول يا للأسى :
- بين القصرين ، بين البيتين ، شغل الثقافه هذا ما يمشي معي ..
لا تأتي خالي اليدين يعني أحضر لها هديّة ، ستكون مغفلاً إن لم تُهدِها شيئاً ولربما تركتك !
تأكد يافيصل أنّ لديها العديد من الصديقات ذواتِ التجارب السابقة ، ستُقارن بكَ أصدقاء صديقاتها فلا تكن بخيلاً
ثم راح بصوتٍ ساخر يقلد نبرتي وهو يخرج :
- تلميذك النجيب ! تلميذك النجيب ! .. "أمحق تلميذ"

كنتُ أحضرتُ لها سِلسالاً كلّفني 400 ريال !
فكرت: ربما أسوأ ما ترتديه من حليّ وجواهر يفوق الآلاف .. لا لا ياللفكرة الرديئة، أعدتُ السِلسلال للمتجر وقبضتُ نقودي !
ابتعتُ لها عطراً نسائياً جميلاً ، علقتُ عليه أجمل صوري التي أُحب ،
مع بطاقةٍ كتبت فيها " إلى ساره .. مع كل الود ! "
طلبتُ من عامل التغليف في محل الهدايا أن يُتقن عمله وانصرفتُ جاهزاً لموعدي ..
أعد ساعاتِ الليل الطويل


14

اسبوعين لم أزر ماجد .. منذ تلك الصدفة العابرة مع ساره حين رأيتُها أولَّ مرةٍ وأهديتها رواية الأبله ..
كنتُ لئيماً بحق ..تركتُ زيارته ولم أعُد ، أشغلتني السمراء عنه !
بعد أن صافحتهُ وتجاذبنا أطراف الحديث أخبرتهُ أنها قادمةٌ لتأخذ مني كتاباً آخر !
قال لي

- حققتَ بُغيتك ثم نسيتني من الزيارة ، والآن عُدتَ لأجلها فقط !

أووه يا ماجد يا صديقي ليس هذا وقت العتب ..

- صدقني ، انشغلتُ باختباراتي ، أنتَ تعلم جيداً أن هذه ليست من خِصالي !
- ومتى قالت لك ستحضرْ ؟!

نظرتُ إلى الساعة .. كانت الخامسة والربع ، بقي على مجيئها ربع ساعه فقط :
- الخامسة والنصف ، لكن يا ماجد افعلْ كما اتفقنا ..
- لا تخف ، إنما أرجوك ولا تغضب مني يا فيصل ، هذه آخر مرةٍ تطلب مني هذا الطلب !

اللعنه عليك وعلى محلك !
ألستَ سعيداً حين تأتي مشعشعةً كالشمس تُشرق على حواسيبك وطوابعك وحتى صلعتك !
لكَ الفخر أن تطأ قدميها هذا المكان الرديء !

راح يصرّ :
- الرياض من أكبر المدن في العالم ، أوجِد لها ولك مخبأً غير هذا المكان ، أرجوك ..
- أووه ماجد حسناً حسناً .. لا توتّرني بربك

اليوكن الفيراني يتوقف ..
تنزلُ ساره.. تطأ الأرض بقدميها كأنما تمشي على عشب صدري ..
هذه المرة ليس مجيئها لأجل جهازها ولا فايروساته ولا أي شيء في هذا المحل، غيري !
يا للحظ السعيـد من كان يصدق !

توارى ماجد في مستودعهِ لآخر مره كما وعدته ..
أصواتُ الدناديش تغردُ أنْ جاء الموعدُ ياصديق الإنتظار !
أيها "الصابرُ" تغفو .. تذكرُ " الوعد " وتصحو .. ها قد أقبلت ْ
أتحلّى عينيها التي تُرسل شواظاً من نار فتنه .. ويديها السمراوتين منقوشاً عليها الحناء السيرالي ..
تضعُ لثمةً كأنما هيَ لصةٌ جاءت علانيةً لسرقة قلبي !
على جبهتها النديّة تنسل خصلة شعر تمارس العبث بي .. كلما تحركت مع طرفِ عينيها شعرتُ بقلبي ينبض مرتين دفعةً واحدة !

- مساء الخير فيصل ..
- مساء النور ساره ..

في زاويةِ المحل خلف دولابٍ يمتلأ بالسيديهات وقفتُ ممسكاً بيدها ..
لم تسحبْها إنما شعرتُ بحمرة الخجل تتسلقُ ملامحها ..
كانت تنظرُ للبابِ مخافة أن يُفتح ..
وكنتُ قد تركتُ كل هذا العالم وأنظر لعينيها فقط !

دقيقةُ صمتٍ مرت ..
مرت كأنما هيَ وقفةُ حِدادٍ على روح ذلك الأبله الذي مات وانبعث جريئاً للحياة مرةً أخرى !
سلّت يدها ببطء وقدّمت لي كيساً وردياً لا أدري ماذا يحوي وكنتُ عنه في شُغل!

ذرَعت أرض المحل تخطو للخروج ، لم نتحدث إلا بإلقاء التحايا فقط ،
تقدمتُ لإيقافها ، خشيتُ أن ألفت نظر المارة ، خشيتُ أن أُحرجها أكثر ..
إتكأتُ على الرف وبقيتُ أتأملها مدبرةً والنبض المتسارع أحالني رجلا ً لا يقوى النطق !
قبل أن تغادرني نهائياً وبعد ان ابتعدتْ عني خطواتٍ ثلاث..
قررتْ إطلاق رصاصة الرحمة :
لمْ تفتح الباب وتخرج ، بل هكذا ،
إلتفتت صوبي .. بيني وبينها ثلاثةُ أمتارٍ كاملة ، استجمعت شجاعتها الكامله ..
.. وبكل دهشة هذه الدنيا ..
حسَرَت لثمتها عنها ، وتبدا وجهها كالبدر تاماً !
أرخَتها وسقطت خمائل الشعر على جانبيها دفعةً واحدة كأنما انصبّ عليها صباً ..
ابتسمت لي كاشفةً عن لؤلؤٍ يتخبى بين الجمر..
سوّت عبائتها سريعاً ثم خرجتْ!
غادرتْ .. وبقيَ عبق عطرها يصدح في المكان ..
وجهُها المستدير .. أحالني أخرساً لا يتكلم ، أنظر لماجد ولا أجيب ..
يهزني فأبتسم .. لا شيء أكثر من ابتسامه !

سحقتني وخرجتْ .. سحقتني تماماً !

***

طوال الليل كان هاتفها مغلقاً .. لم تتصلْ ، أردتُ أن أخبرها بشيءٍ مهم !
رحتُ أفتش في هداياها التي أعطتني ،
وجدتُ " دبدوباً " ، ساعةً رجاليّة أنيقة ، شريطاً جمعت فيه كل روائع عبدالمجيد ..
طقم من الفضة يضم: قلماً ومسباحاً وميداليّة .. كتابُ " الأبله " عائداً لمكتبتي بعد أن حج إلى غرفتها ثم عاد !
بطاقة ٌ كتبت عليها :

" إلى العزيز فيصل ، أهديتُك " دودو " أعز ما لديّ ، دبدوبي الذي شاركني دموعي وأحزاني وسريري طوال 4 سنين ..
كن لهُ كما كنتُ أنا ..قبّلهُ نيابةً عني كل ليل "

نظرتُ لـ "دودو" ! وأخذتُ أكلمه كالمجنون :

- يا لك من محظوظ أيها الدب اللعين ، صنعوك في الصين لتعيشَ منعّماً أربع سنين في الرياض !
لا تملكُ إلا أنفاً أحمرَ مضحكا ، وعينين صغيرتين كحبتي حمصٍ محروقة ، وتخلو من قلبٍ يحس ويشعر ..
ثم بعد هذا كله ، تتبوأ المكان الأعز في هذه العاصمة !

تعال ، ليس لأنك جميل ، ولا ناعمُ الملمس والفِراء ..
تعال لأن هناك من يهمني أمرهُ وضع يدهُ عليك .. ها أنا أجسك فيدبّ الشوق في قلبي !

تعال لأن هناك من حضنتك يوماً تبكي ، ها أنا أحتضنك فتسري فيني قشعريرةٌ لستَ تدركها !
تعال أبحثُ بين فِرائك عن دموعها الجافّة لأواسيها بأثرٍ رجعي !

هذه الروائح التي تسكنك ، لم يحقنوها فيك حيث نشأت هناك في مصانع الصين البعيده ،
هذه رائحة سارة .. عطر ساره .. كل مافيك يعبقُ بساره !
ألا لعنة الله عليك أيها الوغد السعيـد


لم تفتح جهازها .. رحتُ أكتب لها هذا المسج لأنام مرتاح الضمير :

" ساره ، أقسم بالله أحضرتُ الكتاب ، وعطراً وصورة ، وعدتُ بهنّ معي إلى البيت !
سامحيني ، نسيتُ في زحمة فرحتي بكِ أن أسلمكِ مااتفقنا عليه ..
لاتلوميني ولومي غمازتيكِ وعينيكِ ودفء يديك .. فيصل "



يتبع ...

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:16 am

15

صباحي في الجامعه ، ظهري قيلوله ، العصر أفرّغه للقراءة أو المذاكرة ..
في المغرب وقتُ القهوة العائلية .. أمي أبي والموجود من شقيقاتي أو أشقائي ..
بعد العشاء أتوجه للشقة ..
أقضيها مع فهد والأصدقاء دفعاً للوقت حتى يأتي موعدي اليومي الأهم !
فإذا أتت الساعة الثانية عشرة بتوقيت قلبي ..
ودقت مخبرةً أنها ال12 منتصف القلب/الليل ..
جاءت معذبتي في غيهبِ الغسقِ .. يرن الهاتف فأقوم من بين الأصدقاء متجها للبيت وهي معي ..
أدخلُ البيت وهي معي .. أحدثها طويلاً طويلاً .. تمر الساعات دقائق ، تحل الثالثة فجراً بسرعه وهي معي ..
فأودعها لأنام 5 ساعاتٍ أحلمُ فيها غالباً أحلامي اللذيذه !


ياللغرابة أيها الليل الطويل ...
ألم تكنْ ثقيلاً عليّ قبل ساره .. مابالك الآن صرتَ سريعاً كأنما تنازلتَ عن ساعاتك الكاملة ورضيتَ أن تكون أنصافاً وأرباع !
تركضُ حثيثاً ..منطلقاً لتقرعَ كوخَ الصباحِ أنْ هيّا تعال وأخبرِ الشمس ان تصحو ...
كان بيني وبين الثالثةِ ما أخالهُ أيام .. وكنتَ يا ليلُ قوياً جداً بما فيه الكفاية لتزرعني بالسأم واليأس كل أرق ..
مابالُك الآن صرت وادعاً .. كومضة برقٍ لا تكاد تلمع حتى تتوارى !

آه يا أنيسة الظلام وقيثارة الليل ياساره ..
حديثكِ لا شيء إلا قناديلَ تقتلُ هذا الليل بأنوارها المتكاشفة ..
تملئينهُ صخباً وهو الذي عوّدني أن يأتي ساكناً رتيباً لا يُطاق !
..كنتُ إذا أرقتُ استعنتُ عليه بكتاب أديب ..وفيلماً لنجمٍ شهير .. فلا يكادُ يغني كل ذلك عني شيئاً ..
الآن .. لم يعد هذا الليل إلا قصيراً هشّاً لا يتسطيعُ مضايقتي .. صرتُ بكِ أقوى وعرف قوّتي فصار لا يواجهني طويلاً ..
يهربُ نحو الصباح بسرعه، كـ مستجير !

ولدتِ في باريس ذات صيفٍ عائلي ، وُلدتِ يا عطراً قدِم للدنيا من عاصمة العطور ..
و ولدتُ أنا بين بيوت الطين في قريةٍ لم تعرف المستشفيات بعد !
وربيتِ بين بيروت و تركيا و ميونخ يومَ عمِل أبوك هناك لسنتين ، وربيتُ بين
نخيلنا ونعاجنا أسمعُ بالسياحةِ فأحسبها كلمةً ترادفُ الفلاحة !
أتحسبينكِ تواسينني حين تقولين لي " والله يا فيصل طفولتك أتمناها " !
بربكِ ماذا تتمنين ؟ شمساً لاهبة وبرداً زمهريراً لا ربيع نعرفهُ ولا فصل
آخر ! نمشي حفاةٍ على الطرقاتِ كأننا والشمس أصدقاء لم تعد تؤذينا !
تلحّين أن أتحدث لكِ عن المزارع والسواقي والقُرى .. وتصغين بإهتمام .. هل
بلغَ بكِ النبلُ هذا المبلغ أن تتعاضدي معي لتشعريني أن حياتي سعيدةٌ مثلك
!
أم أنكِ تهزأين ..
وأطلب منكِ الحديث عن مصائفكم العالميّة فتقولين " كآبه وربي ، عارف يافيصل ؟ أحسدك على الكلام اللي أسمعه "
تحسديني على ماذا يا ذات الصوتِ الأشبه بغناء ؟! بربكِ من يحسد من ؟!
تملكين كل أدوات الغرور وتمارسين التواضع ..

كنا نخمّن دروب الأنثى : يُعجبها الأسلوب .. لا الضحك ..بل الجرأة .. وقال مجيد الحلاق : المال !
لكن لو أردتُ تخميناً لأهم صفاتِ الأنثى كي تُمارسَ أسرَ قلب / لن أقول
الجمال .. ولا الرشاقة والفتنة .. كل هذا زائف يقتلهُ الوِصال !
الشخصية هي من يبقى ويدوم..
شخصية سارة المتواضعه الودوده المازحة اللامبالية حيناً والصارمة أحياناً .. تجعلها تتنامى في ذاكرتي .


بتنا كتاباً مفتوحاً لبعضنا .. تحدثني بطلاقة عن سلمان و فهد وشقيقاتي .. كأنما من فرطِ ما أشركتُها في تفاصيلي صارت جزءاً مني !
أسألها عن أختها الكبرى " رحاب " وزوجها كل يوم .. أعرفُ صميم مشاكلهم .. أدخلتني ساره في كل مايحيطُ بها ..
وتروحُ تشتم زوج أختها .. وأشاركها الشتم تعاضداً .. لا أدري أكان ظالماً أم مظلوماً .. سامحني يازوجَ رحاب !

وحين يتأخرُ اتصالها أو إجابتها على الهاتف .. تعتذرُ لتقص عليّ ما أشغلها
بالتفصيل الممل .. " شقيقي جاء بعشاءٍ للتوّ وجلس معي في الغرفه لم أستطع
الرد "
فأحسدُ تركي .. شقيقها المحظوظ ! وأقول لها مستحثاً حديثها " أكيد تركي
أفضل من هذرتي " فتقول ضاحكةً " طيب ما رأيك أني مثلت النعاس حتى يخرج
فأتصل "
فأستحيلُ شخصاً آخر .. ملكٌ يرفلُ في علياء مجده !

تعرفُ أسماء أدوية أمي .. وأوقاتها !
تعرفُ جنون فهد وأقص لها عنهُ فتشرق بالضحك .. وتعرفُ مهارة سلمان في العود وتسألني ها ماذا غنى لكم اليوم !
أخبرتُها صادقاً في كل شيء وكذبتُ في واحدة .. قلتُ لها أن والدي متقاعدٌ
من التعليم ، خجلتُ أن أقول لها أن والد فيصل " بوّاب مدرسة " !
منذ كذبتي هذه ، كلما وقعتْ عيني على والدي كادحاً من الصبحِ أشعرُ بسكينٍ تُزرع في صدري ..
أرجوك سامحني أبي ! واللهِ أنت أعظمُ الرجال في عيني .. ولكن كيف أشرحُ لك وماذا ينقذني منك وأي تبرير أبرر !

وتشاكسني إمعاناً في عفويتها ومزاحها اللذيذ ، حيناً تتصلُ بي وأنا في
الكليّة فتقول " عفواً هذا جوال عبدالله ؟ " فأقول خطأ ، فتغلق السماعه ..
هكذا جنونٌ لا أكثر
وتصِلني رسائلها وأنا في القاعة: " ركز مع الدكتور لا يفشلك مثل ذاك اليوم " .. فأشعر أن الدكتور الآن يرى ضحكاتي !
ياللشقيّة والشيطنة الأمتع !
آخرُ مباراةٍ للهلال والنصر كانت تنحازُ للنصر لأول مره ! فقط لتغيظني .. علِمت أني هلاليٌ متعصب فأرادت مشاكستي ليس أكثر ..
تراسلني مع كل هجمه ، مع كل هدف .. تتعمد استفزازي فأضحكْ ..
حين انتهت المباراة بفوز النصر وجاء مسجها " فازوا لأن سارونه تشجعهم "
ابتسمتُ وتركتُ الغضب لفهد المتعصب .. لم تعد هذه المباريات من يشغلني !

ليستْ كما يصفُ فهد .. هي أطهرُ وأنقى بكثير من تلك الأحاديث التي يرويها لنا عن النساء ..
همومها ملائكيتها براءتها كل شيء منها يأتي طبيعياً دون تكلف ..عفويةٌ للحد
الذي جعلني أنقِمُ على فهد نظرَتهُ السيئة لها ولغيرها ..!
كل كلمةٍ منها أرويها لفهد .. يفسرها بعيداً بعيدا !
كل تصرفٍ تقومُ به وأرويه لصديقي ذات ثرثرة ، يمارسُ معه التأويل الشيطانيّ وأشعر أنها أطهرُ مما يُقال بحقها فأغضب سراً في نفسي ..
حتى بت أخيراً لا أقص لفهد خبري معها ..

نتحدثُ بالمودة .. باللطافة .. يروحُ ليلنا نجوى واهتماماً ببعضنا .. تحدثني عن حبها للوقت الذي تقضيه معي وأحدثها بذلك ..
جريئةٌ أحياناً على العكس مني.. نشأتُها وتربيتها التي تلقتها منذ الصغر علمتها أن تكون واثقةً تأتي بما لا أستطيعُ الإتيان به ..
كنتُ قبل البارحة ، أحدثها عن المذاكرة وقرب الاختبارات النهائية والأدب
وكل شيء في مخيلتي .. لكني فقدتُ صوتها .. غابت ولم تشاركني الحديث ..
قلتُ لها " ألو تسمعيني ؟ " ردت بصوتٍ خادر ألهب فيني ما ألهب حتى جزِعت :

- "اي معاك .. ياخي صوتك يجنن "

هكذا ببساطة ضربتْ بحديثي كل حوائطها .. فقط كانتْ تصغي لي بشغف .. انفصلتُ عن الدنيا !!
تعرفُ جيداً متى تخفف عني .. متى تسليني .. وتعرفُ جيداً متى تُحضر " شيطنتها " فتلغيني تماماً !
تحدثنا إلا عن الحب .. عن المشاعر .. نقتربُ تلميحاً ليس أكثر

هل أحبها ..؟ أم أني أعتادُها وأدمنتُ الثرثرة لا أكثر ؟!
هل الحب أسمى من احاديث هاتفيّه و كتابات نزرعها في صندوق الوارد لبعضنا .. هكذا سمعتهم يسخرون و هكذا قالوا !
الحب هناك.. في المجتمعات المتفتحة ..حيث يلتقي الشاب بفتاته كل مرة ، ليسا أسيرين خلف هواتفهم يبثّان بعضهما الحديث !
لا ليس حباً .. الحب هوَ ..
الحب هوَ .. حسناً لا أدري .. ما هو الحب ؟
أليس اتصالاً روحياً قبل أن يكون فيزيائياً وانجذاباً متبادل، أليس هو المشاعر الصادقة أياً كانت مقروءة مكتوبة مسموعه ..
أليس الحب هو الإهتمام المشترك والغيره والإرتياح حين يحدثك من تحبه ..
هل الحب غامضٌ لهذا الحد ولا يُكشف بسهولة !
ألم يقل الصينيّون القدماء : شيئان لا يختبئان ، الحب و العطر !


لماذا أحياناً تقول لي " تدري؟ بديت أكره فهد! كل ما كلمتك لقيتك عنده "
ولماذا حين نمتُ البارحة باكراً ولم أكلمها إلا في الغد، كانت مُستفَزةً
جداً ! لم تبيّن غضبها لكن لم أستطع لمدة نصف ساعه أن أعيدها لطبيعتها ..
كانت كاللبوة الشرسة .. كل شيء " لا أدري .. ما فيني شي .. إلا طبيعيه ونص " ، كانت غاضبة ،
قبل أن تنهي المكالمة قالت " لا تكررها " !
إذاً لماذ كل هذا ..
ولماذا حين تحدثني حتى عن شقيقها تركي بإعجاب .. أشعرُ بالإستياء !
ولماذا حينَ أتذكرُ قدوم الصيف ورحيلهم لفرنسا .. أبدأ الخوف وأتمنى لو توقفتِ الدنيا عن إحضار أيامها القادمة ..

قررتُ الليلة أن أعرف من أنا ..أن أسألها عن كل هذه الأسئلة التي تعمر رأسي دون جواب ..
من أنا بالنسبة لك يا سارة .. صديق ، أخ ، تسلية وقتل فراغ ليس أكثر .. أم ماذا

فهد يوصيني بالكذب واختلاق القصص لأكون في عينها الرجل الأول ! لم أعمل بنصيحته معها ..
عملتُ بنصيحته معه هو .. كلما راح يسألني كنت أكذب :

- لا ، لم أعد حريصاً على مهاتفتها كالسابق ! شيء في داخلي يافهد يُشعرني أن الأمر مجرد مراهقة لا أكثر !

يسألني هل طلبتَ منها موعداً خاصّا ..فأقول زوراً ، نعم ! لكنها هذه الفترة مليئة بالظروف المُعيقة لخروجها

صرتُ أكذب على أستاذي ، لم أشأ أن احدثه بكل ما في رأسي من تساؤلات وانجذاب حاد ..
لكني نحلتُ هذه القصة كذباً لصديقٍ في الجامعه .. أخبرتهُ عن صديقٍ لي
يهاتف فتاة ، يشعر أنه يغار عليها يمتليء بتفاصيلها يفكر فيها كل يوم ..
قال لي :
- الله يعينه .. الأمر خرج عن السيطرة !

وصفنْتُ قليلا ً .. وابتسمت وأنا أشتم هذا الوغد المُدرك .. نعم يبدو أن الأمر خرج عن السيطرة حقاً يافهد !


في المساء كانت سارة تستعد للذهاب لزواج صديقتها " منال " .. حكاية منال
طويلةٌ جداً ، قصّتها عليّ في ساعةٍ كاملة ملمةً بكل التفاصيل الدقيقه ..
كيف أنها أحبت منصور في الخفاء .. سراً .. والآن بعد عام ها هي تُزف له !
حسدتُ منصور ومنال ، وشعرتُ أن سارة تريدُ أن تقول أكثر !
حدثتني حتى عن فستانها الليمونيّ الذي ستخرجُ به الآن للقاعة .. شعرتُ أنها
جميلة متألقة.. تعشقُ نفسها وتدرك كم هي جميلة .. في نبرتها نرجسيةٌ
مبررةٌ تماماً !
سألتها عن تفاصيل الفستان .. يا للأبله !
راحت ببراءة تشرحُ مصطلحاتٍ لم أفهمها ، آخر من يفهم في ملابس النساء أنا لكني فقط كنتُ أدفع الحديث لأسمع فاتنتي ..
إلتقطتْ أذني كلمة وحيدة " عاري " .. قالتها كأي طفلةٍ تقول ما لا تعنيه تماماً ..راحت تواصل كما لو لم تقل شيئاً ..
لكني بقيتُ عند هذا التفصيل مطولا ً .. وكان إبليس يقفُ معي في ذات الوقت !


الساعة الآن تدق منتصف الليل تماماً .. بالتأكيد ترقصُ سمرائي الآن في القاعه وتمازح صديقاتها اللواتي قالت لي عنهنّ :
لم أر البعض منهن منذ الثانوي ..
بالتأكيد كل العيون هناك على سارة .. ستكون حديث المجتمع الراقي هناك ومن يدري ، ربما فُتنت بها أمٌ لولدها
شعرتُ بالغيره قليلا ً ثم ابتسمتْ مجدداً من بلاهتي ..

تجرأتُ فكتبتُ لها مسجاً لا أدري ما عواقبه ،
أرسلتُ لها مسجاً انطلق من حيّنا المتواضع ، ليصلَ هناك في جوالها وسط المكان الفرائحيّ الفخم :

- " حظ المكان .. و حظ منهم حواليك ، و حظ العيون اللي تناظر عيونك .. فيصل"

دقيقتين و رنّ هاتفي يحملُ رداً من تلك القاعة الأثيرة ليرنّ في غرفتي المتواضعه:

" يا ليتني ويّاك عن زحمة الناس ، هذي الخلايق ما تعوّض مكانك ..ساره "

أليس نوعاً من اضطراب السلوك والهيستيريا ..
أن تقرأ بيتاً واحداً ..
ثلاثين مرة !


يتبع

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:17 am

16


كل المحيطين بي يعلمون أني قاريءٌ نهِم .. لكن، وحدها سارة من باتت تعرفُ أني أحاول الكتابة !
أخبرتها بذلك دون الخوض في التفاصيل ..
لديّ قصص وخواطر وقصائد تختبيء في جنباتِ دفاتري .. لم يطلع عليها سواي .. مغرمٌ بالقصة وأكتبها سراً ..
في داخلي شيءٌ يخبرني أن ما أكتبه ليس إلا سخفًا وهُراء .. كنتُ أقرأ ما أكتبُ فلا أجرؤ على إبدائه لأحد ..
عندما عرفتْ سارة أن لديّ نصوصًا تتلحّف سماء أدارجي منذ سنتين راحت تصرّ أن أقرأها عليها ..
خجِلتْ .. أشعر أن كتاباتي محض هراء !
أخبرتني بصوتها المُقنع جداً أنّ الكتابة والشعر والرسم و كل فن، ليست جزءاً من شخصيّاتنا نخجلُ منه إن لم يكن جيّدا ً
هي يا فيصل محاولات ، ليست صفةً خَلقية ولا خُلقيةً حتى تخجل من كونها سيئة
.. قد تزيدُنا رفعة إن نجحنا فيها إنما لا تحط من قدرنا إن فشلنا!

أخبرتُها أن الكتابة بالنسبةِ لي أمرٌ أقدسُ من ذلك بكثير .. وأن تركيبتي النفسيّة تجعلُ من أي نقدٍ يوجّهُ لي أشبهَ بعداء !
أحب كتابة القصص لكن أخجلُ من نشرها لأني أعرفُ قيمتها في الأدب وجوهرها ونظرة النقاد لها بحزم حين تُكتب !
ألم يقل والتر الن أن القصة هي الفن الوحيد الذي يمنحنا من المعرفة ما لا يمنحنا إياه أي نوع أدبي آخر ؟
ألم يقل عنها بأنها فنٌ يبسط الحياة أمامنا في امتداد وعمق وتنوع ؟!
كلما كتبتُ شيئاً قرنتهُ بهذه الجملة ... وبتّ متشككاً في قيمة ما كتبتْ .
توقعتُها سوف تنسى الأمر برمّته .. لكنها كل ليلٍ كانت تطلب أن أقرأ لها ..
وكنتُ أدير دفة الحديث بعيداً تجنباً لإصرارها ..


قبل يومين .. قالت لي ما رأيك أن نلعب ؟! قلتُ ماذا !؟
راحت تتكلمُ عن سرعة البديهة ..

- ما عليك إلا أن تختاَر حرفاً لي وسأقول على الفور إسماً وحيواناً ونباتاً وجماداً ودولةً تبدأ بهذا الحرف !
وأختارُ لك حرفاً وتأتي بذلك .. من كان الأسرع فينا هو الفائز !

- إمم حسناً .. يبدو أن الأمر مشوّق ، لكن حذارِ .. خصمُكِ ليس عادياً !

- أووه ، تُعجبني النرجسيّة ، تخلقُ التحدي ، إذاً مارأيكَ بمزيدٍ من أجواء الحماسِ نُضفيهِ على لعبتنا !؟

- حد الله بيني وبين القمار سيدتي ههههه

- هههه لا ليس قماراً سيد نرجسي ، حين أنتصرُ عليك حقق لي طلباً أطلبهُ منك .. وأنتَ لكَ ما تطلبهُ إن انتصرتَ وسأفعل !

- رائع يا ساره رائع .. هذا ما أُريده .. التشويق ، إذاً من الآن جهّزي
نفسكِ لاستقبال طلبي ، أنتِ في هذه اللعبة مسحوقةٌ تماماً ها أنا أخبركِ من
الآن !

ضحِكتْ طويلا ً من ثقتي ، من دعاباتي من طريقة كلامي .. ثم طلبتْ مني أن أبدأ ، إختارتْ لي حرف الصاد ..
هتفتُ سريعاً بإسم صالح ، توقفتُ قليلاً وقلتُ "صبّار" ، أرهقني البحث عن جماد حتى اهتديتُ إلى صابون فشرقتْ بالضحك !
تقافزتْ الحيوانات من رأسي ولم أجد إلا صرصار فدوّت ضحكاتها مجدداً ، وبعد
مشقة ، قلتُ صوفيا البُلغار وأنهيتُ الحرف في زمنٍ لا بأس به ..

حين جاء دوري ، توقعتُ أن تتلكأ أكثر مني ..
كنتُ أفكر في طلبي حين أنتصر أكثر من تفكيري في الحرف الذي أُعطيه لها ..حسناً ماذا عن الفاء ؟ أتنطقُ إسمي ؟؟

- حرف الفاء هيّا ابدأي أيتها المهزومة!
- فيصل فراشة فلفل فستان فرنسا ها مارأي السيّد مغرور !

لم تتكلف أكثر من سبع ثوان .. كانت تقول مارأي المغرور وهيَ تُغالب ضحكاتها ، سحقتني كما تفعل في كل شؤونها معي !
سحقتني أول مرةٍ رأيتها ، ثم في المحل مجدداً يوم أهدتني هديّتها ، يسحقني
صوتها كل مره .. إذاً لا بأس أن أعترف بسحقي هنا مجدداً في هذه اللعبة !

العظماء وحدهم من يعترفون بالخسارة دون مكابره :

- السّيد مغرور يهنئك ، تفضلي ماذا لديكِ لأجيب !؟
- إقرأ عليّ قِصصك !

اللعنة ..
لم تتردد .. ألقَتها على الفور كما لو كان أمرُ اللعبة مدبراً لأجل هذا الطلب ..
إلتزمت الصمت .. وراح صوتها يلح :

- سيّد نرجسي إنتبه، المؤمنون على وعودهم !

كنتُ أفكر في التنفيد من عدمه .. بقيتُ متردداً حتى عاودَت شيطنتها !
راحت تُمارس شقاوتها اللعينة :

- " كأني سامعتهم يقولون كلمة الرجّال وحدة .. عموماً بكيفك خلها ثنتين ! "

ها هي ساره .. هكذا تَتعفرتْ !
هكذا تجيدُ العزف على أوتاري الحساسة .. تعرف متى تستخدم شقاوتها ومتى تأتي بكل رزانتها ومتى تُصغي ومتى تنطلق في الحديث ..
ها هي تستفزني لأنطلق !

- أليس هناك ما يسمى الصالونات الأدبيه ؟ الأمسيات القصصية ؟ هيّا فيصل لنجعل هذه الليلة أمسيةً للقاص الكبير سيد نرجسي الخاسر !

نطقت جملتها الأخيرة وهيَ تُحاول ألاّ تضحكْ .. كانت تُغالب نفسها عن ذلك .

- لن أتوب عن النرجسية لكني سأتوب عن لعبة الحروف !

هنا فلَت عنان الضحك من يدها ..راحت تضحك كالسكرانة .. ما أجمل ضحكاتها وما أحبرني بها ..

شقيةٌ جداً هذا اليوم فاتنتي .. لم يكن لي بداً إلا أن أجيب ..

رحتُ أقص عليها نصاً كتبته قبل سنتين وأكثر ، يتحدثُ عن رجلٍ يكفر بالبكاء ، مات أخوه ومرضت أمه وفجعت أخته في مولودها ولم يبكِ ..
حينَ سقطَ في السوق وكان الناس ينظرون إليه .. إنهار فجأة .. كانت سقطتهُ قشةً قصمت ظهر التجلّد !
أقرأها متفاعلاً مع أحداثها ولغتي وسردي ونسيتُ أنها على الخط تسمعْ ... حين قلت " تمّت " دوّى صفيرها بجنون شاقاً هدأة الليل ..
صرختْ كمراهقٍ لا يأبهُ بأحد !
صفّقت كأن البيت يخلو إلا منها .. يا للمجنونة ألا تخشى أن يسمعها أحد!؟
أو أن غُرفهم ليست كالغرف الصغيرة المتجاورة في بيوتنا نحنُ البسطاء ..
هناك في قُصور تلك النواحي ، كل غرفةٍ بينها وبين الأخرى مسافةٌ تحجب تفاصيلها عن الأخرى !

- برافو فيصل.. يا مجنون .. هات نص ثاني أرجوك !

على هذا التشجيع رحتُ أتألق كنجمٍ يطوي أرض الملعب مدفوعاً بهتاف أنصاره ..
قرأتُ لها أكثر من خمس قصص .. وفي كل نهاية قصة تُكيل ليَ المديح وتثني ..

طلبَتْ مني أن أعرضها على الدكتور في الكليّة .. أصرّت أن أفعل :
- إذا لي عندك خاطر قدمها ، صدقني سيصفق لك أكثر مما فعلت !

لكِ خاطرٌ يأبى عليّ التردد .. خطوةٌ فكرتُ فيها طويلاً كنتُ أحتاج من يدفعني لها .. وفعلتْ ساره .

***

صبيحة الأمس .. فعلتُ لها ذلك .. عرضتُ كتاباتي على د.ثابت المتخصص في اللغة والنقد إضافةً لكونهِ قاصاً وشاعر ..
فعلتُ ذلك مدفوعاً بتشجيع ساره .. و مسكوناً بالهم الذي في داخلي عن الكتابة والقصة ..
كنتُ أتمنى طويلاً أن أعرض ما أكتب على أحد الضليعين في هذا المجال ، ألف مرةٍ كنت أقرر .. ثم أحجم في كل مرة!

إتجهتُ إلى غرفة الدكتور بعد أن قال لي في نهاية المحاضرة : فيصل أريد أن تمرني في المكتب قليلا ً ..
كنتُ متوتراً .. هاتفتُ سارة من قلب الجامعة .. أجابتني وقد أفاقتْ من النوم على اتصالي :

- صباح الخير ساره ، آسف أزعجتك
- هلا فيصل لا بالعكس
- الدكتور طلبني لإجتماع في مكتبه ، أشعرُ بالتوتر لا أدري ماذا سيقول ،
إسمعيني ، من الآن أخبرك ، إن قال عن نصوصي ليست جيّدة لن أكتب مرةً أخرى
..
كنت أتكلم بنبرةٍ عصبيّة .. وكانت تخفف عني كما لو تربت على كتفي :
- أولاً أنت مبدع شاء من شاء وأبى من أبى ، ثانياً لا تتكلم قبل أن تذهب
إليه وتسمع منه .. صدقني أنتَ تكتبُ بإتقان لا داعي لهذا الخوف
- حسناً حسناً .. عودي للنوم سـ
- لا لن أنام سأنتظركْ !

على الكرسيّ المقابل للدكتور ثابت كنتُ أجلس كرجلٍ ينتظرُ العفو أو الإعدام
.. وكان مشغولاً عني بأوراقٍ يتأملها ويضع يده على فمهِ في صمتٍ تام ..
يبدو أنه يقرأني للمرة الأخيرة قبل أن يطلق رصاصته ، أزال نظارته ، تراخى للوراء مستريحاً على ظهر كرسيّه ، وصوّب نظره تجاهي :

- قلت لي إنك لم تنشرْ من قبل ، حسناً .. كم عُمر هذه النصوص ؟
- بعضها قبل ثلاث سنين، بعضها قبل أشهر .. آخر نص كـ
قاطعني في حزمهِ المعتاد :

- لماذا لم تنشر ؟

- في الحقيقة يا دكتور ، أحب الكتابة جداً ، أُقبلُ عليها بشغف ، أُروّح
بها عن نفسي وأتحللُ من كل شيء ، جعلتُها سراً خشيةَ سماع كلمةِ ناقدٍ
تكرهني في ما أحب ..
قلتُ لنفسي طويلاً أن هكذا أفضل .. نعم ربما في قراري بعض الجُبن .. إنما صدقني أن أكون جباناً خيراً من خسارة ما أحب ..
أن أبقى متشككاً بشأن نجاحي خيرٌ من أن أسمع نبأ فشلي ، هكذا أقنعتُ نفسي ..
ربما تقول لي إن الفشل طريق النجاح ، لا ليس لأمثالي يادكتور .. حين أفشلُ مرة فإني أموت سبعين مرة قبل النهوض مجدداً ..
وأعرف ماذا ستقول ، النقد لا علاقة له بالشخص بل يطولُ النتاج الأدبي .. لكن صدقني ، أرتبطُ بحروفي رباطاً مقدساً لا فِكاك عنه !

- جيّد ، هذا قرارُك ..ولكن لماذا أقدمتَ على الإستشارة الآن ..

فكرتُ سراً وأنا أبتسم :
هل أخبره عن تلك السمراء التي شجعتني ، وعن تلك الأمسية الليليّة الناجحة التي صفقَتْ لي فيها طويلاً ..
ما موقفه لو قلت له عن نصوصي التي لاقت التصفير والإستحسان فجراً ! هه سـ يُجنّ ولا شك ..

- أنت تعلم يا دكتور ، لم يبقَ على التخرج شيء ، إن لم أحسم أمري بشأن الكتابة الآن فلن أحسمه أبداً !
أحياناً .. لا شيء إلا المواجهة ! إمّا أن أسمع أني كاتبٌ جيّد وأستمر ..
أو لأسمع خبر فشلي وأهتمّ بأموري الأخرى بعيداً عن سماء الأدب..

- حسناً ، بالأمس قرأتُ نصوصك الخمسة التي قدمت إليّ ..
لا ينبغي أن تكون بكل هذه الحساسيّة ، آمن بموهبتكْ يابنيّ.. ما قرأتهُ كان مذهلاً يا فيصل !
- ماذا !؟
- لديك لغةٌ محكمة ، أفكارك جميلة ، سردك يأتي منساباً كما ينبغي ، فقط
لديك هفواتٌ إملائية ونحويّة كدرتني قليلاً ماعدا ذلك فإني أصفق لك !
- أشكرك .. أشكرك يا دكتور أنتَ لا تعرف كم يـ..
- إن كانت هذه بداياتك كما تقول، حقاً لا أعرف أين ستصل ، أؤكد لك أن
المستقبل أمامك واعد ، فقط ركز على الإملاء والنحو رجاءاً ، وسأسعدُ بنصوصك
القادمة ..

خرجتُ من مكتب الدكتور منتشياً .. أردتُ أن أصرخ في الجميع أني " كاتب " !
لست قارئاً فقط .. أنا كاتب وأسألوا الدكتور ثابت ..
أنا موهوب .. أنا لستُ فقط قارئاً .. شكراً سارة

تذكرتها .. كنتُ أخرج هاتفي لأحدثها في السيب المقابل لغرفة الدكتور :

- ساره.. قال لي مذهل !
- أرأيت ؟ لأنك مذهل .. هوَ لم يأتِ بجديد
- قال إني مستقبلي واعد .. كان صمتهُ مريعاً ... لكنه حين نطق .. كان صوتهُ وتراً زريابياً ..
- بالله صِف لي هيئته، أشعرُ أنه كالحكماء والفلاسفة ذوي اللحى الكثيفة والنظارات المقعّرة !
كان الدكتور يخرج من غرفتهِ فأخذتُ أضحك من وصفها له ، كان نقيض ذلك تماماً .. مفاجآتها لا تنقضي :

-فيصل ،
- هلا
- هل تذكر تلك اللعبة التي لعبت معك لأنتزع منك طلب القراءة لي ؟
- الحيوان الإسم الجماد ..نعم، ماذا بشأنها ؟!
- كانت إجابات كل الحروف أمامي مكتوبة ، نقلتها من النت ! حين طلبتَ حرف
الفاء كنتُ أقرأ لستُ أفكر .. آسفة للغش سيّد نرجسي .. كنتُ محمومةً لقراءة
ما كتب فيصل !
- سارة أحبك !
- .........................


***

أنهيتُ المكالمة فور إدراكي بما تفوّهت به ! أغلقتُ الهاتف نهائياً ..
أضعُ يدي على فمي مشدوهاً و أمشي في الممر كالمجنون متمتماً يحادث نفسه:

-" يا ألله !ماذا قُلت ..!! "



يتبع ...

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:23 am

17


على الجسرِ المعلق المتأرجحِ بين السماء والأرض كنتُ أعبر بسيارتي متمهلاً وأفكر :
ماذا أقول لها .. أأقولُ أن كلمة " أحبك " كانت مزحة .. زلة لسان .. وهل يزلّ اللسان إلا بالحقائق !
أأقول أني فعلاً أحببتكِ وأنا الذي لم ألتقيكِ إلا مرتين .. واحدةٌ مصادفة
والأخرى كنّا نسترِقُ فيها النظراتِ وسط متجرٍ على قارعة طريقٍ مملوءٍ
بالمارة !
ستضحكْ .. لا ستغضبْ !
ربما هيَ مثلي وجدت في هذه العلاقة قتلاً لفراغها وصداقة تتسلى بها !
أحكمتْ ضبط مشاعرها وأنا تماديتُ في أوهامي فوقعتُ في الإدمان حد الحب !

يا تُرى هل هيَ مثلي ، هل إستلطافها لي علامة حب أم صداقةٌ وثقى ..
سأقول لها أن الحب وقود الحياة .. سأقول لها الصراحة كما أخبرتُها بكل شيءٍ سابقاً .. لأواجه معها مصيري !
كنتُ أنظرُ للمقعد المجاور ، عليهِ قصصي التي ملأها الدكتور ثابت بالتصويبات النحويّة والإملائية وعلّق عليها تعليقاً مشجعاً ..
ماذا لو كانت سارة هنا .. يا ألله .. ستكون القيادة أمراً محبباً ليس مملاً أبداً ...
ماذا لو كانت بجانبي .. ويدي تُمسكُ بيدها .. هل كنتُ أتمكن من السيطرة على الطريق ! هه يا لأفكاري البلهاء أين تأخذني ..

في غرفتي قررتُ أن أهاتفها .. لم تتصل لم تُرسل ربما مازالت مصعوقةً من كلمتي التي دوّت في أسياب الكليّة !
ضغطتُ أرقام هاتفها على جهازي .. لم تُفلح المكالمة ! كانت شاشة هاتفي كلما
اتصلتُ تومض بجملةٍ غير مفهومة : " بعض المكالمات محظورة " !
لأول مرةٍ أقرأ هذه العبارة .. بالتأكيد غضبتْ ، هل ألغتني ، هل ألغتْ رقمها .. لكن مهلا ً .. هذه الجملة تواجهني في كل اتصال !
هاتفتُ شركة الإتصالات .. لا بد أن الخلل من عندهم هم :

- لديّ مشكلة في الإتصال ، يعطيني تنبيهاً ببعض المكالمات المحظورة !
- نعم ،لأنك وصلتَ الحد الأئتماني !
- يعني ماذا لم أفهم ..
- ياعزيزي لديك الآن فاتورة بقيمة 2800 ريال !

دارتْ الغرفة وأشياؤها في عيني .. وقعتُ على السرير غير مصدق .. أعلى فاتورة جاءتني كانت 400 ريال وتبرمتُ حينها !
بدأ العرقُ يتفصد من جبيني .. ماذا أفعل ! من أين لي بمبلغٍ كهذا .. يا ألله أوحقاً لن أستطيع محادثة سارة بعد الآن ..
لكل شيء ضريبة .. هذا ما غاب عني وسكرتُ مع الهوى !
هذا يعني أن كل شهرين سأعاني هكذا .. كل شهرين سأفجع ! وأنا الذي كنتُ أحسب
لهونا الليلي لا ينغصّه منغّص . ياللحلم المُفلت من يدي الآن ..

لايوجد في جيبي إلا مئتي ريال .. والمتبقي من مكافأتي 500 .. من أين لي بالمبلغ الضخم الباقي!
هل أمد يدي لإخوتي وأنا الذي لم أفعلها قط .. لا !
أي تبريرٍ أقدمه لوالدي حين أسألهُ مبلغاً كهذا .. سيظن الظنون ولا شك إن أخبرتُه بأن الأمر يخص فاتورةً هاتفيّة !
أقفلتُ هاتفي ورحتُ للشقة ليلاً بوجهٍ ليس كالذي كنت أجيء به ..

- هددها بالقطيعة ، أخبرها أنك لا تستطيع المواصلة بسبب عجزك الماليّ وصدقني هي من يتدبر الأمر !
تباً لأفكارك يا فهد .. أتريدني أن أتمسكن لأمرأة !

- أخبرها أنك في حاجةٍ للمال ، صدقني الفتيات عاطفيّات ، ستمنحك أضعاف ماتريد !
هذا الوغد يظنني مثلَه ! لو قدمت لي آلافاً ما قبِلتْ

- افهمني يا فهد ، أنا الآن لستُ أفكر في هذه الفاتورة الحاليّة .. أفكر في القادم ، كل شهرين ستتكرر هذه المأساة ..
من أين لي بهذه الأموال لأواصل معها !

راح يوبخني :

- ألم تقل لي يا فيصل أن الأمر مراهقة ، وأنك لم تعد مهتماً بالأمر .. مالذي يجعلك الآن في غاية التبرم والضيق

اللعنة على ذاكرتك التي لم يُتلفها ما تتعاطاه! نعم أخبرتهُ كذباً كل هذا ..

راح يُسقيني ورحتُ أشرب .. نسيتُ نفسي نسيتُ كل شيءٍ إلا سارة ..
كان هذياني سارة .. وفي حُمرة العينين حرف السين يتراقصُ رغم كل شيء
أسوأ لحظاتِ العمر ، أن تُفيقَ بعد غياب عقلك .. أن تصحو بعد غفوتك ورائحتك تعبق بالإثم !
حينها .. يتضاعفُ الهم ليصبح أطناناً ما لها من محيص !

عدتُ للبيت مهموماً.. أدفعُ الباب بمشيةٍ كالبندول !
الهاتف مازال مغلقاً .. بالتأكيد ربما اتصلتْ أو استغربتْ هذا الإنقطاع منذ الصباح .
أأقول لها أني فقيرٌ لمساعدتك وأطلبُ التصدق منها .. كما يلح فهد .. يا للفكرة الرديئة !
بل يا لهذه العلاقة الغريبة وتقلباتها ،
ليلة البارحة أقرأ لها قصصي ، صباحاً أتوتر من رأي الدكتور ، بعد الصباح زل لساني بحبها ..
ظهراً كنتُ أنوي محادثتها عن الحب ، والآن أفكر في تأمين هذا المبلغ .. أين سأصل في موج التقلبات هذا ..

ساعةٌ كاملةٌ من التفكير فوق سريري .. أنا وحسرتي وإبليس !
بعد ساعةٍ كاملة .. في الساعة الواحدة ليلا ً .. يرقدُ بيتنا في الظلام ، وقد تفتق ذهني عن أسوأ فكرة .. لكنها الحل الوحيد !
كنت أنحطّ جداً وأعلم ذلك .. كنتُ مدفوعاً برغبتي في مواصلة هذه العلاقة على الأقل شهرين أخرى ..
كنتُ كـ مدمنٍ يهوي للدرك الأسفل كي يحصل على المال ليتناول جرعته ..
ها أنا أدلفُ إحدى الغرف الأرضيّة ..يخبيء الظلام دمعة عيني ، لبثتُ خمس دقائق و خرجتْ..
خرجتُ ألعن نفسي و يعتملُ في صدري أسىً لن تفسره الكلمات ..
خرجتُ بأسوأ غنيمةٍ في التاريخ ..

يا لسوء أقداري وآه يا ساره .. أبينَ يومٍ وليلة ، هكذا بغتة ً .. صرتُ لصاً ؟!!
وأسرق من ؟!
أمي !

غداً .. ستحرصُ كعادتها أن أتناول إفطاري .. وستتأوهُ من ركبتها واقفةً على فرن الغاز تحضر الشاي لي ..
وسأنظر لها نظرةً أخرى لم أنظرها قط .. سوف يجللني الخزي غداً صباحاً .. لن أستطيع محادثتها واضعاً عيني بعينيها ..
ستوصيني على نفسي وسألعنُ نفسي .. وكلما دعت لي ، سأبكي في قلبي .. أعلم ذلك .. أعلم أن في الصبحِ هواني !

أصعدُ الدرج راجعاً لغرفتي وأفكر :
ماذا ينقذني منكِ يا أمي .. أأكذبُ على نفسي وأقول لن تحتاجي هذا العقد !
لا ، لن أكون سارقاً و كاذباً في ذاتِ الوقت وأجمع السيئتين !

أينقذني منكِ وعدٌ سريٌ أقطعه على نفسي بأن أُحضر لك أفضل منه حين أتخرج وأصبح ذو مرتبٍ جيّد ..!
أينقذني منكِ يا أماه ، أني أفعلها وأنا أمسح دمعة ً فرّت وأخرياتٍ أُجاهدهنّ أن لا يندلعن فيشهق بهنّ صوتي ..
لا تجسي رأسي غداً .. هذا الرأس نجسٌ كل مافيه .. وأنتِ أطهر !
أريحيني غداً من دعواتك بربك .. كل دعوةٍ منكِ ستجعلني أكرهُني أكثر !
حتى وأنتِ لم تلبسي هذا الذهب منذ أزمان ، حتى وهو مهجورٌ في صندوقك القديم ..
لكنه يحمل رائحتك .. يحمل ذكريات شبابكِ يوم زفّوكِ لأبي .. يحملُ صحتك وعافيتك التي باتتْ حُلماً جميلاً ليس أكثر ..
يحملُ أيام أنوثتكِ البهيّة ..قبل أن تلدي ولداً ينوي بيعَه ليُحادث فاتنة !
سامحيني يا أمّاه !

أضعُ العُقد في جيب ثوبي لأبيعهُ غداً للصاغة .. سيتغانمون فقيدَ أمي ..
أكثرُ ما يعذبني أنها ستكون غافلةً غداً تتعطرُ بالآيات من مذياعها ..
أغمضتُ عيني وأنا أفكر في أمي وخزيي ، في سارة والحب الذي بدأ يتغلل في روحي ، في مستقبل العلاقة الجنونيّة هذه ..

- ماذا لو لم أستيقظ ؟ ماذا لو سُلّت روحي وأنا نائم .. ألن يكون أفضل ؟ بلى، سيكون أفضل !

يتبع ..

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:24 am

18

أقِف أمام أحد الصاغة حاملاً نفيسَ أمي !

لم أنمْ جيداً .. و فكرتُ أنها لن تفتقده .. لو افتقدتهُ ستذهب الظنون
للخادمة التي هربت قبل اسبوعين .. هكذا كنتُ في مأمن من انكشاف أمري .
شيءٌ وحيد كان يُحاصرني ، ضميري .. صوتٌ يهتفُ في أذني يخبرني أنّ ما أعملهُ لا يمكن تبريره !
ماذا لو عِشنا بلا ضمير ، أكان النومُ يستعصي على الأجفان ؟!

خرجتُ من البيتِ سريعاً ، أعلمُ أني لو رأيتُها لأحجمتْ .. صوتُ تهليلها كفيلٌ ببعثرة ماأضمرتْ ،
أغلقتُ الباب ورائي وأنا أعرفُ أني أفتحُ على نفسي باباً من الندمِ لن يُردم !

أخرجتُ العقد للصائغ ونظراتي تزوَرّ عنه ، شيءٌ في داخلي كان يحولُ بيني
وبين مشاهدة العقد ، شعرتُ به مخذولاً ، وتخيلتُ وجهها في كل حوافّه .
أخذهُ مني البائع وشعرتُ أنه يأخذُ روحي .. وزَنه وقدّره بألفي ريال !
للذهبِ ألفين ، و ماذا عن ذكرياتِ أمي ورائحتها المعتّقة في ذراته ؟ إيهِ يا أيها الصائغُ لستَ تدري شيئا !
أومأتُ برأسي كناية الموافقة ولم أجب ، شعرتُ أن في النطق عقوقاً أشد ، أعطيتهُ بطاقتي وكتب فاتورة البيع تدويناً لخيبتي ..
.. وانصرفتُ بقليلٍ من المال وكثيرٍ من الخزي !

* * *

غرقتُ في المذاكرةِ كل العصر .. وقررتُ محادثة سارة في الليل لأحسم الأمر برمته ..
كلما فتحتُ صفحةً لاح وجهها الأسمرُ يبرقُ في سماء مخيلتي .. كلما أردتُ حفظ قصيدةٍ صفنتُ بها كثيراً !
كان طيفها يحاصرني ويصدني عن سبيل القراءة عِوجاْ ، أسرحُ بها وأمرر القلمَ
على كراستي .. فإذا عدتُ لوعيي وجدتُ اسمها مكتوباً كل مرة !
اللعنة .. ماهذا الجنونُ الذي يعتريني .. أي عاطفةٍ دبّت فيّ من حيث أدري ولا أدري ..

في المغربِ كنتُ أرتشفُ القهوة المسائية المعتادة في بيتنا ..
صوتُ أبي وشقيقي الكبير بدر كلاهما يوصيني على المثابرة والجد .. أرتشفُ القهوة وأنظرُ لأمي فأشعرُ بمذاقٍ مرارتهُ متضاعفة !
عن أي مذاكرةٍ تسألون ؟! آه لو تعلمون .. كل ما وجهتُ وجهي للقراءة جاء طيف السمراء يختال ضاحكاً ، كأنما يرجو رسوبي !
يتحدثون عن الإجتهاد وقلبي يحدثني بسارة .. أغفو مع صوتِها المتراقص في
سمعي فلا أُفيقُ إلا على سؤالٍ منهم يُعاد عليّ للمرة الثانية !
أخرجتُ هاتفتي وكتبتُ لها:
" الليلة ، أريدُ محادثتكِ لأمرٍ هام " !

* * *

بالكادِ انتصف الليل .. ها قد جاءت ساعةُ القلب والنجوى .. إما أن تكون الحياة مغامرةً أو لا تكون !
لم أسمع صوتها منذ صباح الأمس ، منذُ أن قال لي الدكتور ثابت ما قال .. بل منذُ أن قلتُ لها في الممرّ ما قلت ..
لم أكمل يومين على غيابِ صوتها ، يا للمدة البعيدة والشُقّة الهائلة، أكل هذا الشوق يومين ..
..ماذا جرى للأيام ياسارة .. أباتت أسابيعَ فجأة !

هاتفتُها وسلّمت في اقتضاب .. وبكل ثقةٍ وجراءةٍ تشتملها روحي ، بدأتُ حديث الصراحة !
بصرامةٍ أخشى أن تضمحلّ جاءها صوتي جسوراً:
- "أُريدُ أن تسمعيني دون مقاطعة .."

رد صوتها متوجساً : - "ماذا ؟!"

- "لا أظنّ الأمر مجرد لعبة ياسارة .. ماعادتْ هذه المكالمات صداقةً وتسلية .. لا أعلم أينَ أصِل "
كنتُ محموماً وأُلقي بحديثي أشبهَ ببكاء !

- " ............... ، "

- " بالأمسِ حينَ قطعوا الخدمة عن هاتفي شعرتُ بأن أوصالي قُطعت .. واليوم يمتنعُ التركيز عني فلم أدرس شيئاً .. ماذا تحسبين !
أتظنينَ أن الأمر مُزاح .. لا لم يعد مزاحاً.. ها أنا أُخبرك بالحقيقة ، لا أستطيع السيطرة على الأمر ، لا أستطيع ! "

لا أدري أكنتُ أفضفضُ عن ذاتي أم أن صوتي كان يؤنبها !


- " آه ياساره .. لو رأيتِ كتبي ومذكراتي ، كيف يفترشُ اسمكِ دفاتها وحرفُ السين يصدحُ في كل ورقة .. أتظنين الأمر مزحة !
بالأمس أردتُ مناداة أختي الكبرى هند ، و زلّ لساني بإسم سارة .. واعتلاني الوجوم !
بالأمس كنتُ على الطريق ، أنظرُ للمقعد المجاور لي وأتخيلكِ بجواري .. كدتُ
أموت حين راحت المركبةُ يميناً والقلبُ يرفلُ عندكِ في الشمال !
ياسارة لا .. لم يعد الأمر عاديّاً ..ها أنا أخبركِ الحقيقة ، لم يعد الأمر لعبة ! "

- " ....................

وكانت تصغي ، وصمتُها يستحيلُ ضجيجاً في أذني !


- " الأمس واليوم كلها مرّت كما لو لم تمرّ .. صرتِ التاريخ والتقويم ياسارة ، أيامي بدونكِ لستُ أعرفها ..
هذه الدنيا بدونك ..باتت سجناً ليس أكثر ، صوتكِ الذي تُلقينهُ بلا مبالاة .. أكسجينٌ يتنفسهُ القلب !
أبي و أخي و أصدقائي و كل من لاقيتْ .. كلهم يخبروني عن حالة التوهان التي تفتكُ بي .. أتسمعين ؟ واليوم ..آه ياساره
اليوم سرقتُ أمي .. أتصدقين ؟ أمي التي حدثتكِ عنها طويلاً .. سرقتها ..
سرقتُ أمي لأسدد هاتفي وأهرعَ لكِ من عنائي.. تباً لكِ إن ظننتِ الأمر مزحة ! "

- .....................

- " يا سارة ها أنا أخبركِ ولتضحكي إن شئتِ أو فلتُصعقي ، لا أعرفُ تعبيراً للحب ، ولا أريد حتى أن أعرف !
أعرفُ أني بدونكِ الفراغ والإرهاق و الهم الطويل .. بدونكِ الرياض تعودُ صحراء قاحلة .. بصوتكِ كانت جنة الدنيا وقبلة الحياة ..
بدونكِ ما عدتُ أقوى الصبرْ .. أليس هذا هو الحب ؟ إن لم يكن فما عساهُ أن يكون ..
سمعتيها صباح الأمس.. أظننتِ الأمر مزاحاً ؟ هه لا .. لم أكنْ أمزح ..
لا ياسارة لا يُفلتُ اللسانُ إلا أسرار القلب .. لا يفضحُ اللسان إلا الحقائق المستورة ..
أحبك
نعم أحبكِ .. ولا يهمني الآن أي شيءٍ في هذه الدنيا .. إلا أنتِ "

سقطتُ على السرير وألقيتُ هاتفي بجواري .. تركتُها تسمعُ لهثَ أنفاسي بل
وصوتَ شعري وأنا أمسحُ عليهِ بعصبيةٍ بادية .. عركتُ عيوني وجففتُ العرق عن
جبيني ..

رفعتُ السماعة مرةً أخرى وهي تردد اسمي بحثاً عني ..

بصوتٍ متعب أجبتُها " نعم ! "

وانطلقتْ على الفور :

- " لستُ أضحكُ منك ..بالله ماذا تحسبني ؟! جداراً لا يشعر !؟
فيصل كلهم يتحدثونَ عن سرَحاني و عُزلتي وبقائي في هذه الغرفة ، كلهم يحدثني عن تغيّر سلوكي ، بتّ عصبيةً تارة، ودودةً تاره ..
كل شيءٍ صار في حياتي متوقفاً على سماعِ صوتك .. أتظنني أُهاتفك تماماً في
الثانية عشرة حين أصعد لغرفتي ؟ لا يافيصل .. أحياناً أسكنها قبل اتصالي
بساعة ..
أعد الدقائق وأخشى أن أُهاتِفك وتكون بحضرة أصدقائك ، أتمنى لو هاتفتُك
أبكر لتكون معي أطول .. باتَ صوتك فُسحة يومي و كنت صديقاً والآن أكثر ! "


-" لا يافيصل ليس الأمر لعبة ، وأدرك ذلك قبلك .. هل أخبرتُك أني أحتضنُ "
بين القصرين " قبل أن أقرأها .. وأحدثُ بك صديقتي هيفاء كل مانِمتَ فجراً !
لا يافيصل ليس الأمر لعبة .. أُشاهدُ حتى أشقائي وأسرحُ في وجوههم وأقول
:لا فيصل أجمل ! وأشمّ عطرك في يدي وقد مضى على تصافحنا طويلاً .. "

كانتْ تنشج ويتهدجُ صوتها ..كانت تبكي !
تمنيتُ لو أني موجةً تخترقُ هذا الأثير لأحتضنها وأبكي على ذوائبِ شعرها الأظلم ..
بقدرِ الدهشةِ التي أرتمي فيها كان سروري وأعظم ..
تتحدثُ باكيةً كما لو كانت تعترفُ بما أثقلها زمناً بعيداً .. كل ما أردتُ سؤالها .. كل ما أردتُ مقاطعتها صرخت بهستيريةٍ :

- إسمعني ! " ياخي " اصمت .. أريد أن تسمعني
تصرخُ فيني وأعود أصغي :

- " عندما لم تحادثني البارحة وأغلقتَ هاتفك صرتُ أشتمك عند هيفاء .. كنتُ
غضبى لأنك لم تتصل بي .. حرفُ الفاء أكتبهُ منفرداً في كل يوميّاتي ..
بالأمس يوم تركتني للإنتظار ، كنتُ أحملُ عبدالعزيز ابن شقيقتي رحاب ..
عمره سنة وأشهر .. كنتُ أناغيهِ وأدربه على نطق ِ إسمك .. " قل فيصل "!
كيف أضحك ؟ أأضحك من روحي وأمرُك أمري .. لستُ أقل منك أبداً في هذه المتاهة ..
أدرُك أن الأمر لم يعد لعبة .. وأن الأمر أكبر مما تصورنا يا فيصل .. وتقول لي أحبك ؟
أحبك نعم .. بكل عقلي وقلبي أحبك "

علا صوتُ نحيبها .. أغلقتِ الهاتف.. تراخيتُ على سريري ..

أنا بالتأكيد أحلم ..
صفعتُ خدي :


لا..ليس حُلماً الأمر حقيقة !


يتبع

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:24 am


19

في الصباح كنتُ أهدأ بكثير مما كنت عليه طوال اليومين الماضيات .. عادتْ
تلفني السعادة من جديد ... أيقنتُ تماماً أن هذه علاقة التقلبات !
لا يمكن أن تتنبأ بما قد تكون عليه .. المفاجآت المتوالية تتسارع .. تشعر أنك تلهث تعباً وأنت في مكانك لمجرد التفكير فقط !
أخبرتُها أنها بالنسبة لي باتت كل شيء .. وأخبرتني لأول مرة أني أمثل لها أكثر مما تخيلتْ ..
سألتني عن عقد أمي فامتنعت عن مزيد التفاصيل .. عرضت عليّ مبلغاً لاستعادته فأبيت بإصرار .. قالت فلتكن سلفة ولكني رفضت !
كيفَ يفعلها فهد ؟ كيف يقبل أن تمتد إليه يدٌ تزرع في جيبهِ مبلغاً من المال ..
سألته عن ذلك فقال وهو يتمطّى :

- عادي ! ستُهلكك الحساسية المفرطة ..

- إذاً باستطاعتك أن تقف بعد الصلاة وتطلبَ الناس المعونة ؟!

غضِب ولمعتْ تلك النظرة التي أعرفها في عينيه ، تلك النظرة التي تشي بأنهُ استُفز جداً !

- بالتأكيد لا ! لستُ مسكيناً يطلب الصدقات !

- ولكنك تقبلُ أن تجود عليك إحداهنَ ، تتباهى بذلك يا فهد بربك ما الفرق !؟

غادرتهُ تلك النظرة التي لا أحبها في عينيه .. وعادتْ له نظرة المكر والسخرية :

- ألم تسمع بالنفط مقابل الغذاء ؟! المال من الناس لا أقبله .. من إحداهنّ - كما تقول - هو مبادلةٌ نفعية !
لو قدمتَ لي مالاً يا فيصل لن أقبله ، لكن تأكد ، لو كنتُ أحدثك طوال الوقت
عبر الهاتف وأنت تستمتع بالحديث ،صدقني ستصِلك فاتورتي عبر بريدك
هههههههه

- ههههههههههههه لستُ غبياً لأسدد !

- إذاً هيئ نفسك منذ لحظة الرفض بأنك محرومٌ من أحاديثي اللذيذة ههههه !

تباً لدنجوان وثقتهِ المفرطة !


سألني في الليل بعد أن اجتمعنا في الشقة ماذا فعلت ؟
أخبرتُه أني بعتُ عقداً لأمي وسأعوّضها قريباً .. هكذا بلا تردد..كنتُ قد تصالحتُ قليلاً مع نفسي ..
فكرت أن ما قمتُ به نعم كان خزياً كبيراً لكنه أيضاً ثمن وتضحية لأستمر مع سارة .. عزائي أني قمتُ به مدفوعاً والندم يكللني ..
ألم يقل سقراط بأن التضحية أمرٌ سهل إذا وجدنا من يستحق .. نعم أظن تضحيتي هذه لم تذهب هدراً ..
كنتُ مقتنعاً بأن ماقمتُ به كان شيئاً لا بد منه .. أسهلُ بكثير من إستجداء
الآخرين مثلاً .. لهذا أخبرتُ فهد بالأمر ، نعم ببساطة : بعتُ عقداً
لأمي !

ثارت ثائرته ، عادت تلك النظرة اللعينة في عينيه ، برَقتْ فجأة وصاح بي:

-ماذا ؟ أنت تنحطّ لأسوأ مما وصمتني به ..
لن أسرق أمي ولو كان هذا المال ثمن دوائي الذي يبقيني على قيد الحياة ..

رنت هذه الكلمة في رأسي كناقوس .. مشكلتي مع فهد أني لا أقدر على الإحتفاظ
بالأسرار .. أخبره بكل شيء .. أخبرته أشياء أفظع من هذا الخبر ..
ليس من الذين قال عنهم لامارتين: يكره الرجل أولائك الذين يضطر للكذب أمامهم !
هو صديقي الذي يعرفُ عني كل ما خبأتُ عن غيره ..لهذا أن يعرفَ قصة السرقة هذه ليس جديداً كخبر أخصه به ..
لكن الجديد أن ثورتهُ النبيلة صحت فجأة !
دائماً ما كنتُ أنظر لفهد كجانبٍ سلبي .. وأنا الطرف الآخر المليء بالإيجاب .. رغم كل شيء كنا صديقين بما يكفي لنستمر دائماً ..
اليوم ولأول مرة .. أنا من كان يتلقى الزجر و النصح .. اليوم كنتُ سلبياً جداً وفهد هو من يوبخني ..
تبادل هذه الأدوار .. يخبرني كم هويتُ كثيراً .. ترديتُ للأسفل .. لن تصف
الكلمات منظر فهد وهو يحتقرني بنظراتهِ وصوتهُ الصادح في أذني كصوت زجاجةٍ
تتشظى ..
كأنما كان منتشياً بهذه الأخبار ليمارس دور الناصح الأمين لأول مرة :

- فهد أرجوك اصمُت ، أتظن أن الأمر سهل بالنسبة لي ؟ إن كنت متقززاً مني مرة فأنا متقززٌ عشرات المرات .. هذه أمي يافهد ..

- عارف يا فيصل ؟ مرة من المرات كنت في علاقة مع فتاة من عائلة ثرية .. كانت علاقتنا تزدهر وكنتُ أسداً ينظرُ لغزالٍ سمين !
هاتفتني على البيت وأجابتها أمي بالصدفة ، راوغَت أمي وأخبرتها أنها مخطئة
.. في الليل كانت أحاديثنا متمازجة ومؤشر الإنسجام يتسامى ..
أخبرتني بأنها هاتفت المنزل وسمعت صوت أمي.. ركز معي يافيصل أرجوك ، قبل هذا الخبر كنا نتفق على أين اللقاء .. لكن آه يا فيصل ..
حين أخبرتني أن أمي كانت من البلاهة بحيث لم تشك في الأمر .. آووه ماذا
أقول .. هل وصلت بك الأمنيات مرةً أن تكون أمام أحدٍ في ذات اللحظة فقط
لتبصق عليه ؟! كنت أستطيع أن أنهي المكالمة في وجهها بإهانة لكن هذا لا
يكفي يافيصل لا يكفي .. كان البصق سيبريء أوجاعي وينتصر لأمي .. والآن تأتي
بصفاقة لتخبرني بفعلتك السوداء ؟ أنت ؟ أنت الذي كنتَ دوماً زاجري الأول !
تأكيد ياعزيزي لن أسرق أمي وأستغفلها لأجل كليوبترا بذاتها ، نعم .. كن
أكيداً من ذلك ياسيد نجيب !

كانت كلماته أشبه بوابل رصاص ..
رفعتُ رأسي.. صوّبت نظري عليه حين انتهى ، وببرود :

- فهد .. الله يلعنك !

* * *


أن تُخبر من تحب بمشاعرك الفيّاضة، أن تبوح بعد الصمت، هذا يشبه ماذا ؟ تعوزني اللغة وسعة الإدارك لأصف ..
كأنك تسير مثقلاً بالأحمال ، تطأ الأرض بصعوبة وبالكاد ترفعُ قدمك الأخرى
.. كأنك تمشي فوق خدود الرمال .. الهواء العاصفُ يهب في وجهك وتنثني للرجوع
..
في الرمل وهذا الجو العاصف مكبلاً بالحديد ..هذا كلهُ يشبه أن تحمل سر الحب !
سر الحب أثقلُ ما في هذا الكون ..أن تحملهُ صامتاً يعني أنك تحملُ مالا
طاقة لك به .. فإذا ألقيتهُ تحللت من أثقالك .. وإن كنت جيد الحظ وقبِل
الطرف الآخر مشاعرك بات ريشةً تتراقص في قلبك ..
لهذا.. شعرتُ بالراحة حين أخبرتها كل شيء .. صار الرملُ جادةً ممهودة .. والهواء العاصف قد سكَن .. وبات المشيُ أسهل ..

حين أخبرتها بأني أحبها ، وبادلتني المعلومة .. وبعد أن هدأت موجة البكاء التي دخلتْ فيها .. عدتُ أحدثها بعد ساعة ..
كان حديثنا لأول مرة يخلو من الضحكات والسخريّة التي اعتدنا عليها .. كأنما نزلتْ علينا السكينة فجأة !
كأننا نعرفُ أن الأمر اختلف .. نتحدثُ كـ مصدومين قليلا ً ،
لم نعاود الأمر ونخوض فيه .. تركناه بعد أن عرفنا كل شيء .. لهذا كانت المحادثة تشبه المرة الأولى يشوبها الطابع الرسمي !

عندما رأيتُها أول مرة عند ماجد .. كان الكلام صعباً جداً لأبدأ .. كان الكلام يستحيلُ حجارةً عملاقة عبثاً دحرجتها للأمام ..
وعندما هاتفتني لأول مرة عندما خرجتُ من الشقة .. كان الحديثُ يتحركُ بصعوبة .. كبحر ٍ متجمد !
وحين رفعنا الكلفة وسقف الحريّة واعتدنا بعضنا صار حديثنا يشبهُ شدو طائرين لا يقطع لذة الشدو عنهم أي منغّص ..
لكن .. مجرد تبادلنا الصراحة ، وخوضنا حديث الحب .. هذا أعاد الأمر مجدداً
للمرة الأولى .. غلّف الحياء صوتها معي .. أنا الرجل الذي سمِعها تبكي
بالأمس وهي تنطق عبارتها " أحبك "

شيءٌ واحد اختلف ، رسائلها الرانّة في جوّالي .. تخبرني بالأبيات والجمل
العاطفيّة .. كأنها تقولُ لي ماعجزتْ قوله بلسانها .. ورحتُ أبادلها
الرسائل في كل مكان وأي وقت ..في الكلية في السيارة وأنا مع إخوتي وأنا في
الشقة ..
حوّلت جهازي إلى وضع الصمت الكليّ ،
كانت نغمة الرسائل تتكرر بشكلٍ يلفت أنظار من بجانبي .. أضعهُ في جيبي
الأمامي بجوار قلبي فإذا ومَضَ بأنواره نَبَض قلبي ورحت أقرأ بانتشاء ..


حادثتُها حين خرجتُ من إحدى المكتبات الكبيرة في الرياض ..
وكنتُ أمرّ في طريقٍ أنيق من طرق الرياض الفاخرة .. وصوتُ المسجل يصدح بـ " اصحى تزعل " لعبدالمجيد ..
كانت كتبت لي مسجاً تقول فيه " اسمع اصحى تزعل ، إهداء خاص من ساره " .. وكنتُ أنظر لألبوم الربيع لفريد وأبتسم ..

- هل تعلمين ياسارة ماذا أشاهد الآن ؟!
- ماذا ؟
- صورة فريد ، واضعاً يده على العود واليدُ الأخرى يشيرُ بالسبابةِ للمصوّر .. لا أدري بتّ في الفترة الأخيرة أظنهُ يشيرُ لي أنا!
- ههههه مااذا يريد ؟
- أشعرُ أنه يقول أني أعرفُ سر هذه الأغاني الجديدة يا فيصل ..
- ماذا قلتَ له ؟
- قلتُ له بأني قضيتُ معه رفقةً جيدة طوال السبع سنين هذه .. وأنه قد جاء الآن وقت التغيير .. بربك يا فريد لا تكن حساس ..
-ههههه وهل صدقّك ؟!
- لا .. المشكلة أنه لم يصدق ، مازالت سبابتهُ موجهةً إلي ههههه
- "لا بـ جد وش قلت له "

شعرتُ أنها تريد مني أن أتحدث حديثاً يروقها .. تعملُ لأجل أن تسمعه .. أوليس هذا ماتريدين ياسمرائي الجميلة حسناً :

- عندما لم يصدقني ياسارة، ولم يقتنع بكلامي المنمق ، أخبرته بالحقيقة ، هل
تريدُ الصراحة ياعزيزي ملك العود إذن هذه الصراحه فلتسمع :
هؤلاء الجدد الذين جاءوا لسيارتنا يافريد .. لديهم توصيةٌ خاصة من عزيز لا
يُرد له طلب ! لا تلمني بربك ، أنت لو رأيت العيون التي رأيت .. وسمعت
الصوت الذي سمعت .. وجاءتك بطلبٍ مماثل لما ترددتْ ..
لا تلمني عزيزي فريد ، أحياناً لا نملكُ خياراً مع بعض الأشخاص إلا التلبية الفورية !

ضحكِت ضحكةً ناعمة تراقصَ لها قلبي .. سألتني أين أنا الآن , فأخبرتها بإسم
الطريق الذي أمتطيه .. شعرتُ أنها إلتقطَت اسم الطريق باهتمام وسألتني
بجوار ماذا بالضبط ؟!
حين أجبتها أني الآن أمر بالبنكِ الفرنسيّ قالت حسناً ستأتيك إشارة انعطف
معها يميناً .. ظننتُ الأمر مزحة وبالفعل انعطفتُ يمينا .. أخبرتني بإسم
مطعم شهير كنت بالفعل أمر منه ..
دخلت كما أمرتني مع المنفذ الذي يتلوه .. كانت حارةً مليئةً بالقصور
الفارهة والسيارات الفاخرة .. ليست بالتأكيد كبيتنا ولا سياراتنا هناك حيثُ
نسكن الجهة الأخرى من الرياض ..
تعجبتُ من قدرتها على تمييز الشوارع بأسمائها الفرعية والرئيسية ومعرفة
المتاجر التي تصطف عليها .. لا أظن شقيقاتي كلهنّ يعرفنَ اسماً واحداً من
طرقات الرياض فضلاً عن إجادة الوصف ..

- هل ترى التقاطع الذي أمامك ؟ البيت الممتد على الشوارع الثلاثة ؟!
- نعم .. ها هو أمامي
- شاهد السيارات التي أمام البوابه ..
- بانوراما ، جيب رنج ، يوكن .. ماذا بشأنها؟
- ههههههههههه هذا بيتنا يا فيصل !

لم أكن أعرفُ بيتها من قبل .. لم أطلب منها حتى وصفَ البيت خشية أن تفهمني
بالخطأ .. وكان فهد يلح أن أعرف ذلك وكنتُ لا أبالي بإلحاحه ..
هذا هو البيتُ الذي تسكنه فاتنتي ، وهذا بالفعل هودجها الفيراني الذي حملها
إليّ في المرتين الماضيتين .. أحقاً خلف هذه الأسوار تقبعُ سندريلّاي
الجمليه !
كان صوتها يأتي عبر الهاتف وأشعرُ أنها أقرب بكثير من أي وقتٍ مضى .. بتّ
أحسبها تحدثني وجهاً لوجه لا يفصلُنا إلا سورٌ رخاميٌ رفيع ..

فيلا أثيرة تتمدد في عرض الشارع كقلعة .. قطعةٌ من البناء الهندسيّ الحديث ليس كبيتنا إطلاقاً .. لا المقارنة ظلم سأكفّ عنها!
وهذه السيارات المترامية على أطرفه ليست كسياراتنا أبداً ..أووه اللعنة ها أنا عدت أقارن!
الحارة الأرستقراطيّة تنعم في الهدوء ، هناك في أحيائنا لا يكف الصغار عن
اللعب والسيارات عن ممارسة اللهو المتهوّر .. هنا لا تشعرُ بالحياة بل
الرفاهية ..
البوابةُ مفتوحة .. شعرتُ أني من الجنون بحيثُ أصعد كـ عاشقٍ مُدنف ولن ينتبهَ إليّ أحد .. يا لجنوني ..

- هذا منزلكم يا ساره ؟ لا أصدق أن ما يفصل بيننا بضعة أمتار ..

إمعاناً في مغامرتها طلبتْ مني أن أسلك الطريق الضيق الآخر .. توقفتُ عنده ...وكانت تضحك كأنها تمارس لعبةً جنونية :

- امممم ، يعجبني اللون الأبيض ، حلو لون سيارتك ههههههههه

أخذتُ أبحثُ في الشرفات الكثيرة من أين تشاهدني .. انفصلتُ عن المكان لو مرّ أحدهم لقال أني سارقٌ يخطط لفعلته ..لم أعد أعبأ بأحد !

الرياض صارمةٌ على الجبناء المترددين .. المتهوّرين دائماً ما ينفذون بجلدهم ويحالفهم حسن الحظ .. هذا ماكان يردده فهد دائماً ..
كلما تهوّرت مع سارة .. كان الأمر ينقضي على خير حال .. كأننا في عاصمةٍ أوروبية ليس فيها المزيد من التعقيد ..
حين أمسكتُ يدها .. حين تحادثنا عن الأدب في المحل دقائق طوال ، حين
أهديتها رواية الأبله أمام بوابة المحل .. كنت متهوراً في الثلاث ولم ينتبه
لي أحد !
أليسَ غريباً أن تخافَ من شيء فيحدث لك ، وإذا تمردتَ عليه وصرت شجاعاً تجافى عنك ، ألم يقل تيرنس بأن الحظ يساند الشجعان فقط !
حتى في القتال ، احرص على الموت توهب لك الحياة ..

أخرجتْ لي قميصاً أحمر يتراقص في الهواء ولم تفعل أكثر ..قالت أرأيته ؟ هذه
شرفتها ، إذن ها هنا ترقدُ سارة وتحادثني سارة .. ها هنا أجمل معتقلٍ في
الوجود !

-سارة سأهجم على غرفتك في أي لحظة ، انتبهي ، في أسبانيا حين يلوحون للثيران باللون الأحمر تُهاجم وتفقد التركيز هههه

شرقتْ بالضحك وشرقتُ بالسعادة .. الآن لا شيء أجهلهُ عن سارة .. الآن صارت الرياض أجمل مدن الدنيا لأنها مدينة الحياة ..
سيكون هذا البيت قِبلة سيارتي كلما خرجتُ من الجامعة .. ومحرابي الذي سأعتكفُ فيه ..
هل جُننتِ ياسارة لتخبري مجنوناً عن بيتك ، لاقوة في الدنيا تزحزحه عنك بعد الآن !
كان صعود روميو لشرفة جولييت في مسرحية شكسبير على وشك التكرار في هذه
القائلة .. لكن أعادني من أرض الأحلام خروج سيارة الرنج من منزلهم ..
سألتها فأخبرتني أن هذا شقيقها تركي...

تركي الذي حدثتني عنه طويلاً .. تركي الذي كنتُ أغار عليها حتى من مجالسته وأحسده .. تركي الذي تقولُ بأنهُ صديقٌ لها أكثر من أخ !
كنتُ أغلقُ الهاتف وأنطلقُ خلف تركي ، جنون ؟ لا بأس ..
أريد رؤيته فقط ..فضولي أرغمني على السير خلفه ، هل يشبهها .؟ بالتأكيد سيقاسمها الملامح ..
كان يمضي وكنتُ خلفه كمتلصص .. توقف عند الصيدلية وتوقفتُ أمام البوابة وانتظرتُ خروجه .. كانت مغامرةً شيّقة ..
خرجتُ من سيارتي ومضيتُ إلى الداخل .. وتصادفنا عند الباب ..
هو لا يعرفني .. لكني أعرف اسمه وصفاته وطبائعه وماذا يشجع وماذا يدرس وماذا يحب حتى أن يسمع ..
مررتُ به وألقى السلام ومضى ..
تراقصتُ لشعور الإجرام الذي مر بي في هذه اللحظة .. أليس نوعاً من الخبث و
الأعمال المخابراتيّة أن تعرفَ عن بعضهم كل شيء وهو لا يعرف عنك أي شيء..

- عليكم السلام ، قلتها وأنا أبتسم في داخلي ..

كان نحيلاً .. لديهِ لمحةٌ بسيطة من أخته.. أشد سمرةً منها .. كانت تقول
سارة عندما سألتها أيّنا أجمل ، أنا أم اخوها ..أخبرتني أني أتفوق عليه
بالبياض ..
حين رأيته كنت نرجسياً ، أدركتُ أن سارة شفقت على أخيها في هذه المقارنة .. أنا أجمل منه في كل شيء لكن أخوّتها منعتها من القول ..

ضحكتُ من نفسي وأنا أردد :

جميل ، هذه أول مقارنةٍ يُكتب لي النصرُ فيها !

* * *



في الليل .. كانت تخبرني عن طريقة اتصالٍ جديدة .. أوفر وأفضل !
كانت تتحدثُ حديث العارفة بالأمور وأنا أنفذ ..
علاقتي مع الكمبيوتر وبرامجه تشبه علاقتي باللغة الصينية .. لا أفهم الكثير ،
طالما تبرمتُ من ماجد وأحاديثه بخصوصه ..
وكانت سارة تلح أن أنفذ ما تقول ..
بعد ساعة من التتلمذ وتطبيق التوجيهات . .
بعد ساعة من تلبية ما تطلبه مني وأنفذه حرفياً ..
جاء صوتها يغني في أذني .. قلتُ ياللثورة المعلوماتية .. لكن لم يتوقف الأمر هنا !
ظهرت صورتها أمامي ..
ترتدي فستاناً أنيقاً شعرها ينسابُ على كتفيها تضع قدماً على الأخرى وتقول لي بإبتسام :

- "ها فيصل تشوفني الحين ؟ "
..................................................
....................................
.................................................. ............
.........................

كنت منكباً في أول قراءاتي على أعمال فيكتور هوجو وكان يقول :
أول الحب عند الفتى الحياء ، وأولهُ عند الفتاة الجرأة .. وكنتُ أسخر من رأيه.................

................................
.................................................. ..................
.............................................

..

حسناً ..
أظنني الآن مدينٌ للسيد هوجو بالإعتذار !

يتبع ....

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:25 am

20

" آه ما أرق الرياض في الليل " ، الآن فقط ، أظن قائلها قد صدق !
سكتَ الهاتف عن الكلام المباح .. وترك الصوت والصورة لثورة الاتصالات التي
حوّلت العالم قريةً صغيرة .. وجعلت من الرياض غرفةً واحدة !
ماذا لو أدرك العشاق الأوائل هذا الزمن .. جميل بثينة وكثير عزة ، وكل
عاشقٍ بات وجهُ أخاديدَ حزن ٍ لـ تجافِ الوصل بينه وبين من يعشق .
ماذا لو أفاق المجنون من قبره .. أكانَ يصدق أن باستطاعته أن يضرب موعداً مع ليلى وهي في العراق .. عبر هذا الحاسوب !
سيُصعق ولا ريب ، عشِق طويلاً وحايل حيّها مراراً ولم يطُل منها إلا نظرةً خلف خِمار ..
ليستيقظ الآن في زمنٍ بات يُريه في الليلة الواحدة مالم يره كل عمره !

أي ليلٍ كان يسري والناسُ من حولي نيام !
أي فتنةٍ كنتُ أرفلُ فيها وأترنحُ سكراً من غير شُرب .. سكِرتُ وما دارت بقربي زجاجة !
كانت تعرفُ أن في صمتي لهيباً .. وفي صدري اضطرام .. وكانتْ تتغنج طرباً بما تفعلْ ..
تستلقي على سريرها تاكئةً وجهها بين راحتيها ، تتراقصُ قدميها من الخلف وتقول : ها حدثني عن آخر الروايات والقصص !
يافاتنتي بربكِ كفي عن هذا العبث ، أنتِ تعلمين أن النسيان سيّد هذه اللحظة ..
أحدثكِ عن ماذا ؟! ليس ذا ليلُ الأدب !


صيّرتني شاعراً أرتجزُ البيت سريعاً .. كل ما أقولهُ يتحول لجرسٍ موسيقي ..
وكانتْ أشبهَ بعارضة أزياء .. تأتي وتمضي بكل جديد !
ربما حركتها تضحيتي يوم بعتُ العقد .. وراحت تعوضني بأكثر !
أو ربما حين حدثتها عن الفتيات في المكتبة ، شعرت بالغيرة وأضمرتها في سرها
طويلاً ، والآن باتت تعاقبني وكأنها تقول : ها هل يستطِعن مجاراتي ؟
لا لا أحد يجاري سحرك .. ولا حتى القمر المطلّ علينا من سجوف الظلام !


******

كنت في الشقة أول المساء وليس فيها إلا أنا وفهد .. أخذتُ حريتي المطلقة في الحديث وانهمرتُ كالمطر ..أخبرتهُ بكل شي ..
أخبرته ببيتها وأخيها وحتى عن ليل الغواية الذي استجد .. ضحك وهو يهرشً دقنه الملأى وقال :

- ألم أُخبرك أن الكذب أفضل دعايةٍ نبثها عن أنفسنا ؟ أرأيت ، ها هو يخلقُ علاقةً مستديمة وتنازلاتٍ ثمينة !
- من قال لك أني كذبت عليها ؟ لم أكذب مطلقاً
- متأكد ؟ حسناً ، وماذا عن الفتيات الشقيّات في المكتبة ؟ هل حدثتها بذلك دون قصد ؟ أجزمُ أنك قلتها استنهاضًا لغيرتها ليس أكثر !
- ...................
- لا تقنعني أنك لم تبهّر الخبر ، نعم ربما ضحكت لك إحداهنّ بينما رحت تقص
على سارة أنها تبعَتك وكانت تنتظر منك أن تطلب منها التعارف وهكذا ..
أتستطيع أن تحلف أنك لم تفعل ؟
- ههههههههههه بصراحة ، قلتُ لها أكثر مما حدث في المكتبة
- أرأيت ؟ حين نكذب يا فيصل نخلقُ لأنفسنا بريقاً في أعينِ الآخرين .. كذبتك لا بأس بها ..وانظر ماذا فعلت !
المرة الأخرى حين تأتي بكذبةٍ جيّدة قد تصلُ لأكثر .. بابُ التنازلات هذا
يُطلّ على درجٍ سفليٍ طويل .. حين يُفتح مرة ، صدقني لا أحد يدري إلى أين
يصلُ النزول !
- يخرب بيتك ! كيف تعرفُ كل هذا يافهد؟!

بدا أن صديقي استطاب المدائح ، فعلتْ فيها فعلته .. أعرفُ وميض عينيهِ حين يتراقصُ زهواً :

- أعرفُ كثيراً لكنك أحمق ياصديقي، تأتي لتحدثني عن أرسطو وأفلاطون وبقيّة الأغبياء وتقول لي قالوا وقالوا .. بالله ماذا أفادوك ؟
انظر إلي، بكلمةٍ واحدة مني حركتُ علاقتك للأمام .. ربما نصيحةٌ أخرى مني وتجد نفسك فجأةً في بيتهم ههههه ،
- هههههه يا لك من حاذق ..
- نعم هذا مبدأي يافيصل : اكذب حتى تمسك بزمام الأمور !
- إذن يافهد تتفق مع الإيرلندي بيريك ؟!
- أوهوه ! عُدنا لأحاديث المثقفين ! ها وماذا يقول هذا الإيرلندي .. بربك إن كان كلاماً فلسفياً فلا تخبرني ،
حقاً يافيصل لا أدري لماذا تكلف نفسك عناء حفظ هذه المقولات بينما أنت الآن تُجالس الحكيم الأول ههههه !

- هههه لا ، اسمع ماذا يقول : الرجل الذي لا يكذبُ على المرأة هو لا يحترم مشاعرها إطلاقاً !

كان يشعل سيجارته ، بعد أن قلتُ له هذه العبارة نفث الهواء البنفجسيّ بعيداً للسقف واخرج اللفافة من فمهِ على الفور :

- أحقاً قال هذا الكلام ؟!
- نعم .. كأنهُ يبرر الكذب مثلك !
- فيصل ، من الآن أخبرك ، أحرق كل الكتب التي لديك وركز على بيريك هذا،
يبدو أنه كاتبٌ جيد ، أعاد لي بعض الثقة في المثقفين .. هل لديه أقوال أخرى
؟!
- نعم ، يقول : تعرفُ المرأة أننا نكذب في بعض عواطفنا ، لكنها تشاركنا الكذب على نفسها وتصدق !
- شفت فيصل ؟ ماقلت لك انه رهيب بيرك هذا .. بالله مافيه ثالثه ؟
- ويقول : تغفر المرأة القسوة والظلم لكن لا تغفر عدم الإهتمام بمشاعرها ..

قبض على سيجارته بشفتيه وراح يهز رأسه و يصفق :

- هههههههههههههههه أهنيه بيريك هذا ، رائع ، لااااا .. الجيل الصاعد من المثقفين يرفع الراس !
- يا فهد أي جيل صاعد ، شبِع موتاً منذ قرنين !
- إذن ، الرعيل الأول من المثقفين هم الأذكياء ، الجيل الجديد خيّبوا ظني .. قل معي تباً للجدد هههههه

على أصوات ضحكاتنا كان يمضي الوقت سريعاً ..
قررتُ أن أخبره بالأهم ..أعرف أني سأغضبه بالحقيقة ، لكن لا بأس .. مستعدٌ للتوبيخ من استاذي :

- فهد ، هناك سر لم أبح به ،

وهو يزرع السيجارة في المنفضة :
- هاا .. غرد غرد .. مفاجآتك اليوم لن تنقضي ..

- فهد/ أنا أحبها .. نعم أحبها وأخبرتها بذلك ..

تلقى الخبر ببرود !
نفث الدخان في وجهي وقال وهو يبتسم :

- لا أنتَ لا تحبها يا صديقي !

- ماذا؟ اعرفُ نفسي أكثر منك .. عندمـ ..

- يارجل لو كنت تحبها ماتحدثت إليّ عن كل شيءٍ يخصها !

- بل أحبـ ..

- نحنُ نلعب يا صديقي ، تذكر ذلك نحنُ نلعب ، هل ترى سلمان كيف يُحجم عن أسرار بيته بعد أن تزوج ؟ هذا لأنه يحب ..
ألا تذكر أحاديثه عن كل محاولةٍ يعيشها قبل زواجه ؟ أنتَ لا تحبها لكنك تحب الوقت الذي تقضيه معها !

كان يتحدثُ بثقة ، شعرتُ اني شككتُ في أعماقي ، أخذتُ منه الريموت الذي يتنقل به بين القنوات وهو يتحدث وأخبرته :

- لكني أغضبْ حين أفقدُ صوتها .. حين تتأخر مثلاً ، أشعر أن قلبي ينقبض وأن
ضحكاتي تتوارى مع الكل ، أحدثُ نفسي عنها كالمجنون..شهيتي نحو الطعام
تعتمد على ظروفي معها !


- سلكتُ هذا الدرب قبلك ، أتظن أن هذه الحالة لم تعتريني مع أحدهن يافيصل ؟
صدقني بمجرد ان تأخذ ماتريد ستنسى كل شيء .. الأمر ليس حباً مجرد انجذاب

- نعم أنجذب إليها لأنها تختلف عني في كل شيء ، تتميّز عن كل النساء في
مجتمعي ، هي جريئة مثقفة لا تخشى شيئاً .. تخرجُ كثيراً وتمرح .. كل شيءٍ
فيها يختلف عني وتوقعت الأمر مجرد انجذاب وفضول .. لكن صدقني يافهد لم يكن
كذلك ..
حتى سُمرتها الغريبة عني وعن بيئتي ، هذا اللون الغير معتاد في وجوه
أقربائي ، توقعتُ أني منجذبٌ لهذا التناقض ، منجذبٌ لأتطفّل في عالمها
الأسمر ، لكن الأمر لم يتوقف هنا .. أنا أحبها وأعني ما أقول ..

- حسناً ، هل تدري أنها تلعبُ بك ؟

- ماذا تقول

- هي لا تحبك صدقني .. هي تتسلى بك ..

- فهد إلزم حدك سـ...

- لا لن ألزم حدي ، سأخبرك بأشنع شيء .. هل تظن أن سيادتك أول من رأى مشاهدها الليلية ههههه ؟..
بربك أيها الجامعي المثقف ماهذا الغباء ؟
أتظن أنك أول من شاهدها مستلقيةً وتتحدث بغنج .. ياصديقي أجننت ؟ صدقني قبلك العشرات .. ربما أنا أحدهم من يدري يا فيصـ ..

كنتُ أمسك بتلابيبه وأضعه على الجدار .. أردتُ أن أضربه أردتُ أن أخبره أنه
وقح .. كان كل مافيني يفور غضبًا .. شككني في مشاعري والآن يريد تشكيكي
فيمن أحب :

- لا أسمح لك .. هل تفهم لا أسمح لك .. إخرس ولا تقل شيئا

أنزل يدي في غضب وقال لا تسمح .. منذ متى أطلبُ الإذن لأتحدث .. ها قد أخبرتك بالحقيقة ولن أجمّلها في عينك .. ثم انك حرٌ بعد هذا

- نعم أنا حر ، وسأخبرك بحقيقة أمرك ، أنت متفيهق لا أكثر .. تدعي الذكاء
تدعي الفطنة أنت لا تفهم شيئا .. و الايرلندي اللعين بيرك هذا الذي تمتدحه
قبل قليل .. يقول المرأة أصدق من الرجل لأنها تفكر بقلبها وهو يفكر بعقله ،
أنت لا تعرف شيئاً هل تسمعني أنت لا تعرف شيئاً

كان يلتقط إزاراه الذي سقط في الأرض وكنتُ أصفق بالباب خارجاً .. جاءني صوتهُ وأنا أعبر الطريق من النافذة :

- إذن حتى بيرك مغفل ككل المثقفين !

* * *

أقودُ سيارتي مسرعاً عائداً للبيت .. كان الغضب يجللني .. ثورةٌ عارمة تشب في صدري وأطرافي أريد تفريغ حنقي في أي شيء ..
كل سيارةٍ تؤخرني وتتمهل في سيرها كان صوت البوق ينطلق من سيارتي مثلي غاضباً .. كأن الرياض كلها تدري بحنقي ..
نادراً ما أختلف مع فهد .. لا ليس نادراً .. بل أول مرة أرفع يدي تجاهه في
عصبيةٍ بادية .. لم نفعلها مذ كنا صغاراً في القرية . .اللعنة ، ماذا يحل
بي !
يبدو أن الحب ضربٌ من الحرب كما قال أوفيد .. لم أكن بهذه العصبية من قبل

هل كان محقاً يوم قال عني لا أحب سارة ؟ لا ليس هذا مهماً الآن ، أحقاً لها
علاقاتٌ متعددة ؟ يا لغبائي لماذا لم أسأل نفسي يوماً عن هذه الجرأة !
آه ياسارة .. أحقاً هذا الذي يجري في صدري هو الحب .. أم هو اللعب والتصديق
كما قال فهد .. فهد هذا الدعيّ الذي يزعم أنه يعرف كل شيء !

آه .. ليت أني عرفتك قبل الروايات والأعمال الرومانسية وقصص الشوق التي
أسمعها .. هل أنا الآن أتقمص ؟ هل أحب حقاً أم أني أمثل أدواراً شدتني حين
قراءة .لا أدري ..
أخرستُ صوتَ عبدالمجيد .. لم أنتبه له إلا الآن ، أخرجتُ الشريط من المسجل وكأني أعاقبُ سارة مؤقتاً ..

*****


آخر ما ينقصني أن أتعرض لتوبيخ والدي .. آخر ما ينقصني اشتباكٌ عائلي ..
تباً لهذه الاجتماعات البروتوكوليّة الزائفة .. كان والدي وإخوتي يتأنقون
كيوم عيد ..
يستعدون للذهاب لإجتماع قبيلتنا السنوي .. وأنا الكافر بكل هذا ولا أعبأ به
.. كل ما حلّ يوم الإجتماع هذا كان عبئاً عليّ ثم على أمي حين ترانا
مختلفين ..
والدي يريدنا كلنا صفاً واحداً خلفه .. كأنه مكاثرٌ بنا القبيلة ومفاخرٌ بنا الجموع !
ليس هناك أحقر من احترام يقوم على الزيف والبهرجة ..
أؤمن بحريتي وأدرك أن الوعي ابن الحرية الأول .. فرض القناعات و القيود استعباد لا أرتضيه ..سنين منذ أعلنت التمرد على هذه الطقوس !

حين ذكرني أبي بالأمر صباحاً لم أوافق ولم أرفض .. كنتُ مشغولاً بسعادتي ولم أفكر في الأمر مجدداً إلا حين دخلت الآن .. تباً !
لستُ أعترف بكل هذا .. ولا أسمحُ لأحدٍ أن يعيشَ أجواءه الزائفة على حسابي ،
تباً لهذه التجمعات الغبية ، والمظاهر البراقة و التحذلق الذي يمارسونه
عياناً بيانا
صعدت لغرفتي تشيعني دعوات والدي بالثبور واللعنات .. أخبرتهُ أني لن أذهب

- لا أريد الذهاب .. هذه الدعوات لا تستهويني ،
- تروح غصب عليك ،
- لا لن أتحرك ، أرجوك يا أبي ما فيني يكفيني ، ضغط الإختبارات يرهقني لا تزدني

علا صوتُ والدي وانصرفتُ دون مبالاة صاعداً لغرفتي..
تركتهم خلفي حين كان أخي الكبير يحاول تهدأة والدي وأمي تزرعُ في الفناء تهليلاتٍ ومناشداتٍ لأبي أن يدعني وشأني ..


كنت أفكر ، أحقاً كانت كل هذه الفترة على علاقةٍ مع أحدهم ؟
هه وأنا الذي كلما اتصلتُ بها كان الخط يطلبُ دون انقطاع ولا انشغال ولا انتظار فأطمئن لصدقها..
ربما كانت وقتها على تلك الكاميرا اللعينة من يدري !
رحتُ أطلبها .. جاء صوتها ضاحكاً بشوشاً كالعادة .. وكان صوتي من السخف إخفاء نبرته الحانقة ..كنت صامتاً ألقي بإجاباتٍ مقتضبة ..

- فيصل ماذا بك ؟!
- لا شيء لا شيء ،
- غريب اتصالك هذا الوقت ، الساعة الآن السابعة ، ليست عـادتـ ..
- حسناً مع السلامة

- فيصل ماذا بك .. أنا أتحدث من قال لك بإني متضايقة ؟
سعيدة بسماع صوتك لكني أخبرك أن الوقت أبكر مما عودتني فقط

اللعينة ، تقول إنها سعيدة ! وهل تستطيع أن تقول غير هذا ،

- أين أنتِ الآن
- في غرفتي .. أقرأ روايـ..
- جالسة ع النت ؟!
- لا ، اقول لك أقرأ رواية


هه أأنا غبي لهذه الدرجة لأصدق ! في غرفتك و تملكين أدوات الاتصال مع كل العالم و تتفرغين للرواية !


- أي رواية
- بين القصرين التي أعطيتني
- في أي فصل وصلتِ ؟
- انتصفتْ في الثامن والعشرين حتى الآن ، جميلة جـ
- ما رأيك في الفتاة اللعوب جارة فهمي ، فهمي طالب الحقوق ، هل تصدقين أنها تحبه ؟
- لا أدري ، أشعرُ أنها تتسلى به فقط ، رآها شقيقه كمال تحادث الجنود الإنجليز .. يبدو أنها ليست صادقة في حبه
- كل الفتيات هكذا !
- لا طبعاً !

قالتها بلهجةٍ نزقة !

- كلهم يدعون الحب ويمثلونه ، أتعلمين ؟ لو كنتُ مكان فهمي لرميتُ الورد
وأغصان اللبلاب التي تزرعها أمه في السطح ، على وجهها حين تنشر الغسيل
وتتغنج له
- أوه لماذا ؟
- لأنها حقيرة ، تافهة ، تدعي الحب وهو منها براء .. وفهمي هذا اللعين غبي ـ
كيف يصدق بالحب في مجتمعٍ شرقي يكفرُ به ، كل مايحدث مجرد هوس وتطبيق
لأعمال رومانسية مُشاهدة !
- لكنها كل ماشاهدتهُ يقرأ في سطح المنزل خرجتْ بسعادة تدعي الغسيل، هذا يا
فيصل أول خيوط الحب في علاقتهم ، ربما هي في طور الحب أظنها معجبةٌ به
جداً


إيه .. دافعي عنها ، لأنكِ مثلها .. ربما !

- الإعجاب شيء ، الحب شيءٌ آخر ، أنتِ لا تفهمين شيئًا !
صرختْ بحدة :
- فيصل اشفيك !

- لا شيء ، مجرد خلاف بسيط مع والدي .. متوتر بعض الشيء
- لا حول ولاقوة الا بالله .. ماذا حدث ؟!
- فقط يريدُ أن يجبرني على ما لا أريد .. هذه الإجتماعات الكبيرة والمناسبات الرسمية لا تستهويني وهو يصر أن يسوقني إليها !
- اجتماعات ماذا ؟
- قبيلتنا تجتمعُ سنوياً في قاعةٍ فسيحة ويحضرها الأمراء وشيوخ القبائل ورجال الدولة ، كل سنة يتكرر هذا الخلاف مع والدي لا جديد
- ههههههه عجيبين انتم !


لحظة ماذا قالت !؟


- كيف ؟!
- لا أدري يا فيصل ، أشعر بهذه الإجتماعات شيء سخيف ، " طهبلة " ليس أكثر !
- لماذا تقولين " أنتم "
- لأننا ولله الحمد أرفعُ من هذا الأمر .. بصراحة لا أكاد أصدق أن هذا
المجتمع المنفتح وهذه الحضارة والحياة المدنية لم تغيّر في العقول شيئاً ..
عندما أمر على قنوات الإبل والشعر في الفضائيات أشعر بالشفقة !
- حسناً .. ولماذا تشعرين بالشفقة
- فيصل ، بربك !
أُناس شبعوا موتاً و انتهى زمنهم والبعض مازال يترنم بأسمائهم ويفتخر بهم !
أليس سخيفاً أن تعيش على أنقاض الماضي وتفخر بما ليس لك فيه يد !
- ولكن هؤلاء نسيج متصل ، حيّهم وميّتهم .. انتِ تتعصبين لعبدالمجيد لراشد
وهم لا يمتون لكِ بقرابة ، أتلومين أحداً إن تعصب لأحد أجداده وصار يفخر
به
- نعم فيصل ، أتعصب لمطرب لنادي لكن لا أدعي فخراً بإنتمائي له ، مجرد قناعات وأذواق أنافح عنها وأصر عليها أنها أصوب من غيري ..
إنما لا أرى في الأمر فوقيةُ على أحد ! هؤلاء ، يظنون أنهم شعب الله
المختار وأنهم الأرفع .. بينما لا يرفعُ النسب شيئاً .. العلم الأخلاق
الثقافة المال .. غير هذا هراء
- سارة من هم هؤلاء ؟
- أنتم !
- نحن من
- أنتم القبائليون .. تتفاخرون بذواتكم كثيراً ولا أدري لماذا
- حسناً ألا تفتخرين بنسبك بأجداداك بـ ..
- فيصل من قال لك أصلاً أني أنتمي لقبيلة !
- ..............
- لا أعرف إلا اسم والدي وجدي ويكفيني ، أعتد بنفسي بعائلتي الصغيرة بأخلاقي ثقافتي .. لا أرى في الرجوع للماضي واجتراره إلا إفلاس .
- سارة ، إنتبهي ، انا أرفض هذه التجمعات نعم ، أنتقد ما يحدث فيها من بذخ نعم .. لكن لا تتطاولي ..
- فيصل أتطاول على ماذا ؟ بربك لا تصدمني وتقول أن الأمر قد ساءك .. إذا
كنتَ أنت المثقف الأديب تؤمن بهذا السخف إذن ماذا يقول الجهلة إذن
- ســـــارة !
- ماذا هل صدمك الخبر الذي قلت لك ؟ نعم لا أنتمي لقبيلة والحمدلله .. أتحللُ من كل هذه القيود التي تكبلون بها أنفسكم ..
أعيش حياتي كما أريد لا أحد يتحكم بمصيري ويفرض علي قناعا...
- نعم ، تتحكمين .. في هذه صدقتي ، سائق يلف بك الرياض .. كاميرا كل ليل ، أحاديث الحب .. نعم !

-فيصل ماذا تريد أن تقول ، هذه الأحاديث العائمة لا تعجبني

- أنتِ تعلمين ...

- أعلم ماذا ؟ والله ظلمتني، كل ما في الأمرِ أن فرحي بك يدفعني للجنون قسراً .. والله ظلمتني !

- أوهووه !

- ياللأسى حقاً ! حسناً أنا أعلم ، دعني أخبرك إذن :
هؤلاء الذين غضبت لأجلهم لن ينفعوك بشيء صدقني ..
وهؤلاء الذين يتحمس لهم والدك هم أول من سيتخلى عنه لو احتاج ..أنت تدرك هذا .
أنت مثقف لكن تتعامى صدقني ، تدرك ان هذا التعصب من الأغنياء للدين
والعادات والموروث يحميهم من الفقراء السذّج ليس إلا .. لا يقيمون وزناً
لأحد ولا للمؤسسة ذاتها ..
يرفلون في النعيم في الإعلام في القنوات بالمشالح والعرضات وأنت وغيركم
تصنعون مجدهم .. هل التفتوا لك ؟ انظر عندما احتجت ماذا فعلت ؟ سرقتَ امك

-اللعنة ـ تعيريني بأني سرقتُ أمي ؟؟؟

- لا فيصل ، ارجوك ليس هذا قصدي .. أقول أنهم فقط لا يسألـون عنـ..

- ياللوقاحة حقاً ..

- فيصل لاتفهمني خطأً أنت مشوش الذهـ

- أتعلمين لماذا سرقتها .. دعيني أخبرك لماذا سرقـ ..

أخذت تصرخ :
- فيصل أرجوك والله لم أقصد شيئاً .. لا أعيّرك افهـ ...

- الشرهة مو عليك يا ...




- يا أيش ؟


- .....................


- قُلها يا ولد الحسب والنسب !


- ...................



-ألو ، فيصل قلها ؟ يا ماذا ؟!

- ........


- لا تجب، طيب يا فيصل ..شكراً يجي منك أكثر

ارتعد صوتها ثم أغلقتْ الهاتف !
رميتُ به ِ في الأرض وأنا أصرخ :
بالطقااااااااااق

ألقيتُ رأسي على فراشي وأنا ألعن كل شي .. كل شيء !


يتبع ....

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:26 am

21

ها هي شمس اليوم الثالث من القطيعة تدنو للمغيب ، عدتُ لعزلتي مجبراً غير مختار ،
أضعُ يدي خلف رأسي وأتمدد في سريري رانياً للسقف أشبهَ بمحنط !
لم أهاتف سارة منذ خصامنا يوم الجمعة ، لم تتصل ، ولم أعد للشقة منذ اشتباكي مع فهد ... وتغيبتُ عن الكلية هذا اليوم !
أنظر للتقويم مكتوباً عليه " الاثنين " : أي اثنين !؟ ما أنا إلا واحد !
صوتي بلعهُ الصمت ، نظراتي باتت ذابلةً جراء نومي المتقطع ،
كل ماتقلبتُ في نومي ذكرت سارة ورفعتُ الهاتف أبحث عن مكالماتٍ لم يرد عليها فلا أجد !

شككتُ حتى في أمر هاتفي ، ربما فُصِلت عنه الخدمة .. ربما لا يستقبلُ المكالمات لخللٍ فيه ..
أتصلُ من هاتف بيتنا على رقمي وحين يعلو رنينهُ ألعن حظي !
غضِبَتْ مني وباتت مصدومةً فيني ، بالتأكيد تبخر حلمي الذي توقعتهُ قد صار في قبضتي .
لماذا أهنتها ؟ لماذا أخذني الحماسُ لعاداتٍ أرفضها !؟ لماذا استيقظتْ
عصبيّتي فجأة .. وأنا الذي كنتُ أدين كل أشكال التفاخر والتعصب !

الإهانة أسوأ ما نوجهه لشخص ، هي صفعةٌ على الخد ينفذها اللسان !
تستحيلُ الحروف وابلاً من الرصاص أشد أحياناً من رصاص الأسلحة ..
أتذكرُ براءتها معي ، شوقها لي، فرحتها بصوتي حين يجيء عبر الهاتف ، وأشفقُ عليها مما سببتهُ من ألم .. بالتأكيد تألمتْ !
مسكينة ، كانتْ تشجعني وتحتفي بي ، صوتها هتوفٌ بإطراء قصصي ، كانت تسألني
حتى عن بحثي وماذا أنجزت فيه ، أطيبَ من أن أُسمعها ما تكره !
لماذا فعلتها ؟!

حين كنت أُهاتفها كانت تحلّفني كطفل : هل انتهيتَ من مذاكرتك ؟ كانت كأم ، وكنتُ أحلف لها مستغرباً ...
فـ تقول أخشى أن أكون عائقاً لتحصيلك ، وإلا فالشوق الذي في داخلي أكبر مما لديك !
لماذا كنت حاد النبرة معها !؟ لماذا شككتُ في أخلاقها .. لماذا ؟!

ربما الآن هي تبكي ، بالتأكيد صدمتُها ، نعم ، من السخف تلطيف الأمر .. ليس الأمر إلا صدمة .
أن تقولَ لأحدهم لفظاً إستعلائياً هذا يعني أنك لا تأبهُ له، هذا يعني أن كل أحلامهِ التي رسمها معك ..باتت خيبة !
وأعودُ أندبُ حظي : لماذا أضعتُ الحلم من يدي يوم طويتهُ كحبلٍ مشدود فوق كفي !

ما في هذه الغرفة المظلمة إلا أنا وصوتُ مفاتيح هاتفي حين أمر عليها .. كانت كأنين !
أقلب رسائلها في صندوق الوارد، المسكينة في غضون أسبوع فقط أرسلت لي قرابة السبعين رسالة..
رسائلها تشبهها ، متنوعةٌ تماماً ، حيناً أشعارا وحيناً مجنونة وحيناً
سخريتها المحببة وأحياناً أديبة بشذراتٍ مما راقها في الأدب ، وعاطفية
أحياناً كثيرة .
كانت كما هيَ تماماً ، تأتي كقبيلةٍ من النساء ، ألفُ أنثى في جسدٍ واحد ، تملأ عينك تماماً بحيث يستحيل أن تبحث عن أخرى !
هل ظلمتها ؟ هل قسوتُ عليها ؟! لا أدري ، أنا فقط متعب ، وحزين ، وهذه الغرفة بل هذا الكون كله لم يعد به من الأكسجين ما يكفي !


أتهادى بين رسائلها ، كل رسالةٍ منها كانت تذيّلها بإسمها ، يالنرجسيتها الجميلة ، تعشق اسمها حقاً !
كانت تختمُ رسائل الشوق بـ " سارة/سارونة" ، وأي بيتٍ يأتي ممهوراً بهذا الإسم فهو جميلٌ وإن كان ركاكة !
ليس كل ماكانت تكتبه لي منقول ، كثيراً مما تكتبه لي كان من تدوين حرفها .. وأروح أقرأ :

- " زوج رحاب عاد من باريس ، ستعودُ لمنزلها ، مقاطعاتها لنا كل ليل ودخولها المتكرر غرفتي سيزول منذ اليوم ..
لا أدري أين أصلُ معك يافيصل، كنتُ أحب مجيء أختي كثيراً، كانت تؤنسُ وحدتي ، لماذا أفرحُ بمغادرتها الآن ماذا جرى ؟! سارة "

هه ، رجعتْ رحاب أو لم ترجع .. الأمر انقضى !

وأمضي بين الرسائل بحثاً، و أقرأ :

- " اذا طلعت من القاعة كلمني ، لا أريد أن أنام قبل سماع صوتك ، صحيح ان
صوتك ليس جميلاً لكن المشكى الى الله ما أنا إلا مجنونة هههههه ، سارونة "

وأتذكر حين كنت أضحكْ في القاعة وأنا أقرأها ، يا لسخريتها اللاذعة المحببة ، كنتُ كتبت لها من تحت الطاولة :

" يبدو أني مثل فريد الأطرش، أصواتنا ليست جميلة لكن شعبيتنا هائلة ! "

ردت على الفور برسالةٍ تكتبها من سريرها وتبعثها لي في قلب القاعة :

- " فريد يتميز في العزف لهذا ربما اشتهر ، لا لست مثله سيد نرجسي ، الرواج
الذي يلقاه صوتك عندي شبيه برواج شعبولا، حتى الآن مازال غير مفهوم !"
هل كانت قادرةً على إضحاكي بسهولة لأنها بارعة ، أم لأني أستلطفُ كل شيءٍ يجيء منها ؟! لا .. هي حقاً لاتُجارى في المرح !

ويمشي إبهامي عبر بريدها متنقلا ً :

- " لا تحسب اني دالهٍ عنك ناسيك ، دقات قلبي كلها تقول وينك، سارة "

أذكر جيداً متى وصلني هذا البيت ، كانت كتبته لي يوم أغلقتُ الهاتف بعد أن
بلغت فاتورته الحد الأئتماني ، يا ألله ، كنا في أوج انسجامنا حينها ..
..و صارحنا بعضنا بالحب ذاك الليل ! ، دقات قلبي كلها تقول وينك ، حسناً ، الآن ياترى هل تقول هذا البيت ، هه لا أظن !

وأبدأ الهواجس والتفكير ، عبثاً أحاول مقاومة السرحان فيها ، كان كل شيءٍ يرمي بي في أتونها لأفكر :
بالتأكيد هاتفتْ صديقتها هيفاء ، بالتأكيد قالت لها بأني صُدِمت في فيصل الذي حدثتك عنه طويلاً ياصديقة .
هه وصديقتُها ككل البنات الأخريات، لاتعرفُ التهدأة ، فقط تعرف أن تزيد النار حطباً .
تلوكني الألسن ربما ، أو ربما هيَ وحيدةٌ تبكي الآن ، لا ! بل ربما هي في نزهةٍ مع سائقها تلف الرياض على أنغام راشد !
أحقاً هذه ثلاثة أيام !؟ تراودني نفسي عن الإتصال بها فأستعصم : " يبدو أني صفحةٌ طويت " .

ترددتُ كثيراً على مكتبتي في ركن الغرفة ، حاولتُ التماهي مع كتبي ، حاولتُ
أن أصدق المتنبي بأن خير جليس في الزمان كتابُ وليس سارة !
كل ما في مكتبتي صار عصياً على القراءة ، مابالي عاجزٌ عن إتمام سطر !
أذائقتي باتت صعبةُ الإرضاء أم أني بتّ أميّاً فجأة ؟!
آه يا عزلتي القديمة ، وأيامي الخوالي أين أنتِ؟!
اشتقتُ لعزلتي ، للسلام الذي يسكن روحي ،
شتقتُ للكتب المنثورة في غرفتي أنهلُ منها تاركاً خلفي كل شيء !
اشتقتُ للكتابة ، للتركيز في المذاكرة ، اشتقت حتى للخروج بسيارتي في الرياض لبضع الوقت مع موسيقى بيتهوفن وأنغام ام كلثوم .
تركت الكتب وفتحتُ مجلداً يضم اقتباساتٍ لأجمل ما قرأت، لربما جملةٌ تشد
أزري أو حكمةٌ من يدري ،ربما دوّنتها لتكون ذخراً في هذه الضائقة ..
تصفحتُ مجلدي النفيس ووقعت عيني على هذه العبارة :
" أنت لا تستطيع منع طيور الحزن من الطيران على رأسك، لكن يمكنك أن تمنعهم من بناء الأعشاش في شعرك .. حكمة صينية "
يا للحكماء الساذجين حقاً ، يبدو أنهم يطلعون على الناس من فوق هم لا
يعيشون معهم ، يتخذون جانباً محايداً ويبدأون التنظير والثرثرة !
صاحبها لو عاش الحزن والضيق حقاً ما كان قالها ، لكنهُ رأى حزيناً بالجوار فآثر تدوين جملةٍ رنانة على حسابه بدلاً من مواساته !
الحزن ياغبي أشبه بدلو ماء يُهراق عليك ، مهما فعلتَ لا بد أن يرى عليك الناس آثار البلل .


قبل أن أركب هذا الموج اللاطم ، كنتُ أخرج من الكلية وليس هناك مايشغلني ، أنام قسطاً مريحاً ثم أستيقظ لأقرأ .
أخرج وحدي وأسهر وحدي وأتسكع وحدي ، كطائرٍ يستمتعُ بالتحليق وحده ، ترك السرب يمضي بعيداً وانشق عنه .
كنتُ نادراً ما أُشرك في أوقاتي أحد ! يا لذاك الوقت البعيد ، مهلاً ، أحقاً هو بعيدٌ جداً أم أني أراهُ كذلك ؟!
كانت حياتي أشبهَ بحالة سلام ، الآن ليس هنا إلا الحرب والدمار والأشلاء !
أذكر عزلتي القديمة فـ يهتفُ في سمعي صوتُ أسمهان : " يا ليالِي البِشرِ يا تيك الليالي، أين أنتِ الآن مني؟! " !
وأرى ما أحدثهُ دخول سارة في حياتي ، فتهتفُ أسمهان بأغنيتها الأخرى : "
تلك الليالي اللواتي سبّبن سقمي ، ياليلةُ بعدها عيناي لم تنمِ ! "

أفتحُ كتاباً فأرميه ، والآخر كذلك ، عبثاً أحاول القراءة ،لم يعد يستهويني الأمر الآن ، يشب في صدري حريقٌ يأكل تركيزي !
تباً للفيلسوف الألماني شابينهاور ، كنتُ أصدقه طويلا ً :
" لا تمر بالمرء محنة إلا وتخففها ساعاتُ القراءة " ، كنتُ أصدقه ، كنتُ أهرعُ لمكتبتي كل حزة ضيق وأجد الأمر كما قال تماماً .
حسناً سيد شايبنهاور : هل تعرفُ سارة ؟ هل جربت الإختلاف مع سارة ؟
أو هل رأيت عينا سارة ؟
لا .. إذن فلتصمت !



يومضُ هاتفي ويعلو رنينه ، أترك ركن المكتبة وأنطلقُ ناحية سريري ، قلبي يحدثني أنها سارة ، أدركتها الشفقة ربما !
أرفعُ الهاتف وأتراخى بارداً ، ثاوي العزم .. فهد !
ماذا يريد ؟ لم يتصل منذ تشاجرنا ؟ الآن ماذا يريد ؟!
يبدو أنه تنازل وآثر البدء بالمصافحة ، لا أريدُ التنازل منه ، سألتقيهِ متى شئت .. أريدُ سارة !
لم أجبْ ، تركتهُ يضيء حتى غرق في الظلام :
أنت يا فهد سبب كل شيء ، أليس جزاءً عادل !

وبتذكر فهد تشب فيني أسئلةٌ كان هوَ من زرعها :
هل سارة تحبني فعلا ً ؟ هل الحب مجرد كلمةٍ هكذا نلفظها ونعتنقها مصدقين ؟ أم نحن نتقمصُ الحب ؟!
هل جرأتها مبررة ؟ رباه كيف تفعل كل هذا ؟!
في المحل أول مرة كانت تحدثني بثقة ؟ هي من بدأ الحديث عن رواية أحلام ، و هي أول من بدأ الإتصال ، وهي أول من عرض اللقاء المدبر ،
بل هي من علمتني أن في هذا الحاسوب ألفُ طريقةٍ للمواعيد واللقاءات ، ثم راحتْ تحادثني صوتاً وصورة ، قبل أن أتهمها بشناعة !
حين سألتها ، أخبرتني أن صديقتها كانت في ماليزيا : "عرفتُ منها كيف نتحادث بهذه الطريقة " .
صوتُ بكائها يرن في أذني يوم قالت " ظلمتني يا للأسى ظلمتني " ، ترن كناقوس !
كانتْ تقول بأنها متفاجأةُ حتى من نفسها وأن فرحتها بي تدفعها لما لم تتوقع
أن تفعله يوماً : " ألم يقل صديقك ديستويفسكي سننبهرُ من أنفسنا ذات يوم
حين تنطلق " !

يا لطيبتها أم يا لجرأتها ؟!
يا لشوقها واحتراقها الساذج للحب أم يا لـ.. لا ! ، سارة أكبر ، أنقى ، ماهذه الأفكار المسممة ، شيءٌ في داخلي يقولُ بصدقها !
لماذا يافهد أيقظت فيني أسئلةً لا أملك إجابتها ؟ لا أملك أم أني أخشى إجاباتها ، أووووه اللعنة ماذا أقول أبتّ مجنوناً اكلم نفسي !

لماذا أبقى حبيس غرفتي ، هل أبحثُ عن الجنون!
حملتُ نفسي و خرجتْ ..

********

أغلقتُ باب الشقة داخلاً وأصواتُ الأصدقاء ترحب ، وحدهُ فهد كان ينظر
للتلفاز مستلقياً في صمتْ ، حاولتُ التصنع والإحتفاء بترحيبهم وأظني نجحت .
ينتظرون مباراة الهلال ، وأنا أنتظر اتصالاً !
الهلال اليوم على المحك في مباراة النهائي ، وأنا على المحك مع حلمي !
يتحدثون عن النقص الحاد في صفوف الهلال وأتحدثُ عن النقص الكبير الذي اعترى حياتي !
وفهد صامتْ ، هذا اللعين الذي غربل حياتي صامت ، الآن صمتّ يافهـد ؟!
يحادثهم ولا يلتفتُ في الحديث تجاهي ، أمازال غاضباً ؟ لماذا إذن راح يطلبني قبل ساعة !


يهتفون لهدف الهلال الأول ، ولا شيء في داخلي يشعر بالفرح ، هه كنت قديماً
أصرخ ، أدخل في نوبة هيستيريا مع كل هجمة ، الآن ما عاد يشغلني الأمر !
ويتلقى الهلال هدفاً من الخصم ، ولا شيء يشعر بالحزن في داخلي ، كل الحزن سارة !
عيون فهد تختلسُ النظرات إليّ، فإذا التقت نظراتنا أزاح بصرهُ بعيداً كما لو كان غير مهتم .
يالصديقي المسكين ، يا صديق العمر يا لك من مضحك ، في عينيك يبدو الإهتمام وتتصنع اللامبالاة هه !
هل هو نادم ، أم أن شحوبي أرعبه ؟
حسناً ، يبدو أنه قلقٌ عليّ ، الأمر واضح .. وأوضحُ من ذلك مرأى العتب في عينيّ يا صديقي ، لا بد أنك أدرَكْتهُ منذ قدِمتْ !


وأسأل نفسي ، هل سارة تشاهد الآن المباراة ؟!
كانت قد أخبرتني أنها باتت مهتمةً جداً للرياضة وأصبحتْ تعرف بشأنها الكثير : " فيصل أريد مواكبة اهتماماتك " هكذا كانت تقول !
كانت تبحث في النت عن أغنيات فريد أم كلثوم ، تشتري الكتب التي أحب وتقرأ المجلات الدورية التي أقرأ : " أريد أن أعيش تفاصيلك " ..
حسناً هل تشاهد هذه المباراة الهامة الآن ؟ ألم يخطر في بالها وهي تشاهد
القمصان الزرقاء أن مشجعاً متعصباً للهلال اسمه فيصل يشاهدهم في ذات اللحظة
!
أم ياتُراها نسيَت ؟
لا لم تنس، بالتأكيد ذكرتني الآن وبكتْ ، يا للصفعة التي وجهتُ لها .. يا للمسكينة !


صفّر الحكم ، انتهت المباراة العصيبة التي حضرتها ولم أحضرها!
سلمان يتقافز مع صالح ويلتفتان نحوي فأتجمّل وأشاركهم فرحةً غابت عني للمرة الأولى ..
محمد يهتفُ في كل العمارة بإسم الهلال كالمجنون ، وأصواتُ الشقق من فوقنا وتحتنا يدوّي فيها هتاف الفوز وحمى الفرح تجتاح المكان ،
فهد يتلقى التهاني سعيداً وعينهُ ترقُبُني ! احتضن صالح ومحمد وسلمان وخطى تجاهي خطوتين وأحجم حين رآني قاعداً ، شعرتُ بتردده ..
لماذا أخسر الصداقة بعد أن خسرتُ الحب !
لماذا أهنتُ سارة وأكرر ذات الأمر مع صديق العمر ، كنتُ أرى تردده تجاهي ومقولة فولتير ترن في أذني :
" لولا الصداقة الحقة مات الناس ، بها يضاعف المرء نفسه ويحيا في نفوس الآخرين " ، لماذا أعاقب صديقي أكثر من ذلك !
قمتُ حين كان قد اقتنع بتجاهلي له ، لم يصدق ..عاد و احتضنني وكأنه للتو
سعِد حقاً .. صار يصرخُ في أذني بجنون " جبنا الكاس .. جبناااااااه " وكنت
أبتسم له في صمت ،
وبين الصرخات الضاجة في المكان راح يهمس في أذني " حقك علي يابوسويرة "
فانتفضت على وقع الإسم .. " راحتْ سارة " هكذا أجبتهُ في سري !


هدأ الصخب وتحلل المكان مما أثقل كاهله من ضيوف ، كلهم ذهبوا وبقيتُ وحيداً
مع فهد ، أشبه بطفلين تشاجرا ثم عادا للصلح ، كنت أقص له كل شيء وأنا
أدعي اللامبالاة !
ألم أسرق أمي ؟ ألم أرفع صوتي لأول مرة وأختلف مع والدي ؟ ألم أنحط لأشتم سارة وأهينها ؟
ألم أتخاصم مع شقيقي مساء الأمس حين طلب مني إحضار ابناءه من قريبتهم ، " لستُ سائقاً لديك " ، لم أكن بهذه الصفاقة من قبل .
كل شيء فيني يتغيّر للأسوأ ، إذن لن تكون وحيداً يافهد ، هيا أشركني السُقيا !
سترى اليوم ، لن تكون مجرد رشفات ولن يكون أول انحطاط أرتمي فيه ..

أخفيتُ عنه خبر انتهاء علاقتي بسارة ، لم أستطع أن أقول له : أهانت أهلي
فأهنتُها ، شعرتُ أن في الأمر عاراً .. وخفتُ أن يزيدني وهو القادر !
أستمع له والكأس اللعين يزيد ليس ينقص ، ما أسوأ ما أحمله الآن ؟ أليس عقلي ؟ إذن فليغب قسراً ألا تباً للتفكير والأسئلة ..
أين الليالي القديمة ، أين العزلة الماضية ، كل شيءٍ بات بعيداً كبعد
الإيمان عن جلستنا هذه ، نسكبُ وينتفي عنا مؤقتاً كرداءٍ ينسلّ مرتفعاً
لفوق !
وأسألُ قلبي أين الراحة التي كنت أنعم بها ؟ ولا أجد جواباً بين صبٍ وشرب .

كنتُ أبحث عن أي علاقةٍ لأكون سعيداً كغيري ، الآن أحسدُ صالح وهو يندبُ
حظه ضاحكاً " يبدو أن الحلال مكتوبٌ لي، كلما نظرت لأنثى صدت عني " ..
أوّاه يا ليتني كنت مكانه !
لا أدري من قال : أن تعيش حالة حب هذا يعني أنك تعيش الحياة ، خطأ ، لا بالتأكيد أخطأ /
في الحب لا نملك الخيار لأن نعود لطريقنا الذي كنا نسلكه قديماً ، هذه ليست حرية والحرية إن غابت ليس ثمة حياة !
الأمر يختلف عندما نعيش بدون حب ، حينها نملك حق الخيار أن نستمر هكذا أو البحث عنه ثم المضي معهُ بعيداً .. تباً لفلسفتي ..
ياللفلسفة التي أقوم بها والكأس يُدفع في جوفي جعبة واحدة !

هاتفي يومض في هذا المكان الآثم ، يلوح رقم بيتنا ، بالتأكيد هي أمي تسألني الرجوع قبل أن يعلم أبي بتأخري :
لا يا أمي أرجوكِ كفي عن الاتصال !
مجرد الرد عليكِ هنا إهانة ، هذا المكان لا يليق بصوتك ، أنتِ أنبل من هذه
الرائحة التي لن تصلك حتى ، عودي لسجادتكِ واتركيني لا تتصلي أرجوك !
ويعاود الرنين فأشعر بانكسار قلبي ، يا أماه يكفي !
وأتذكر وجهها فأتلمض ملوحة الدمع بين شفاهي ، ماذا تريدين ؟ ابتعدي يا أمي
عن مكان خزيي ، صوتي الثقيل سيقتلك يا أماه عودي للنوم واتركيني ..
طفأ الوميض ولم تعاود الرنين ، وشعرتُ أني أهوي بعيداً ، وأخذتُ أتخيل رعبها عليّ وعجزي عن الإجابة كأبكم ..
وذكرتُ سارة فسكبتُ أكثر !

نغلق الباب خلفنا ونمضي في الممر نتلمس الدرب كأننا أطفالٌ للتو يتعلمون المشي !
أطفال القرية وحثالة المدينة ، هزيع الليل الأخير يُغرق العاصمة في الهدوء ، ألوان النوافذ استحالت زرقاء بعد الفوز ..
و الشعارات والأعلام تكسو أرض الشارع والعمارة ، ونحنُ نضحك من لا شيء ، ربما أنفسنا !
انطلقتُ بسيارتي ناعساً متعباً كطائرٍ بللّهُ المطر، أين أمضي وكل المدى قد سُد في عيني ؟!
كالمجنون أهاتف عبدالمجيد وراشد "أين من أحضرَتْكم هنا ثم غابت ! "
أتمهلُ في السير وأكاد لا أبصر ، كل شيءٍ في هذه الرياض مبكي ، حتى الساهرون الفرحون بأعلامهم أكاد لا أراهم ،
أليس من المفترض أن تكون ليلة فرح .. لماذا يحدث كل هذا لي ؟!

رأيتُ الدروب الموحشة ، والإسفلت القاتم كأشد مما كان قبل ، ورأيت ماذا ؟ رأيتُ أكثر :
صندوقٌ يلوح أمامي ، يتراقص فيه لونٌ أحمر وأزرق ، يا لحظي .. يا للخيبة التي تأتي دفعة ً واحدة !
آخر ما ينقصني نقطة تفتيش ، بدأت أضحك انتظاراً لدوري ، وضعتُ رأسي على
الكرسي وضحكتُ بصوتٍ عال، ضحكةٌ تشبه الدمع يا يا أقداري الموحشة ..
توقفتُ أمامهم ، طلبوني وأعطيتْ ، أتوارى عن عيونهم وعبثاً أفعل ..
هذه بطاقتي رُدت إليّ .. وهذه استمارة السيارة قد تأكدوا منها ، نظروا لي طويلا ً وتهامسوا ثم نزلتُ بأمرهم :

- ارفع سبابتك عشر ثواني ..

يا لهواني ، مابالها لم تثبت ولا حتى ثانيتن ، وركبتُ معهم وملوحة الدمع تزداد .. في أي دهماء ألقيتُ نفسي ؟
ها أنا أنحط والفضائح تشرع بابها نحوي أن تعال !
وهتفتُ في داخلي باسم سارة .. ضج صوتي في أعماقي ولم يجبني أحـد !


يتبع .......













22




بوجهٍ شاحب وعينين مجهدتين أفتحهما بصعوبة .. أفقتْ !

لم أكن في سريري ، وهذه الرائحة العارِقة ليست رائحة غرفتي ، وهؤلاء
الواجمين لا أعرفهم .. كلهم يتكأ على الجدار يحاول النوم بصعوبة !
جدارٌ حقير ومقعد حديد وأرضٌ قذرة وقضبانٌ صفراء لا تسر الناظرين !
ها أنا في التوقيف مكللاً بالخذلان ، يا لعاقبة أمري ، ياللفاضحة ، ويا لسوء مآلي ،
أُفيقُ قديماً بين نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم و دوستويفسكي وأدباء العالم ،
أتوسدُ كتبهم وأنام وقد وقع ماأقرأه على صدري كحمامةٍ فرشت جناحيها ..
..لأفيق الآن بين وجوهٍ لستُ أعرفها كلما فيها ينضحُ بالشر !

الساعةُ الآن تقتربُ من السادسة ، أوّاه هل نامتْ أمي ؟!
تسع مكالماتٍ كلها من بيتنا ليس بينها سارة ، لم يصلني صوتُ الرنين وأنا الغافي في بحر التعب !
هاتفتُ بيتنا وأدعو الله ألاّ يجيب أبي ، لم يكمل رنينه الثاني إلا وصوتُ أمي باكية ً وعبثاً أحاول التهدئة :

أخبرتها بأني في الإسعاف لأن صديقي مريض جداً ، أقسمتُ لها بأني بخير
وأقسمتُ كذباً أن صديقي بات بخير ، جوالي نسيته في السيارة هكذا كذبت !
راحت تبتهل لله حمداً ورحتُ أطلب الرحمة منه .. سرقتها، لن يضيرها الآن كذبة !
رجلٌ بجواري على ثوبه آثار دم ، يبدو أن معركتهُ كانت شرسة !
والآخر مراهقٌ لا أدري ماقصته ، ربما استخفه الفوز فراح يرقصُ بالسيارة في مسرح الإسفلت ،
وأحد العمالة محتقنٌ وعينيه تشي بالبكاء الطويل .. ما قصته ؟
كلهم يتفرسني ويسأل نفس السؤال ..
.. رائحة المكان منتنة ، وهل كنتُ أنتظر بعد انحطاطي رائحة الورد !


في هذا المكان المهين ربما كفّرتُ عن ذنبي ياساره .. أجيبي بربك .
هاتفتُها لأول مرة ، ها هو صباح اليوم الرابع يرتفع ومن قلب المكان المحبط رحتُ أطلبها ولم تجب ،
بالتأكيد لم تنم ، هي الآن مع هيفاء مستغرقةٌ في أحاديث لا تتعلق بي ، أو
ربما مستمتعة بوقتها في أفلام بوليود التي تحب غير عابئة ، صار فيصل شيئاً
بطعم الماضي ليس أكثر !
أو ربما نائمةٌ ملء جفونها عن شواردها على السرير الذي ليس حديداً كالذي أتخذه !
طلبتُ الهاتف من الرجل المجاور لي فأعطانيه ، هاتفتُها برقمه الغريب فأجابت ، إذن يبدو أن رقمي مغضوبٌ عليه يا حلوتي ،
قالت بصوتها الناعم " ألو " وشعرتُ بشيء من أوكسجين وحشرجة بكاء ، كأني ضائعٌ في كوكبٍ مهجور سمِع النطق لأول مرة !
حين سمعَتْ صوتي أغلقتْ الهاتف في وجهي على الفور ، لا ، نسيتني حتماً ..

أليس هذا اسمي أم تراني نسيته ؟!
صوتُ أحدهم يناديني ، خرجتُ على وقع اسمي وأنا أدرك أن فضيحتي اقتربتْ ..
سيسألوني من أين أتيتْ ومكاني الذي كنت فيه ، وربما مع من مكثتْ وأين حصلتُ على ما جاء بي هنا !؟
سيأخذون عينةً من دمي ، بالتأكيد سيفعلون ذلك ، وسأتغابى وسأظن الأمر مجرد تبرع وتحديد فصيلة ،
سأقول فصيلتي " س +" ، وسيضحكون من هذه الفصيلة الجديدة !
وسيدوّنون لي ملفاً خاصاً بإسمي ، وسأوقع !
وسأحملُ ورقةً تخبرني أني بتّ مداناً بأكثر من 700 ريال ، وسأخبرهم أني مستعدٌ لدفع أكثر، لكن لا تحجزوا مركبتي ..
ياويلي إن افتقدها والدي.. حينها ماذا أقول له ؟!
ثم سأحملُ تعهداً يذكرني دائماً أنني بتّ أحد روّاد هذا المكان المأفون .. يا لخيبتي !


دخلتُ متردداً كمجرم ..

- أنت فيصل ؟
- نعم !

لم يكن في الغرفة إلا أنا وهو ..

كان ينظر لي بنظرة أسى .. عتب .. لا أدري :


- هل يرضيك الوضع الذي أنت فيه الآن ؟!

سؤاله غريب ولهجته أغرب..

- بالتأكيد لا ، أرجوك أنا ابنٌ لمريضة كبيرة ووالدي لا يحتمل هذه الأنباء

- لماذا ترمي بنفسك في هذا الدرب ؟! هل تبحث عن فضيحة
لا تتذكر أمك وأبوك حين تدخل هنا ، تذكرهم قبل أن تفعل ما يستوجبُ أدخالك !

أردتُ أن أبكي أن أرتمي على يديه أردتُ أن أصرخ فيهِ بأني لست سيئاً لكن ظروفي أسوأ !

- هل تعمل أو طالب أو ماذا ؟
- آخر فصل لغة عربية .. أول مرةٍ أأتي هنا أرجوك .. ساعدني

أخذ يحدثني طويلا ً .. لهجتهُ تطابق لهجتي وأكاد أقسم حتى الملامح متقاربة ..
كنتُ متعباً لا أستطيع الوقوف ، ولم أستطع طلب الجلوس .. وقفتُ كشجرةٍ أصلها في الأرض ورأسها في الأرض وجذعها في الهواء !
أفقتُ من خيبة أفكاري ، كان يمد لي أوراقي و يقول هيّا تفضل " انتبه لنفسك " ،
ماذا ؟ هل أدركتني رحمة ربي بدعاء أمي جوف الليل ..
لم أسأله لم أتحدث له ..حتى الشكر لم أشكره خشية أن يغيّر رأيه ..
خرجتُ على الفور حين عرفت كل شيء ، كنتُ أقرأ اسمه فوق بزته العسكرية ، كان ينتمي معي لنفس الفخذ والقبيلة !
وأخذتُ أفكر وأنا أطوي ممرات المخفر : ما موقفُ سارة لو عرفت هذا الأمر ، ألم تغضب منا وراحت تكيل لنا التهم !
والقابعون مثلي في ذاك القفص ، هل تطبق عليهم الإجراءات أم يُعفى عنهم ؟ لا ، في الرياض تعملُ الأسماء أكثر ..
طردتهم من هواجسي وهرولتُ للبوابة نافذاً بجلدي ، تباً لأمرهم لا يهم ..
..حظي اليوم كان جيداً هذا كل ما يهم !




كنتُ أتصلُ بسارة أكثر من عشرين مرة ولا ترد، وصلتُ بيتنا وقبلتُ أمي وبدأت حياكة أكاذيبي ، هه كانت تدعي لصديقي بالشفاء !
من حسن حظي أن والدي قد غادر لعمله ، لو رآني لكان الأمر قصةً أخرى .
تغيبتُ عن كليتي لهذا اليوم أيضاً ، وأنا الذي كان غيابي قليلاً كـ قلة الفرح في أيامي الثلاثة هذه !
تباً لقسوتكِ ياسارة لم لا تجيبين !؟
رميتُ رأسي على وسادتي متعباً ، قبل أغماض عيني صاح على الفور هاتفي معلناً استقباله لرسالة جديدة ، تصفحتها سريعا :

- " ظلمتني يا فيصل، أنا بريئة من كل ماوصمتني ، كنتُ أندفعُ معك رغم يقيني أني على خطأ ، لكن لجهلي كنت سعيدةً بك ووثقت فيك.
أرجوك لا تتصل . خلاص . أتمنى لك التوفيق في حياتك يارب . سارة "

هاتفتها حال انتهاء القراءة ، " الهاتف المطلوب مغلق "..
لم تعد تستقبل حتى رنيني !

* * *



استيقظتُ حزيناً ، تماماً كما نمتُ حزيناً ، وإن رأيتَ الحزن الشديد في عينِ أحدهم ففتش عن المرأة ..
عاد بيتنا كئيباً غادرته البهجة ، عاد المطبخ لفرشةٍ خضراء مملة و الفناء لصامتٍ كئيب و الجدران لقشور دهانٍ متسخة !
كان كل شيءٍ جميلاً يوم كانتْ سارة تملأ أرجائي .. آه ياسارة أحقاً انتهينا ؟!

أليس غريباً أن يتوقف الجَمال من حولك أو القُبح ، على علاقتك مع أحدهم ؟
ترى الكون رائعاً مبهجاً تارة ، ولا يتغير فيه شيء لكنك تراهُ موحشاً تارةً أخرى .!
أليس غريباً أن لا تتحكم في قلبك وعقلك الذي تمتلكه في جسدك ، ويتحكم به البعيد عنك ، جسدٌ آخر !
أليس غريباً أن يسيّر أحدٌ حياتك كيفما يريد ، يجعلها موحشة .. جميلة .. بائسة .. هكذا دون أن يكون لك في الأمر قدرة !
الثوّار الذين زلزلوا الأرض على الحكام والأنظمة التي تصادر الحريات ، هل ثاروا يوماً على امرأةٍ تتحكم في قلوبهم وتصادر حريتها ؟!
لا .. لم أسمع رجلاً ثار على امرأة طلباً لحريّته ، ربما لأن الأمر أصعب من مواجهة الساسة بكثير..


أخبرتُ فهد بما حدث ليلة البارحة .. لا أدري كنتُ أفضفض أم أتوب أم أحذره ..
وعرجنا على أحاديث الحب فجاءت ترفلُ سارة بعينيها الجميلتين وشعرتُ بقلبي ينقبض !

- هل تتذكر يافهد حديثنا على الجسر المعلق قبل شهرين ؟ يومَ قلت لي أن نيتشه أخطأ ، ليست الحياة غلطة بدون موسيقى ، غلطة بدون أنثى !

- نعم أتذكر ، وبالمناسبة فيصل أجدد اعتذاري، وأريد أن أخبرك بأمر وأخشى أن تغضب

- لا يا صديقي ، ليس في الأمر غضبٌ بعد اليوم .. قل ماتريد !

- يخص اندفاعك تجاهي يوم الجمعة، فقط أعطني الأمان

- أووووه يا فهد لا تكن صبياً هكذا .. تحدث بما تريد

وراح يلقي عليّ بالصاعقة :

- عندما كنتَ تريني رسائل سارة ،كنتُ في نهاية كل رسالة أحفظُ رقمها جيداً .. خزنته في ذاكرتي !
هههههه ومنذ خصامنا و أنا أُزعجها باتصالاتي، بالله لا تغضب أنت تعرف أني
أفديك بروحي يا صديقي ولا يدر في خلدك أني أطمع بعلاقةٍ معها من خلفك،
فقط شعرتُ أن الأمر أشبه برهان وأردت إثبات زعمي ،
كما ترى ، ليس الأمر طعنة ، أردتُ أن أحميك من اندفاعك الغبي نحوها ، وأردتُ أن أثبت لك أنهنّ متسليات لا أكثر .
حسناً ، هل تصدق ؟ 4 أيام لم أظفر منها إلا بالشتم ؟ لم تكن حتى بوارد الرضوخ ، كانت تغلق الهاتف في وجهي كلما اتصلت ،
حين ألحّيتُ عليها برسالة أن نبدأ علاقةً هاتفيّةً لا أكثر.. أخبرتني أنها
لا تستطيع ، أرسلت لي بعد إلحاح هذا المسج ، أليس هذا رقمها ؟ هاك اقرأ


" أنا أحب أحدهم ، هل هذا كافٍ لتبتعد عن إزعاجي ؟ أرفضك تماماً فأرجوك لا تكرر الاتصال "


هتفت مصعوقا :

- أنت ؟ انت فعلتها يا فهد ؟!

- لاتغضب، الأمر وما فيه أني كنتُ أريد حمايتك .. الآن أقولها لك ، هيَ
صعبة المراس يا صديقي .. الآن بإمكانك أن تقول فيها ماتشاء لن أعاتبك ..

- بعد ماذا يافهد .. بعد ماذا ؟! كل شيء انتهى كل شيء

- ماذا ؟ كيف انتهى

هل أغضب من فعلته الشنيعة ؟ أم أفرح ؟ أم فات وقت الفرح ؟
هل أخبره بإهانتي لها .. وغضبها مني وانسداد الطريق ؟!
هل أسعد بكلامه أم أضربه حتى أهدأ ! آه لستُ أدري
وتباً لهاتفها الأحمق ، منذ الصباح مازال مغلقاً ..

" سارة أرجوك هاتفيني فور فتح الجهاز .. الأمر ضروري ، أرجوك "

ومازال مغلقاً ..
أرجأت حساب فهد لما بعد .. خرجتُ من عنده وقد قررتُ التهور !



لا شيء يبعث في الإنسان الشجاعة أكثر من خوفٍ آخر.. لا أدري من قالها أظنه نابليون ، لكنه صدق ..
مخافة أن تفلت سارة من يدي هذا ما يجعلني الشجاع الأول الآن !


كنتُ أنطلقُ ناحية بيتهم قبل أن تحل الخامسة ، ستخرجُ للمشي كعادتها ، وسترى جنوناً لم تره .. لا بأس لا تجيبيني !
أسير بسرعةٍ قصوى منطلقاً تجاه أحياء الرياض المترفة ، نعم يادوستويفسكي
سننبهر من أنفسنا حين تنطلق .. أول من ينبهر أنت لو رأيتني الآن !
ألعن نفسي تارة وتارة ألعن فهد وأخرى ألعن سارة وهاتفها الذي مايزال مغلقاً ..


أقفُ أمام بيتهم الراقص في الظلال ، تحفه الأشجار المهذبة بعناية ، والطيور
تتراقصُ فوق أغصانه الكثيفة ، تشعر بحريتها وأنا المقيّد !
وقفت نصف ساعة وأنا أقول إن لم تخرج اليوم ستخرج غداً !
هاهو السائقُ يخرجُ بالسيارة ، هذا هو الهودج الذي أعرفه جيداً ، رحتُ أنطلقُ خلفه ..
جنوني جعلني أتبع شقيقها ، أفلا يجعلني أنطلقُ خلفها هي !! حسناً وإن كان في الأمر هلاكي ..
وأقتربُ من السيارة لأتأكد ، هاهي سارة ، يبدو أن حظي جيد هذا المساء .. حسناً بدأت لعبة الموت الآن !


يتوقف السائق عند المكتبة فجأة ، وها هي تنزلُ بمشيتها التي بت أعرفها جيداً .. وبدأت أقلب الفكرة في رأسي :
أن ترى جنوني في هذا المكان خيرٌ من أن يشاهده أهل الرياض في الممشى جميعاً ، نعم هذا مكاني ، يبدو أن حظي في أوج سعده .. حسناً !
نزلتُ سريعاً خلفها ، فتحَتِ الباب ودخلتْ .. شرعتُ الباب خلفها ودخَلْت !
تركتها تبحث عما تريد ، أبقيتُ عيني عليها وفي نيتي أنها لن تخرج حتى ترى شيئاً لم تره من قبل طيلة حياتها ..
تركتها حتى انزوت ناحية الرف البعيد ، هناك في النقطة العمياء ، باتت بعيدةً عن ضجة المكان وهتف في داخلي رجلٌ مجنون أظنه ابليس:
ها قد حانت اللحظة ، انطلق يافيصل !


أمسكتُ يدها ولم أمهل شهقتها أن تتم :

- ليش ماتردين !

- . يامجنون

- نعم مجنون ، أمس كنت في التوقيف .. تسمعين ؟ لن أمانع في العودة إليه ـ لماذا لا تجيبيني لماذا

- فيصل الناس. لا تفضحني

كانت ثورتي تتصاعد وبدأ النظر يتقلص، لم أرَ إلا سارة وهذا الرف الذي تعلوه
الكتب ، انفصلتُ عن الجميع ، لم أعبأ حتى بالمرأة التي اقتربت تواً ..
انزويت بها جانباً وكأني زوجها أو شقيقها وأهمس في أذنها همساً أريد أن يتحول لصراخ :

- ثلاثة أيام لأجل كلمةٍ لم أقلها ؟ ثلاثة أيام ، أتعلمين ماذا حدث لي
هل تعلمين أني أكلم نفسي ؟ صرت مجنوناً ، هل تعلمين أني لم أفرح حتى بفوز الهلال ، حرام عليك

- فيصل خلاص نتكلم بعدين تكفى

كان صوتها أشبه ببكاء ..

ومازلتُ أندفع كالطائرة التي تشق السحاب :

- اختباري بعد اربعة ايام ، حتى المذاكرة لا أستطيع ، أقسم لك لا أستطيع ، سامحيني أرجوك ،
ليس لي قبيلةٌ في هذه الدنيا ..أنتِ قبيلتي أنتِ .. سامحيني قوليها وأذهب .. لا أريد شيئاً أكثر

توجهتْ للبوابة مرعوبةً وهي تقول:

- أقسم بالله راح أكلمك الليلة فيصل بس .. أمانة يكفي


خرجتُ وخرجتْ ، ركبتْ مع سائقها ويبدو أنها أشارت عليه بالعودة ، سلك
الحارة المجاورة ولم ينطلق في الطريق العام ، المسكينة أرعبتُها !
كنتُ أنظر للسيارات أمام الإشارة ، وللرائحين والغادين ، للمحلات التي يقف باعتها أمام بواباتها كأنهم ينظرون للشمس المائلة للغروب ،
لم يأبه لي أحد وليتهم فعلوا ، شعرتُ أني ممتليءٌ بالجرأة ، أريد أن يلومني أحدهم لأنطلق فيه منفّساً عن حنَقَي !


ركبتُ سيارتي وأغلقتُ بابها كعائدٍ من معركة ، أرخيتُ رأسي للوراء وبدأتُ استيعاب ما جرى ..
صدري يعلو ويهبط كموج .. أنفاسي لاهثة ، حمرة الدم تكسو بياض وجهي كسحابةٍ تغطي أديمَ سماء ،

لا لستُ أنا من اقتحم المكتبة وأحكم قبضته على يدها
لست أنا من حاصرها في هذه المدينة الآمنة حتى انتزع منها هذا القَسَم والوعد الليليّ !
لستُ انا من لم يعبأ بعدد المتواجدين داخلها أكانوا بالعشرات أم كانت خالية ..
لست أنا

أنا أبسطُ من هذا كله ، أنا أحقر وأقل من فعل ربع ذلك ، بل و الربع كثير !
أنا لست جريئاً ولم أكن كذلك أبداً ـ
ليس أنا من كان ينفض يدها ويهتفُ بها في زاوية الكتب ..
هذا إنسانٌ آخر يسكنني لا أعرفه ، لم ألتقيه طوال السنين .. انبعث فجأة !

رفعتُ يدي ووضعتها عند أنفي، شممتُ عطر سارة ، كان يصبغ راحتي ، وبدأت أصدق !


نعم فعلتُها .. نعم .. الأمر بات حقيقة ..
هكذا إذن .. إما أن تكون الحياة مغامرة ً جريئة أو لا تكون !
لا ياسيد فرانسيس بيكون ، تباً لك ولفلسفتك التي أضاعتني ، ليست " الجرأة وليدة الجهل " ياجاهل ، خذها مني أنا :
الجرأة وليدة الحب .. لكنك لم تعش في الرياض لتعرف !

رنين هاتفي يعلو و " سارة يتصل بك " :

- ألو

جاءت ثائرةً بصوتها المبحوح :

- يا مجنون يا مهبول يا متخلف أنت مجـ..

- أحبك!



يتبع ...

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:26 am


23


لحظة التصافي بين حبيبين ، تكفّر عن كل أوقات الشقاء التي عاشاها بعيداً عن بعضهم .

كل ألم ، كل معاناة ، كل دمعة تذرف في البعد ، تستحق أن تكون ثمناً للحظة عتاب بعد قطيعة !
ما هي أجمل لحظات الحب ؟!
هي عتاب حبيبين في سكون الليل ، هذه أجمل اللحظات التي من الممكن أن يعيشانها .
الخصام ، الغضب ، الابتعاد ، كلها للحب مثل الملح للطعام ، تجعلهُ ألذ وأشهى !
ويبقى الحب ما بقيَ العتابُ ..
.. أن يتعاتبا ، يعني أن أمر هذه العلاقة يعنيهم و جداً ، كلاهما يريد دفعها للأمام لتستمر !
شيئان إن لم يزيدا أخذا في التقلص ، الحب و القمر .. لا يعرفان الثبات ،
حين سألوا اليناور روزفلت عن غياب زوجها المتكرر في أسفاره السياسية ، قالت "لا بأس الغياب يعلم الغرام الإزدياد !"
وهذا ما حدث فعلا ً لي مع ساره ..
كل مافي قلبي تجاهها تنامى لأضعاف ماكان عليه ، وصلتُ فجأةً للتصالح مع نفسي تجاهها :
أحبها ، لا أرتاب فيها ، هي أطهر من أي شك .. هكذا ، حقائقُ ثلاث لن أحيد عنها أبداً ..

راحت تعاتبني على جراءتي معها في المكتبة ، وكنت أستقبل العتاب كإطراء ، كأن في تأنيبها لي مسحة إعجاب ..لا أعرف!
نعم أخفتها في المكتبة ، نعم كانت خارجةً للمشي وفجأة وجدت وحشاً يأمرها أن
تعود إليه ، لكن بدا أن هذا راقها .. أشعرها أنها نفيسةٌ جداً أو هكذا
أتوهم !
لا أدري ،
نعم تجرأت كثيراً ..كنت أشبه بوحش ينفض يدها في المكتبة ، لكن شيءٌ ما بداخلي وفي صوتها يشي أنني أبهرتها .. نعم هو الإبهار !

كانت تعاتبني وتضحك ، كأنها غير مصدقة :

- والله يافيصل ، لو قصت عليّ إحداهن هذه القصة لكذبتها ، جنون !
شيء لا أراه إلا في الأفلام و قصص الحب يحدثُ لي أنا ..وأين. في الرياض!! أجننت ؟

ومزهواً أجيب :

- عندما أقفلتِ هاتفك بعد أن قلتِ " خلاص انتهينا " ، شعرتُ أني خسرتُ كل
ما أملك، قلت لنفسي :ماذا أخسر إن جربتُ طريقتي الأخيرة ؟ لا شيء !
حين توجهت لمنزلكم وجلستُ أنتظر خروجك ، كنت مهيئاً نفسي لأمرين : إما أن أعود بالصلح أو أعود بالفضيحة !

- يوووه يافيصل ، والله إلى الآن يدي تؤلمني من قبضتك ، لم أشعر بالألم إلا بعد أن وصلت البيت !

- يقول الأطباء ، أن العقل حين يكون مصعوقاً أو مشوشاً مع حدث مهم ، لا
يشعر بالألم مؤقتاً، لا يرسل المخ إشارة الألم على الفور، لإنشغاله بما هو
أهم !
ألا تشاهدينهم في المباريات ، يسجل المهاجم الهدف ..ينطلق فرحاً ..ثم يتوقف
فجأة ويعاني من ألم الإصابة جراء احتكاكه بالخصم قبل التسجيل !

- نعم قرأت شيئاً من ذلك ، إنما هذا المثال خطأ ، أنت تتحدث عن مهاجم وأنا كنتُ مجرد لاعبة دفاع، المهاجم شخصٌ مجنون اسمه فيصل !

ضحكت وقلت لها :
- يا للمهاجم الموهوب ! بغض النظر عن حالة التسلل التي وقع فيها وشرعية
الهدف ، أليس هدفاً رائعاً هههههههههه ، وبالمناسبة ، يقول الإسبانيون في
أمثالهم " يد الأم لا تؤلم " ههه

ضحكنا كالسُكارى، إلتهمنا الدقائق والساعات كغائبين عن بعضنا أربع سنين ليس أياماً أربعة !
أخبرتُها حقيقة الأمر كله ، اعتذرتُ لها واعتذرت لي ، حدثتُها عن عراكي مع
فهد لأجلها وعاتبتني .. " لا أريد أن تخسر أصدقائك بسببي " ..
وتحدثت لي عن إلحاح رجلٍ يريد مكالمتها وكانت تصده وتنتظر اتصالي ، وابتسمتُ ، فعلا ً كان اللعين فهد يختبرها !
يالك من وغد يا فهد .. حتى في أسوأ الأمور التي تقوم بها لا يمكن أن تخلو من فائدة ..
ما أسعدني بصدق سمرائي وإخلاصها .. أثبتّ لي ذلك رغم سوء طريقتك يادنجوان!

أخذني من أفكاري سؤالها :


- ما حكاية التوقيف التي قلت لي ؟! لماذا أوقفوك ؟!

ورحتُ كمحترفٍ في الكذب أحيكُ لها قصةً من رأسي

- كنتُ سارحاً بكِ ولم أنتبه للإشارة ، قطعتها فأوقفوني !

لو أخبرتها بالحقيقة لربما نفَرت مني ، كذبةٌ بيضاء ليست كالأكاذيب التي يطلبها مني فهد ..

- فيصل كنت تقول لي " أنتِ قبيلتي " ، هذه الكلمة ترن في رأسي حتى اللحظة !

وذكرتُ موقف الرجل المنتمي لقبيلتي في التوقيف وأطبقتُ فمي ولم أتحدث ، أي نظرةٍ ستنظرين بها للأمر يا فاتنتي ..
هنا تقوم الأسماء بدور المفاتيح للأقفال ، لن تدركي ما أقول .. "تجاوز الأمر يا فيصل ولا تخبرها !"


- توقعتُ بعد خصامنا يافيصل أن أكون قويةً جداً ، أنت لا تعرفني حين أغضب ، أحملُ قلباً لايسامح بسرعة ومع هذا ...

هتفتُ بها :

- ماذا ؟!

- مع هذا كنتُ أنظر للهاتف أنتظر اتصالك ، كلما عاود الرنين فرحت وعندما
أجد الرقم لأحد صديقاتي أو أهلي أغضب وأتكوم على نفسي .. أنت لم تتصل ثلاثة
أيام !

- ولماذا تغضبين ، أنتِ تقولين أنكِ لن تسامحي ..

- لا يافيصل ، لن أرد عليك .. لكن سأشعر أنك تريدني ، أنك نادم أو تفتقدني ،
صدقني لم أكن لأجيبك إنما كنتُ سأكون أهدأ ، مجرد معاودتك الإتصال هذا يعني
أني أمثل لك الكثير.. لكنك للأسف لم تتصل وتوقعتُ انك مع فهد ونسيتَ
الأمر ونسيتَ سارة

- ياللعجب أتصدقين ؟ هذه نفس أفكاري عنكِ تماماً ، كنت أقول بالتأكيد تهاتف هيفاء وتخرج مع سائقها و نسيتني بالمرة ،
لم أتصل لأني نادم و شعرتُ أني أستحق شيئاً من الجزاء .. تركتُ نفسي في
الشقاء ثلاثة أيام تطهيراً لنفسي .. أتذكرين أول اتصالٍ جاءك في اليوم
الرابع ؟

- نعم السادسة صباحاً ،

- كنتُ في زنزانة التوقيف ، شعرتُ وقتها أني في مكانٍ كفّر كل ذنبي معك ..
لذلك رحت أهاتفك .. لكنكِ قاسية ، أغلقتِ الهاتف في وجهي !

- هههههه لكني كنتُ سعيدة ، أقسم بالله أقفلته في وجهك وأنا سعيدة ، فوراً
كلمتُ هيفاء وأخبرتها باتصالك وأشارت أن أؤدبك ! لذلك أغلقت الهاتف كلياً
..

- تباً لقلبها القاسي ، أتمنى ان تدور عليها الدوائر وأشاهدها في التوقيف يوماً ..

- هههههههه "خلنا نسوق ويصير خير "


راحت تلح علي أن أنشغل بالمذاكرة .. أخبرتني أنها تريدُ النجاح مني كهدية ،
وذكرتُ الصيف ورحلتهم فانقبضَ قلبي ولم أقل شيئاً .. لم أرد أن يفسد فرحتي
الآن أي منغص .. ها قد جاء الصلحُ فلأركز في دروسي الآن ولكل حادث حديث .
لن أفتح على نفسي أبواباً لم أصدق إغلاقها .. هكذا قررت

* * *


في أحد المقاهي المتناثرة على الدائري شرق الرياض أجلس وفهد في دكةٍ صغيرة ونتبادل الأحاديث ..
كنت لا أحب ارتياد هذه الأماكن العامة لكمية الصخب الشديد في أرجائها ، لكن ما فائدة "كنت" ؟!
أعرف أن أشياء كثيرة تبدلت في داخلي هذه الأشهر الثلاثة .. ليس أول تغيير يطرأ ولن يكون الأخير ..
قناعاتي تزحزحت وتعرضت تضاريسها للقهر حتى تغيرت معالمها !

يتكدسُ أرتال الشباب في هذه المقاهي حتى انتصاف الليل ، هي البحر وهي الكورنيش وهي الطبيعة في هذه العاصمة !
يهربون إليها كلما حاصرتهم لافتة تمنع العزاب من التواجد ،
يهربون إليها ويعمرونها بدخان السجائر ورائحة الجراك وأصواتهم المرتفعة ..
مساحةٌ كبيرة من الأرض تتقسم لمربعات صغيرة ، كل مربع يضم مالا يزيد عن
السبعة أشخاص مفترشين جلسةً شعبية يتحلقون تلفازاً خاصاً بهم ..
أصواتُ الشباب المرتفعة والأغاني الصادحة من القنوات ..
ومعلقي المباريات وهتاف المتعصبين ،
صياح الزبائن للعاملين ، ونداء العاملين لبعضهم بتجهيز الطلبات كل هذا لا يمنع الأحاديث أن تتوالى في كل دكة..
في العاصمة تعلمنا أن نتحدث رغم الضجيج !

أشرب الشاي من إبريقٍ أحمر قديم و صوتُ الشيشة بين يدي فهد أشبه بغرغرة غريق ،
..حين قال لي وهو ينفث رائحة التفاح :

- إلى أين تريد أن تصل مع سارة ؟

فاجأني .. وشعرتُ بكوب الشاي في يدي قد تموّج :

- إلى أين ؟ سؤالك غريب.. لا أدري ؟!

- تقول انك تحبها ، حسناً لن أضايقك بأفكاري ونعود للعراك ، وهي تحبك ، لكن ألم تسألا أنفسكم ماذا تريدان من بعضكم ؟

- في احد المحادثات قلت لها شيئاً من هذا القبيل ، قالت لي " خلها تمشي بظروفها " !

- آها ، جميل .. يعني هي لا تؤمل منك زواجاً .. إذن ياصديقي فلتضرب ضربتك !

ها هو فهد ..عاد للحديث الذي يتقنه :

- وما هي الضربة ؟

راح يضحك وصوت الشيشة أشبه بخلفيةٍ موسيقية لعباراته المخيفة :

- الضربة يا صديقي فيصل أن نحصل على مانريد ، أنت الآن صقر ، التحليق لا
يفيدك .. أنت فقط تحلق عالياً .. والفريسة تجري أمامك وتستمر فقط في
التحليق !

- حسناً أتريد أن تقول لي أن أبدأ الافتراس ؟!أن أهجم ..
لا ، هذا ليس حباً يا فهد هذا سلوك عدواني ليس أكثر !

شرق بالضحك وأخذ يقهقه عالياً :

- سلوك ههههههههه سلوك عداوني ، " يخرب بيتك وين تجيب هالكلام منه " ، يا صديقي اترك النظرة الحالمة عنك ..
هذه المثاليات دعها للمسلسلات والروايات ، "صحصح" يا صديقي، هييي نحنُ هنا مرحباً بك في عالم الواقع !
انظر لعينيك حين تتحدث عنها ، هذه النظرة الرجالية أشبه بشفرةٍ أنت وأنا وكل من في هذا المكان يدركها حين نتحدث عن الجنس الآخر ..
ليتك ترى نفسك وأنت تصفها لي في أول علاقتك معها ، حتى نبرة صوتك تفضحك ، أتظنها لا تدري عنك يامغفل ؟
الآن، رغم تصالحك معها وسعادتك كما تقول ، أنظر لهيئتك وملامحك

- ماذا بي ؟ أنا على خير ما يرام ..

- لا يا صقري العزيز، أنت متعب من التحليق، لا بد أنك جائع هههه ،

قالها ضاحكاً وراح يشرب الهواء ..


هل أكذب على نفسي وأقول له أني لستُ كما يقول ، أليس الحب يعني الإقتراب والإندماج الروحي والجسدي والعقلي !
أليس أن يضمك مع حبيبك سقفٌ مشترك وجدرانٌ أربعة ؟!
تباً لفهد. . كلما وصلتُ للقناعة جاء بجيش سخريته يشتتني !


- نعم يافهد، ومن العبث أن أنكر ! هل ارتحت الآن ؟ لكني ...
لكني أحترمها تماماً كما أحبها ، لا أنكر لك أن أفكاري أحياناً تذهب بعيداً
، لكن لسارة قدسيتها الخاصة في قلبي ، نوعٌ من الإهانة لا أرتضيه لها !
يكفيني منها هذا الوصل البسيط .. ألم تسمع عن العذريين ؟ ياصديقي أنا عاشقٌ
عذري ، لستُ أبالي بما تقول والحب أسمى من خدشه بهذه النظرة الغرائزية !

أخذ نفساً عميقاً وسألني عن العذريين ، لم يكن يعرفهم حتى !

-العذري ذلك الذي يفصل بين الحب وجسد حبيبته ، يترك القلب يتدبر أمره ويترك للسانه التعبير عن ما يخفيه ليس أكثر ..
يكفيه منه الشعور بالحب وأبسط تعبير يجيء من محبوبته يكفيه تماماً .. هل تعلم ماذا كان يفعل جميل بثينة حين يزداد به الوجد ؟
كان يذهب إليها ليلاً ، يتحادثان ليلاً والناس نيام، فقط يضعُ يدها على
صدره ويبرد جاشه ، يكفيه هذا المساس اليدوي البسيط كل سنة ثم يـ..

- هههههههههههههه أشكرك على هذه الطرفة ! يختلي بها ويضع يدها على صدره هههههههههه ما أظرفك يا صديقي

- لا ليست طرفة يافهد ، والأمر مثبت ليس من نسج خيالي ، هل تقرأ كتاب العقد الفريد وأخبار العشّاق العفيفين ؟ أنت لم تقرأ ولو قـ..

- لا أريد أن أقرأ وسأكون معك صريحاً ، إن كانت الكتب تمتليء بهذه الخرافات فتباً لها وللقراءة .. أجننت ؟
رجلٌ في الليل مع حبيبته والناس نيام ثم يكتفي بوضع يدها على صدره ..
حسناً ، إما أن حبيبته دميمة أو أنه مريض .. هل تعرف ماذا كنت سأفعل لو كنت مكانه

- لا شكراً لا أريد

- ههههههه صدقني ستستفيد ..

- فهد ما هو الحب في رأيك ؟

- إسمعني ياصغيري ...الحب هـ

- لا تقل يا صغيري ! تباً لك، أكبر مني بأربعين يوماً ويظنني ولده !

- هههه لا بل صغيري ، طالما تصدق ذلك الذي وضع يدها على صدره وارتاح فأنت
مازلت صغيري الذي يستحق التعلم والمتابعة ( تكاد تقتلني سخريته )
الحب إما قبل الزواج أو بعده ياصغيري، ما قبل الزواج سأخبرها ، إن كنتِ
تحبيني فتنازلي ، الحب هو التنازلات، أو إلى الجحيم هذا الحب ،
أما حب مابعد الزواج فهو الإستقرار والعائلة والأبناء والرباط المقدس.. هذه نظرتي للأمر ياصغيري

- هذا يعني أنك تكفر بالحب ما قبل الزواج

- نعم ، وهذا لا يعني أني أشكك في مشاعرك انت وسارة ، أرجوك لا تغضب كذلك المساء ، لكن..
لكن من تخون ثقة أهلها وتخاتلهم وتقضي معي ساعاتٍ طوال هي ليست مشروع حب وزواج ..
هنا نعود لمفهوم الصقر والفريسة ، الأمر ليس إلا اقتناص .. طبعاً أنت عذري كما قلت لي لكني لستُ كذلك ..
وبالمناسبة جميل اسمكم ايها العذريين ..
حسناً بالله ما اسم فصيلتي ؟ الصقور الجدد هههههه

- لا ليس الصقور الجدد ، " الهمج " !

- ههههههههه أووه اسم رائع ، على كل حال وقعهُ في الأذن أفضل من وقع " عاشق
عذري " ، تشعر بالحرمان والشفقة حين تسمع هذا الإسم ( راح يضحك )


دفعنا الحساب ومضينا نخترق جموع البشر ونشق سحب الدخان الحار وضجيج الأصوات المتداخلة ،
وبقيَ في هاجسي سؤالٌ يلح : من كان محقاً أكثر أنا أم صديقي !

****


في الليل ..هاتفتُ سارة وقد قررتُ أن يكون صلحنا رسمياً أكثر،
فاجأتها مرة ً من قبل ، وسوف أكرر الأمر الآن ،
حسناً يافهد سترى لذة العذريين في التعبير عن مشاعرهم :


- سارة ، هل لديك ارتباط غداً ؟!
- لا ، ماذا ؟
- أريد أن نتناول العشاء في أحد المطاعم سوياً !

هكذا قررتْ !
أريدُ أن أتخفف من ضغوط الإختبارات بسارة ، اليوم مكافأتي نزلت ، ولديّ حبيبةٌ أُحسد عليها ، ماذا ينقصني لأنفذ ؟!


حين أخبرتُ فهد بعزمي على الخروج بها، هب في وجهي يحذرني ..
أخذ يتحدث لي عن الرياض التي أسكنها وكأنه يعرفها أكثر مني :
" يافيصل لا تتهور ، كل الأماكن ( ملغمة )" ..
وكنت لا أبالي !

في التهوّر السلامة !
حين قابلتها عند ماجد مرتين كنت متهوراً .. كذلك حين حاصرتها في المكتبة،
قبلها وقوفي أمام منزلهم مرتين !
في الرياض أن تخاف هذا يعني أن تقع في الفخ !
أن تكون شجاعاً هذا يعني أن تكسر كل القيود وتتفوق عليها ، الحظ يساند الشجعان كما يقول تيرنس .



لا يهمني أي شيء سوى أن أكون بجوار سارة..
والأهم الآن أنها تلقت دعوتي بإرتياح .. تلقتها كما لو كانت تنتظر مني مثل هذه الدعوة طويلا ً !
أدركتُ على الفور أنها تلقتها كما لو كانت تسمع كلاماً كثيراً من صديقاتها يثير غيرتها ولم يُقدم فيصل عليه !
من فرط سعادتها بهذه الدعوة لم تسألني عن مذاكرتي للإختبار الثالث بعد يومين ،
كانت قبل ذلك حريصةً على أن تعرف ماذا قدمت في امتحاناتي السابقة وتهاتفني كل صباح لتسأل ، وتفرحُ حين أخبرها بأن الأمر سار جيداً ،
كنت أتصل بها في المساءات وكانت تبادر لسؤالي عن المذاكرة وتحرصني على
الإستزادة ، " أنتظرك بشوق بعد الإمتحانات ستجدني في انتظارك الآن اهتم
بدرسك "
لكن حين أخبرتها اليوم بدعوتي لها على العشاء ،هه المسكينة .. عبثاً كانت تحاول إخفاء السرور ..
نست حتى أن تقول " وماذا عن الإمتحان " !


لا يهم إن كانت الرياض قاسية على العشاق .. و لا يهم إن امتلأت بالواشين يافهد !
ولا يهمني حتى من يريد منحها خصوصيةً عن باقي المدن وجعلها أفلاطونية !
لا يهم حتى إن كان اللقاء أشبه بالمشي على الحبل الرفيع .. إما الإجتياز أو السقوط !
كل هذا لا يهم ، المهم أن سارة تلقت الخبر بنشوة ، بسعادة ..
هذا يعني أني أمثل لها أماناً ورجلاً يُعتمد عليه ، إذن لن تُخذلي يا سمراي لن تخذلي ..
أن تكوني سعيدة ، هذا يعني أن لا شيء آخر مهم !


وفهد هذا المزعج ، لا يكف عن الإتصال منذ أخبرته بدعوتها للعشاء ، جاء إلى البيت وبدأ تحذيري :
" إذهب لبيتها لا تخرج بها في الأماكن العامة "
فأسخر من جملته الغبية ، ماذا أريد من بيتهم !؟ ماهذا الوحل الذي يريدني أن أرتمي فيه ..
ليس كل الرجال صقور يطاردون فرائسهم ، أنسيت أني عذريٌ يكفيه القرب من سارة ؟!
سترى أن الحب العذريّ ينتصرُ في النهاية ، وأن هناك رجالاً ليسوا ينظرون لك وأفكارك إلا بمنظر الشفقة يا صديقي !


ثرت عليه ، ولأول مرة راح اللاعب يضرب بتعليمات مدربه عرض الحائط .. أخبرته من الآن وصاعداً أني لن أقبل تدخلاته !
وصعدتُ غرفتي وبدأتُ أستعد للغد..
المشكلة أني لا أفهم في هذه المطاعم شيئاً .. لم أتعود إلا مطاعمنا البسيطة في أحيائنا العاديّة ، أريد أن أحظى ببريق التألق معها !
سيكون شكلي مخجلاً إن وقفتُ بها أمام مكانٍ أقل من قيمتها ووضعها الإجتماعي !
وذكرتُ سلمان و فرقعتُ أصابعي " وجدتها " ..
سلمان ، صديقي الذي يقضي شهره السابع منذ تزوج ، كان الحل ..


حين أخبرتهُ أني أريد أن أذهب بشقيقاتي للعشاء ، بدا وأنه مصدق .. لم يسأل كثيراً ..
أرشدني إلى أرقى الأماكن وأعطاني تفصيلاً عن أسعارها وأسماء قوائمها ..
قبل أن ينهي المكالمة قال لي جملةً وترتني :
" فيصل ، انتبه لنفسك ! " ..
حسناً ، لم أهتم بعبارته ، شكرته وأقفلتُ الهاتف مستمتعاً بشعوري الذي أتراقص فيه ..
لم أبالي بفهد ولا حتى كلمة سلمان ، ماهذا!كل الناس صارت حريصة ً فجأة ؟
ألم يدركوا بعد أن الرياض بلدٌ تحترم الجرأة ؟!

- سأذهب غداً لسارة هل تريد المرافقة؟ هل اشتقتها أيها اللعين ؟!

كنتُ اوجه حديثي لـ " الدبدوب " الذي أهدتنيه سارة ، كان ملقاً على سريري وكأنه سجين، ليس سعيداً منذ جاء لغرفتي ..
لماذا شعرتُ بعينيه تشعان بريقاً حين قلت عبارتي ؟!
اللعنة.. حتى الجماد يدب فيه إحساس القرب منكِ ياسارة !






يتبع ..












24



صوتُ راشد ينبعثُ في سيارتي خافتاً ، يغني يا ويلي وأنا أغني " متى تجين "
، كنتُ أقفُ أمام إحدى بوابات " صحارى بلازا " كما اتفقتُ مع سارة !
الرياض مدينةٌ تحترم الشجعان هذا صحيح لكن ..
لكن الشجاع لا يتمنى الحرب ، فإذا جاءت أعد لها ما يستطيع ، لهذا كنتُ أحترم الموقف الرهيب الذي أنا فيه وجبيني يتفصد عرقاً !

حين خرجتُ هذا المساء من الشقة ، لحِق بي فهد وقد يأس من إقناعي، ثم قال لي بلهجةٍ حزينة قانطة :

" إذن كن واثقاً وكأنك مع اختك أو زوجتك ، أن تتردد هذا يعني فضيحتك وفضيحتها الفورية ! "

أووه ماهذا المدرب المزعج ، تُنهي خدماته وتعفيه ويصر أن يضع لك المنهجية والتكتيك !
إنما كنتُ أعلم أنه مدربٌ بارع رغم سلاطة لسانه واختلافي معه في مفاهيم كثيرة ..
..لهذا تمثلتُ نصيحته كأقصى ما أستطيع !


أدركُ أني أقوم بأمرٍ لم أقم به في حياتي ، طوال عمري لم يكن في سيارتي من النساء إلا قريباتي لا غير ،
أن أحمل اليوم من لا تمت لي بصلة قربى هذا تهورٌ أعرف فداحته ،
لكني أحمل من تمت لي بـ صلة قلب ،
فهل تحترمين هذه الصلة أيتها الرياض ؟!


أقفُ أمام بوابة المجمع والناس من حولي داخلين وخارجين ، يا إلهي ، هل يعرفون موعدنا ياسارة !؟
إذن مابالهم يرقبونني كمختلس ؟! أفواه العاصميين تصمت لكن عيونهم تتحدث كثيراً ..!
كنتُ قد هاتفتها برقم البوابة التي أمكث أمامها وقالت انتظرني قليلاً ،
شعرتُ أن هذا الإنتظار كلفني رقابة الناس كلهم ،
أعين الآسيويين الممطوطة ترتسم على هيئتي الأنيقة ، كنت كرجلٍ في صبح عيد !

ها هي جاءت .. جاءت سارة بين الجموع أعرف مشيتها حين تمشي ،
فوق كتفها حقيبتها الصغيرة ، وتمسك بطرف عباءتها الأنيقة كأنما تصفع بها الهواء ،
ليتك ترى اللاعب الذي همش تعليماتك أيها المدرب فهد ،
كان يصر علي أن أطلب منها ارتداء عباءة رأس ! لم أقل لها ذلك ،لن يكون لديها هذا النوع من العباءات !
وكان كمدربٍ متمرس ، يلح أن تأخذ معها أحد أطفال شقيقاتها كما لو كنا زوجين ،
وسخرتُ منه ولم أطلب ،
أظنني شجاعٌ بما يكفي لأن أترفع عن هذه الوسائل الغير مشروعة في الحرب .
حربي مع الرياض !



ركِبَتْ ، أغلقَت الباب ، ومن بين جموع المتطفلين الناظرين إلينا .. انطلقنا !

تعطرت سيارتي برائحتها يوم ركِبت ، واستحالت سيارةً فارهة وهي التي ليست كذلك ، وانطلقنا !

صمَتَ المسجل بأمر يدي ، وقلتُ لها مساء الخير سارة ، قالت بصوتٍ لاهث، مساء النور فيصل ،
كان صوتها أوضح بكثير حين تتحدث عبرالهاتف .. وانطلقنا !

ألستُ عذرياً ؟ أوَلسنا كقبيلةٍ عاشقةٍ لها تقاليدها العريقة ، لا نمني أنفسنا بأكثر من مصافحة حبيب وإطباق يدٍ فوق يد ؟
إذن هاهي يد سارة تنغمس في يد العذريّ فيصل .. وانطلقنا !


يدها متعرقة ، أهو الخوف يا حبيبتي ؟
لا تخافي والرجلُ الذي بجوارك فيصل ، هذا الرجل تعشقهُ الرياض ولن تؤذيه صدقيني .. وانطلقنا !

كان وجودها بجانبي أشبه بحلم ، وسعلتُ لأتأكد ، وشعرت بصوتي إذن لست أحلم ،
وتأملت سمرتها في بياض يدي فانتفض قلبي ..وشعرت انّا نتفق أكثر مما نختلف ، وانطلقنا !

كل مسافةٍ نقطعها ،كل دقيقةٍ تمر ، كانت تتحلل من خوفها رويداً رويداً ،
ولأول مرة منذ جاءت، ضمت يدها يدي بقوة .. وانطلقنا !

كان الطريق وروداً .. والناس من حولي طيور ، وأعمدة الإنارة باتت أشبه بأشجار تزين الطريق ،
كل الرياض صارت جنة .. وانطلقنا !

اصطفت الأسواق البراقة، والأبراج العالية ، والمباني الشاهقة ، كلها باتت كجمهورٍ ينادينا.. تشاهدنا تحيّينا،
كل مافي الأرض دوّى باسمنا .. وانطلقنا !

أين ذاك الخوف ياقلبي ، أراكَ الآن أشجع من محارب ،
أصبحتُ نابليون يمشي في سماء العاصمة ، خلف كل عظيم أنثى / بجوار كل شجاع أنثى ، وانطلقنا !

سألتها كسراً للصمت ، هل اشتريتِ شيئاً من السوق ، قالت لا ،
فقط كلمة " لا " كانت حديثاً طويلاً ..أردت سماعها لأصدق ، فعرفتُ أنها بجانبي حقاً وليس حلماً .. وانطلقنا !

لا تخافي مني ، ها ماذا تريدين أن تسمعي من أغنيات؟قالت أي شيء ، وأصريت أن تختار ،
إختارت "اصحى تزعل " لعبدالمجيد ،و على الفور كنت ألبي ، وانطلق صوته صادحاً يوم انطلقنا!

قلت لها قولي أي شيء ، قالت ماذا أقول ، سارة أأنتِ سعيدة ؟
وأومأت برأسها ورقص الكون في عيني .. وانطلقنا!

نسيتُ الناس والشوارع والأرصفة ، نسيت الزحام وصرتُ أعتليهم فوق سحاب لستُ أواكبهم سيراً على الأرض ..
وعبدالمجيد يغني لنا وحدنا ليس يغني لآخرين .. وانطلقنا..

قالت كأنما عابت على نفسها الصمت : ألديك امتحان غداً ، وجاء صوتها أعذب من أي مرة ،
نظرتُ لها مبتسماً فأطرقتْ .. كنت أريد أن أقول : تباً لامتحاني وخشيت إحراجها فتغرق بالصمت أكثر .. وانطلقنا !


لاح مطعم " الشرفة " متراقصاً يدرك أن القادم نحوهُ سارة ، وقلتُ له أنتَ
شرفة الحياة الأجمل منذ الآن وصاعداً ، وستسكنُ ذاكرتي طويلاً ..
ليس مجيئي إليك إلا علامةٌ أضعها في الرياض إذ ربما أحتاج يوماً أن أصدق .. أصدق أننا كنا هنا !
سأذكرها طويلاً كلما مررتُ بك ، لا أعرف المستقبل لكني أعرفُ أني سأذكرها بك كل ما قرأت اسمك أو رأيتك ،
أحتاج أن أضع علاماتٍ في دهاليز العاصمة لأتأكد بعد أزمان ، أنني وحبيبتي كنا هنا في الرياض ولم نكن نحلم .. وتوقفنا !

نزلنا ، زال التوتر والعرق ، ذهب الخوف ..نسيتُ نفسي واقتحمتُ الأماكن كفاتح !
أليست هذه مواجهة ؟ أليست حرباً مع ظروف الرياض القاسية ؟! الخوف مبرر قبل المواجهة فقط ، حين المواجهة لا أعترف به !
زال التوتر والوجل .. ونسيتُ الجموع الداخلة والحشود الخارجة ..
ونسيتُ أني في بلدي، و ظننتني في عاصمة أوروبيةٍ تختال في جوها اللطيف ..
اندفعتُ تجاه المكان أمسك يدها كأننا زوجين في زفتهم ،
قام لنا نادل البوابة مبتسماً ، كنا أصغر القادمين ، ورأى زينتها ورأى زينتي فعرف أنا لسنا ككل الداخلين ..
شعرتُ ان بسمتهُ تصفيقاً لشجاعتي ، وابتسمتُ كأني أقول " لنبقِ الأمر سراً ياصديقي" !



مشينا بين جنبات المكان الذي يحتفي بنا ، تركتُ يدها لم أمسك بها ، ليس
خوفاً من أحد ، أردتُ أن أفتخر بنفسي حين تتبعني ..أردت أن أتأكد أنها ملكي
وستتبعني ،
أردتُ أن أمشي وتمشي خلفي كأنها تقول للرياض هذا رجلي ! نوعٌ من الزهو كان يداخلني وأنا أراها تلحق بي .. أتُراي جننت ؟!
كنت أنعطف وتنعطف معي ، أتوقف فتتوقف، ويرقص قلبي زهواً .. تتبعني كما لو
كنتُ الرجل الوحيد في هذه العاصمة .. أمسكتُ يدها واتخذنا ركناً قصياً ..
دخلنا وسحبتُ لها مقعداً ..
وألتفتّ عليها لأجدها خلعت عن وجهها ما حجبه ، وشعرتُ بأني على وشك الوقوع فأستعنتُ بالكرسي وادعيتُ الثبات !


كانت ترتدي فستاناً ليلكياً أنيقاً ، بسيطاً خالياً من تفاصيل التكلف ، يطوّق خصره مالا أعرف من لآليء ،
يتقاطع عند نحرها بخيطين رفيعين تتوسطهما قلادة ، قصيراً يعذب الناظرين !
قرطان من الماس وعقدٌ ليس أجمل مما تحته ، و سوارٌ يطوّق ساعدها ومنظرها سوارٌ يطوّق قلبي ..
وشعرها القصير يلتفّ خلف أذنيها ليكسوها مسحة براءة .. ورائحتها تعبق في المكان تُحيلهُ حقل ورد ..
كانت طفلةً بين يديّ ، شعرتُ أني أكبرها بأعوام ليس عام .. ياللطفلة الجميلة ، أحقاً جرحتها قبل أيام ؟ ويحي وويلي!

أتأملها وأحدث نفسي:

لم تكوني بحاجةٍ لكل هذا التجمّل ..
وهذا الفستان الذي يختبرُ صبر العذريين كان يُغني عنه أي أسمالٍ بالية ..
جميلةٌ في كل أحوالك فلماذا هذا العذاب !
كان موعداً رومانسياً نتصالحُ فيه حقاً .. لماذا جعلتيهِ موعداً لهلاكي ؟!
وعينيك هذه ألم تألفني بعد ؟ ألم تدرك أني حبيبك ؟
ألم تخبري عينيك بعد أنكِ تحبين هذا المسكين، مابالها الآن لا تكف عن رمي نبالها واقتناصي ألف مرة !


يا لبجاحة هذا القمر في السماء أيظهر في هذه البقاع وأنتِ هنا !
يا لبجاحة النساء اللواتي يحضرن مناسباتٍ ترودينها ، يمارسن التجمّل والتغنج حتى تأتين يا فاتنتي لتقومين بالدور الذي تجيدين :
الإلغاء ! وهل تجيدين إلا الإلغاء .. و ببراءة !
يا لبجاحة فهد ، أيظنّ أن هذه الرقة فريسة ؟ أيظن أن العذريين انقرضوا ؟
يالبجاحة قلبي يوم قال : أتحبها ؟ إيهِ أحبها .. أردتُ أن أهتف في هذا المطعم الأنيق ولكني أفقتْ من صُعُدات فكري!

بربك تكلمي ، ليس ذا وقت الخجل ، الرياض شحيحةٌ بالفرص .. لا تسكتي !
كانت تنظرُ للقائمة الرئيسية وغمازتها بادية ، ارفعي رأسكِ وانظري لي ، حسناً ،
مددتُ يدي ورفعت رأسها من دقنها ناحيتي : " سارة أنا هنا " واصطبغ وجهها بالحمرة وابتسمتْ !

ماذا تطلبين ؟
لديهم كل شيء ، ولديكِ هنا قلبٌ على طبق، وعينين زائغتين، و شوقٌ ناضج .. ولديكِ أكثر !
ماذا تشربين ؟
أي الكؤوس سيكون عريس الليلة ، ذلك الذي تضعين مبسمك المتجمّر فوق حوافه ؟!
يافاتنة الرياض .. يا مهوى فؤاد الرجل الثاوي أمامك .. يا قبلة القلب .. تحدثي واتركي هذا السكوت ..
اتركيه حين نعود لبيوتنا نفكر في روعة اللحظة وهل كان حلما أم خيال، الآن لا، لاتسكتي !

رحتُ أحدثها كسراً لصمت المكان :

- ساره هل أنتِ متوترة الآن ؟! سارة لن أضرك ؟ أنتِ في مأمنٍ معي .. لن يصلكِ مني أكثر من هذه النظرات العاشقة فقط !

أوووه اللعنة أهذا كلامٌ أستدرّ به حديثها ؟ ها قد أطرقت واصطبغت بالإحمرار أكثر !

- سارة لو قلت لكِ أن هناك قلباً يتمزق ، سيموتُ إن لم تقولي الآن شيئاً، أتتركينه يهلك ؟!
بربك الوقت يمر ، أن تكوني بجواري صامتةً هذا يكفي لأختال في الأرض فرحاً ، لكن أريد الخير كله ، كوني بجواري وتكلمي ، هيّا


راحت تهمسُ بصوتٍ أكاد لا أسمعه ، ماذا ؟ ماذا قلتِ ؟ آها .. ماذا فعلت في إختباري ؟

- أخبرتكِ في الصباح ، كنت موفقاً جداً ، الدكتور ثابت طلب مني أن أعرض عليه مزيداً من القصص قبل أن يسافر لبلده في الإجازة ..

- ماذا قلت له ؟

.. جميل هكذا أفضل ، بدأ صوتكِ في الظهور


- في اختبار الإربعاء سأذهب له ببعض النماذج ، لكني ***** ماذا أختار له ؟!

- حديث الغرباء !

- حقاً؟ لا أظنها جيّدة ، هل تعلمين ؟ حفظك لعناوين قصصي هذا يجعلني الشاب
الأسعد في الأرض ، لكن حديث الغرباء أشعر بأنها مفتعلة أكثر من اللازم !

- لا بالعكس ، نهايتها قويّة ، هزتني ، لكن ربما لا تروقُ لأستاذك ..

- واللهِ لن أردك ياسارة ، سأعرضها عليه غداً وليقل مايشاء ، فليسحب إشادته إن أراد ، لن أرد طلبك !

أووه ، عاد الإحراج يكسوها مجدداً ، تباً لهذرتي ، سأقتصد في كلامي وأنتقي عباراتي جيداً ، يبدو أن الخجل لن يتركها هذا المساء لي ..


أصريتُ أن تطلب هي ماتريد ، لا أعرف هذه الأسماء إطلاقاً .. وهذه القوائم لم أرها من قبل ولم أر ما فيها !
" إختاري لنا ياسارة ماشئتِ " هكذا قلتُ وأنا أتلذذ بكلمة " لنا " أكثر مما أتلذذ برائحة أطباق الغرفة المجاورة ..

- امم حسناً سأختار، شوربة بالذرة ، فيتوتشيني ، 2 ليمون بالنعناع ، طبق سيشوان، سلطة ..

وهل أرفض ؟!
لم أسمع في حياتي بهذه الأطباق لكني أسمع سارة ! ورحنا نتحدث ، صارت تتصاعد
في أدائها حتى أصبحت شبيهة لسارة التي تحادثني في الهاتف والنت ..
رفعنا الكلفة وسقف الخجل وبدأنا نستمتع حقاً بجلستنا هذه ، كان الكل يتحدث بصوتٍ عال ووحدنا كنا نتهامس ..
رأيت في عينيها عشقاً وامتناناً لي ، كانت تتأملني كما لو رأتني أول مرة ،
هل أعجبتها حقا ً؟ أظنني الرجل الأسعد في كوكبنا هذا المساء ..


كان أكلها موسيقى ، أناقتها تبهر ، مسكتها في الملعقة والشوكة وحتى شربها للعصير كان يزيدها في عيني فتنة ..
لا لا تقل فتنة ! ماهذا أيها العذري أنسيتَ نفسك!!
كنت أتأمل ملعقتها صامتاً .. ترتسم على ملامحي بسمة ، كانت تنقر الطبق بهدوء .. ليست كالمجاورين لنا في الغرف !
شعرتُ أن الملعقة تغيّر خط سيرها لم ترتفع لأعلى ، امتدت إلي ّ ، كانت تناولني بيدها سلطةً خضراء وتوقفتُ أفكر لبرهة :
هذه ملعقتها ، وحوافها كانت على شفتيها ،
وتناولتُها ..
فشعرتُ بأن طعمها ألذ من السلطة التي لدي .. مع ان الصنف ذاتُه ، لا بالتأكيد جُننت!


يا لسعدي هذا المساء .. نعم الرياض يا فهد مدينةٌ تحترم شجعانها ولا تؤذيهم ..
نعم يا فهد للعذريين لذةٌ لن تدركها يا محب الفرائس !
وتذكرتُ أحلام مستغانمي وأردت إخبارها أن الحب هو أن يتقابل اثنان لينظرا لبعضيهما ،
لا يهم أن تكون الطاولة مستطيلة أو مستديرة أو متوازية أضلاع حتى ، طالما قلوبهم مشرعةٌ لبعض !


أنهينا طعاماً لم نعرف لذته ، ضاع في لذة لحظتنا نحن ، وهل يميّز البحر انسكاب الدلو فيه !؟
ثم قمنا لنغسل أيدينا عن كل شيء إلا روائح كفوفنا يوم تلامستْ ، ستبقى طويلاً!
وقفنا كإثنين وما نحن إلا واحد !
وارتسمتْ عيني على كأسها ، و عدتُ إليه كسارق ، عدتُ لأخبر العذريين أني مختلفٌ عنهم بعض الشيء ..
كل جيلٍ يتطوّر قليلاً ، أعذروني قبيلة العذريين :
أدرتُ كأسها بحثاً عن حمرةٍ فوق حافته ، ووجدتها !
وغمست نفسي وقلبي قبل شفتي ، فوقه ...
و شعرتُ أني على هامش هذه المدينة ولست أعبأ بها ولا بالمكان الذي أنا فيه ..
أين أنا ؟ لا أدري .. من انا ؟ لست أدري



كان قلبي يدبّ بالحب حين عادتْ .. أقبلتْ فاتنتي مجدداً ..
وجلسنا قليلاً نتبادل الأحاديث وأيدينا تصم بعضها ..
ثم نظرنا للساعة و عرفنا أن جلوسنا بحساب الوقت كان كثير !
وأزِفت لحظة التوديع فقمنا ..
كانت في الزاوية ترتدي عباءتها ..وكانت أنوثتها تعبق كرائحتها ..
شيءٌ في داخلي كان يقول لا تضيّع لحظة عمرك ! شيءٌ في داخلي كان يقول " للعذريين شطحاتهم ! "
وإبليس يهتف أن لا تلعن نفسك نادماً حين تصل غرفتك .. تقدم صدقني ستندم كمحروم !

وقفتْ هي ووقفتُ أنا .. فتحتُ الباب لتخرج .. كان المكان يضيق عند الباب عن غيره ..
وقفنا تاركين المكان لأناس ٍ سيأتون بعدنا، ولا نعرف منهم، لكن نعرف أنهم ليسوا مثل قلوبنا أبداً !
قامتْ ولامس كتفها صدري عند الباب ، كنت طويلاً جداً بالنسبة لها ، وكانت تنظر لي كجبل ، وشعرتُ بالزهو للإعجاب في عينيها ..
مسّ كتفها صدري ، مسني كشواظ نار ، واضطرم قلبي وتأجج ، أغلقتُ الباب وأدرتها صوبي ..
ثبّتها على الباب .. واقتربتُ منها !
وفعلتُ مالم يفعله العذريين من قبلي ، نعم ..
. قبلتها ..
قبلتُها و حل الصمتْ !
تلعثمتُ وارتبكتْ .. فتحت الباب بسرعة وانطلقت !
اللعنة ماذا فعلت !!
وخرجنا



في السيارة صمتٌ مطبق ، والسيارات من حولنا كأنها تتلصص ، والناس في مواقف السوق كأنها تدري عن فعلتي الغبيّة !
سكتتْ ولم تنطق طوال سير الرجوع ،
كنا قد رحنا لشرفة الحياة وأيدينا تُمسك بعضها كما لو كانتا عاشقان يرقصان على أنغام موزارت ..
والآن جئنا و يدها تتكوم فوق حقيبتها صامتة ،
قلت لها " آسف ، غصبٍ عني " ..
ولم تجب !


نزلتْ بسرعة .. اتجهت لسائقها وأنا أرقبها من بعيد ، واعتلت هودجها الفيراني..
وشعرتُ أني أريدُ لحاقها ، وخِفتُ الناس وانصرفْت ،
تحسستُ المقعد المجاور فلم أجدها ، " راحت " هكذا قلتُ لنفسي كمجنون !



في البيت حين وصلت.. هاتفتها :


- للأسف ياسارة أضعتُ كل شيء وحطمت لحظتنا السعيدة اعذريني ..

- ..................

لم تجب،

- والله لم أكن مخططاً للأمر ، أحترمك جداً كما أحبك ، اعذريني !


- فيصل


- نعم ؟!

- مجنون ؟ تعتذر عن أيش ؟ فيصل كل ما فيني يرقص .. أريد أن أصرخ باسمك .. أعرف ان الأمر خطأ لكنه أجمل خطأ في الدنيا
نعم أحرجتني ، أخجلتني ، لكن مازلتُ أعيش اللحظة .. آه فيصل ، يا ليتني ملكتُ جرأتك !

- كنت ماذا ؟

- كنتُ أريد أن أعبر لك عن امتناني عن فرحتي، فيصل نعم صدمتني .. لكن حين فكرت قبل قليل ..

- ماذا ؟

- فيصل لم يفعلها إلا لأنه عاشق ، لأني أُعجبه حقاً ... أشعر أن هذه الرياض لا تسع فرحتي

- سارة لأول مرة أحب الرياض بهذا القدر

- لا .. لا أرجوك ، لا تقل شيئاً عن الرياض .. أعشقها يافيصل ، عدني أن تحبها دائماً .. مهما حدث ،عدني

- أعدك ، وسأكتبها في قصائدي .. أحبها .. تماماً كأنتِ

- أريد أن أصرخ الآن وأقول أحب الرجل الأكثر جنوناً في هذه الأرض .. سأصرخ :


صرخت بإسمي لم تخش أي سامع .. يا للمجنونة !

ثم أغلقت هاتفها خجلا ً من اندفاعها ..
وبدأتُ أكلم الدبدوب كأي رجل فقد عقله !
ارتميت على فراشي كأفضل إنجازٍ حققته في حياتي ، أفضل حتى من تخرجي القادم ..
وكتبت رسالة ً لفهد قبل أن أنام مع أحلامي اللذيذة :

" ألم أقل لك إن الرياض تحترم الشجعان فلا تؤذيهم ؟
أعرف أن حديث المثقفين لا يروقك لكن تيرنس يقول : الحظ يساند الشجعان ..
حسناً فلتصبح على خير أيها المدرب الفاشل هههه "

واحتضنت الدبدوب وأغمضت عيني ، وشعرتُ أن الرياض تنظر لي باسمة ..
..تماماً كـ أم ٍ تحنّ وليدها !

يتبع ...

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:27 am

25

ها هي وثيقة التخرج في يميني ، نجحت بتفوّق ، ووقفتُ طويلاً في سيارتي انظر لكليّتي نظرة الوداع الأخيرة .
أيامي الجميلة تتوالى ..
حب سارة لي أضعاف ما أحمله لها في قلبي، وأيامنا صارت أناشيد فرح ..
قصصنا ومغامراتنا في مسرح العاصمة لا تنقضي .
الحياة تزدهر من حولي .. والأخبار السعيدة تستمر .. كل من حولي يعرفون أني صرت إنساناً آخر .

لم أعد صموتاً معتزل الناس .. صرت الرجل الأكثر بشاشة والأغزر حديثاً و الأطفحَ سروراً
دخلتِ حياتي ياسمرايَ وخلقتيني رجلاً جديداً ..
تُشير علي بماذا ألبس وأي الألوان أفضل وتقترح علي ماذا أسمع وأين أمضي وألبي ..
ترافقني تدخلاتها المحببة حتى وأنا أتجه لمجيد في صالون الحلاقة وتقول ليتك تفعل كذا وأفعل ماتقول ..
أصبحت كاميرا هاتفها عيناً لي في بيتها ، ضوءاً على حياتها ..
كل ماارتدت فستاناً جديداً ، كل ماغيّرت في شكل غرفتها ، كل ماتزيّنت لمناسبة..
حتى أطفال شقيقاتها صرتُ أعرفهم بأسمائهم وأشكالهم ، امتلأ هاتفي بتفاصيلها ..


قديماً حين أجلس بين أشقائي وأصدقائي أرمي هاتفي على الأرض لا أبالي بمن يتعبث في محتوياته،
بتّ الآن أحملهُ كقطعةٍ أثريّة خالصة أخشى عليه مجرد اللمس !


حتى مجالستي شقيقاتي صارت مدعاةً للمقارنة:
لا سارة لا تتحدث هكذا ، هي لا تهتم بشؤون المطبخ و تفاصيل الأسر الأخرى ..
سارة أرقى من النساء جميعاً .
النساء تتحدث بصوتٍ عال ووحدها سارة تغرد ،
يتكلمون عن البيوت وينبشون أسرارها وهي لا تقترفُ هذا الفضول ..
تعرفُ الكتب و الأسواق و الأناقة ..
تعرف حتى دهاليز الرياض وتفاصيل طرقاتها ليست متقوقعةً كغيرها في البيت تنتظرُ إذناً من أحد !
لديها حريةٌ لا تمتلكها النساء في مجتمعي ..
هذا لا يعني أني أتمنى أن تُمارس شقيقاتي ذات الدور ،
إنما كانت هذه الفروقات تأسرني ، تُشعرني أني وقعتُ على كنزٍ نفيس ليس مشاعاً .. نادر ..
حتى سُمرتها الخفيفة التي تكسو وجهها ملوحةً بادية ، كانت تمثل فرقاً عزيزاً جداً .. أحبه لأني لا أراه كثيراً في محيطي ..
حتى عدم انتمائها لقبيلة ، في البداية كان مثار صدمتي ،
ثم تماهيتُ مع الأمر حتى صار خصلةً تتفوق بها عن غيرها ، وأفلسف الأمر مع قلبي :
أن تحب فتاةً من الأقليّة ، هذا يعني أنك تمارس حباً مختلفاً عن البقيّة ، نوعٌ من التميز أحظاه معها ، ولن يفهمني أحد !
هي لا تأبه لهذه السخافات ! وأقول سخافات وأضحك من نفسي :
صارت هذه الأسماء الطويلة في عيني سخافات ،
وانا الذي كنت أيام الدراسة أخط على طاولتي ودفاتري اسمي الطويل منتهياً بالإسم الرنان !
حتى عندما ارتقيت بنفسي وقرأت ووعيت ، صرت أرفض هذه التجمعات البهرجيّة الزائفة .. نعم ، لكن في داخلي انتماءٌ مازال ينبض ..
الآن ، سحقتهُ سارة .. لم تقل لي شيئاً منذ خصامنا القديم ، لم تحرضني ..
لكني رويداً رويداً ألغيتُ نفسي من مجمتعي وصرتُ تبيعاً لها !


هي قبيلتي ..وكانت تسعدُ كلما كررت الأمر على مسمعها !
لكني لم أقل لها أن والدي ذهب لأعيان قومي في مكاتبهم ، تحريكاً لإسمي في التعيين ،
هه ربما ستغضب أو ستضحك ، في الحالتين سأندم !
أخبرتها اني أردتُ الإلتحاق بالتدريس ليس لحبي له ، آخر من يتحمل ضوضاء الصبية أنا ،
لكن لأوقات الراحة الطويلة التي يحظى بها المعلم عن سواه ..
طموحي أن أكون كاتباً كبيراً ياسارة.. الكتابة والقراءة والإطلاع تحتاجُ وقتاً لن أجده إلا إذا كنت معلماً ..
هكذا حددتُ أهدافي وبقيت أنتظر الأخبار من أبي !


قالت لي بالأمس ونحن نتحدث ، أتمنى لو كنت معلمة يافيصل للصفوف الأولية .. أحب الأطفال جداً ..
فأخبرتها أني لا أتحمل بيتنا حين يتكاثف أطفالنا كل خميس ما بالكِ بأطفال الغرباء !
قالت لي يا قاسي .. من لا يحتمل ضوضاء الأطفال صلب ، هذه خصلةٌ لا أحبها فيك يافيصل ..
لا ياسارة لست قاسياً .. لكني اعتدتُ العزلة طويلاً والعزلة ابنة الصمت .. من يعتادها سيألف الهدوء
يا فيصل الأطفال أثمن هدية تقدم لنا من عند الله، هل ترى تعب الأم حين تحمل وتلد ، كل هذه المشقة مبررة لأجل طفل ..
أن أتعب وأعاني هذا ليس شيئاً أمام نداء " ماما " ..
ثم سكتت مطولاً و صعقتني يوم راحت تقول :
- تدري فيصل .. دائماً أحدث نفسي وأتمنى طفلا ً ..أتمناه منك !

كانت نبرتها حالمة ، وشعرت بأنها تمتليء شجناً ورحتُ أدّعي السخرية تغييراً لنبرة الجد في حديثها :
هل تريدينه أسمر البشرة أم مثل أبيه ..
وقالت على الفور مستغرقةً في أحلامها :
يشبهك تماماً هذا كل ماأريد !

* * *

ومضت أيامنا في الصيف الذي ما عاد صيفاً .. كان ربيعاً بفضل الحب ..
قديماً كانت هذه الأجواء ترهقني .. الصيف رجلٌ مزعج يأتي ليجعل أيامنا أسوأ !
الآن ليس يُرهقني، ولم يعد يعنيني في هذا المناخ حرارته ، بل تنفيرهُ لأهل العاصمة الذين يحملون حقائبهم مودعين !
كنتُ أخشى فراقها ولم أتحدث به ، وانتظرتُ أن تقول لي يوماً ها نحن على أعتاب السفر ..
لكنها جاءت تتراقصُ فرحاً ذات مساء :

فيصل لن نسافر هذا العام، لن نسافر .. كانت تهتف كما لو كنتُ لها المصيف والجو العليل
وهتفتُ بها : كنت أنتظر خبر تعييني ، الآن جئتيني بالخبر الأفضل ،
قلتها ولم أكن مغالياً .. أنا أعني ما أقول.. كانت أهم من مستقبلي !
حتى أنا ياسارة لن أمضي مع أهلي للقرية ، وسأبقى بجوارك ..
فيصل حدثني عن القرى
أووه ألا تسأمين هذا الحديث ياسارة ، يبدو أنكِ لن تكفي حتى تشاهديها
وعادت لها نبرتها الحالمة :
- فيصل ، هل سيأتي يوم ونكون فيها سوياً ولو ساعة ، تحكي لي طفولتك وأنا أشاهد !
ولذت بالصمت وقلتُ في سري : مستحيل !

هذه النبرة الدخيلة باتت توتّرني!!


قديماً كنا نتحدث ونضحك كطفلين ، كانت أحاديثنا نسمة هواءٍ لطيفة تدغدغ وجوهنا حتى بداية الصباح ..
الآن هذه النسمات صارت تتحول أحياناً ذرات غبارٍ مزعجة، قالحة ، تلفحُ الوجه بخشونة !
صار يعتري ساره بعض النضج فجأة ، تسألني أسئلةً لا أملك لها إجابة ..
بل أملك .. ولكني لا أريد أن أجيب !

البارحة جاء صوتها كئيباً .. وسألتها ماذا بك سارة ..
أخبرتني أنها تعاني بعض الضغوط من والديها لأول مرة .
صديق والدي، عاد ابنه للتو من كندا بالشهادة ، وتقدم لي بشكل شبه رسمي .. ورفضت !
لأول مرة تحدثني بهذا الحديث .. كانت مكتئبة من الضغط الذي رزحت تحته ،
وسألتها بخوف ماذا حصل ، قالت رفضت ولم أرضخ وانتهى الأمر ..
تنفست الصعداء وقلتُ لها : سارة ، أحبك ..
سارة لم أكن سعيداً كالسعادة التي أنا فيها الآن ، ولم أضحك يوماً هكذا إلا معك !
عادت لها نبرتها الشجية وقالت : لكني لم أبكِ هكذا إلا معك !
وانهيتُ المكالمة متعذراً بنداء أبي لي !



لا أدري ماذا حدث .. لماذا لا يدوم الحب مرفرفاً دون نغائص.. لماذا لا تسري الحياة كما أشتهي ؟!
ماذا أريد منها ؟
هي سر سعادتي .. وأعرف أن خسارتي لها يعني أن حياتي وموتي سواء ..
وغيابها عن مسرحي هذا يعني أن الأرض التي أسير عليها باتت تغلفني كـ قبر ليس إلا ..
ماذا أريد منكِ ياسارة .. أريد أن تبقي لي .. كيف ؟ لا أدري ..
أحقاً ما قال نيتشه ،في أي زمان ومكان يبقى الرجل وسيلة المرأة نحو الغاية : الطفل !
أي أن الحب لأجل الحب منتفي!
أحقاً ماقال: لا تطلب الأنثى من الحياة شيئاً سوى رجل ـ فإذا جاء طلبت منه كل شيء ..
آه ياسارة .. كفي عن أحلامكِ الوردية أرجوك .. واتركي التفكير الذي تعلمين استحالته ..
دعينا في هذه الحياة نقضي أيام صفونا دون كدر ..


سألتني سؤالاً غريباً :
أتحبني ؟! .. سمعتها مني ألف مرة ، لماذا تستجوبني هذا اليوم !؟
أخبرتها أني أحبها أكثر من أي شيء آخر .. ثم حلفتني ! وحلفت ..
فيصل هل تعدني أن تحبني مهما حدث .؟!
وانقبض قلبي وقلت لن يتغير في قلبي شيء ! سارة ماذا بك ..
تجاهلت سؤالي وراحت تتحدث عن ابتعاث هيفاء لأمريكا .. وكنتُ سعيداً بأن الموضوع تحوّر !



- أحبها وتحبني يا فهد ، هذا مالا أشك فيه ، لكن أحاديثها باتت تخيفني !
- كيف !؟
- الأسبوع الماضي كانت تقول ،لو ضمنا بيت يافيصل لجعلتك تمشي على كفوف
الراحة وجعلتك الأسعد بين الرجال .. وأنت تعرف مابين سطور هذه الجملة !
وقبل يومين ، كنا نتحدث عن الأطفال ،
فجأةً تغير مجرى الحديث وصارت تتمنى طفلاً يشبهني ! وأحدثها عن قريتنا وتقول لي عدني أن تأخذني لها يوماً ..
كانت أحاديثنا يافهد ممتعة لذيذة ، لا أدري ماسر هذه الأحاديث الجدية فجأة

- أرأيت يافيصل كلهنّ هكذا ، يبدأن بالحب ونشوة العاطفة ثم يرتفع سقف الأمنيات !
تريد نصيحتي ؟ اهرب . انفذ بجلدك ياصديقي الأمر سوف يستفحل

- أهرب ؟! أنت مجنون؟ لا حياة بدونها ، أريد أن أقول لها أن تكف عن هذه الأحلام وأخشى جرحها !

- هل تذكر حديثنا عن الصقر والتحليق والإفتراس ؟ يوم قلت لي أن حبكم عذري !؟
ياصديقي أنت الآن مجرد صقر مثلي ومثل أي أحد .. لا تريد الزواج بها وتريدها ان تبقى تسلّيك !

- لن أفرط بها هل تسمع ؟ لن أفرط

تباً لدنجوان ، كعادته ، يتحدث وكأنه العارف بواطن الأمور .. لا يكف عن التباهي كطاووس !
أحبها ولن أهرب منها ، وسأبقى معها مدى الحياة .
"مدى الحياة " ..وشعرتُ بوقع الجملة غريباً .. أليست جملةً حمقاء ياقلبي؟!



* * *

راحت إجازة الصيف تجري .. الأخبار السعيدة تتوالى تباعاً :
قصصي باتت تنشر في الجرائد بشكلٍ شبه اسبوعي ، سارة تستقر معي في الرياض لم تسافر ،
أتلقى الإشادات من المحرر و القراء ..
ولم يتوقف الأمر هنا ...كانت أيامي الفرائحية تتناسل ..
في الصباح زُفت لي البشرى ، صرتُ معلماً ..
تم تعييني في الخرج قريباً من الرياض التي أسكنها .. هذا يعني أني لن أرحل يامدينتي ..
كانت سارة مبتهجةً بنجاحاتي ، رغم مسحة الحزن التي تكسوها وعبثاً تخفيه حنجرتها ..
قالت عيّنوك فوراً لأنك متفوق ، وقلتُ في نفسي أنتِ لا تعلمين شيئاً .. في الرياض تعمل الأسماء أكثر !
أخبرتني أن كل قصةٍ أنشرها تحتفظ بها في ملفٍ خاص.. كتبت عليه " دوستويفسكي " ..

- يوماً ما إذا اشتهرت لا تتنكر لي يافيصل هههه
- وهل أستطيع ، سأذيع اسمكِ عرفاناً على الملأ ، صحيح أنكِ ستدخلين في مشاكل مع عائلتك لكن هذا حقٌ لن أكتمه الناس !

تباً للدعابة الغبية، لماذا جئت بسيرة عائلتها .. هاهي بدأت تكتئب !

سارة تخفي عني شيئاً يدور في محيطها ولست أعلم ماهو ..
والعجز التام .. هو أني أريد أن أسأل وأخشى ..
أخشى أن تتعكر فرحتي ، أخشى أن لا أملك دفعاً للقادم من أخبار .. أخشى أن أعرف أني عاجز !
تركتُ الأمر .. وتركتها مع اكتئابها قليلا ً، ورحتُ أقص لها قصتي التي سأنشرها غداً ..
كانت على الخط ، وكنت أسرد ما كتبت .. وعلا صوتي متحمساً مع سطوري ..
وبدأت أعرف أنها لم تكن تصغي
كانت تنتحب ، وتوقفتُ عن القراءة.. ثم بكَتْ وخشيتُ السؤال .. واعتلاني الوجوم !
أخذت تصرخ " أحبك " .. ولم أقل لها أي شيء ..
طويتُ قصتي وأودعتها الدرج ولم أسأل ، لم أقل لها حتى أني أحبك ..
وعرفتُ أن في الأمر سراً لا طاقة لي بدفعه ..


- فيصل أريد أن أخرج معك لأي مكان !
- ماذا ؟!
- فيصل أرجوك ، أريد أن نخرج ، أريد أن أكون معك...

شعرتُ أنها تريد أن تقول " للمرة الأخيرة " ، أو هكذا توهمت لا أعرف !

هل أيامنا بدأت تتصرم ؟! أأسألها ؟! تركتُ الأمر يمضي دون أسئلتي ..
وبقلبٍ منقبض سألتها :
أين تريدين أن نذهـ

بصوتٍ باكي قاطعتني :

- فيصل أي مكان !

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:28 am

26

السؤال فخ ، إن سألتها فقد أوقعتُ نفسي في الشَرك !
تركتُ حزنها الذي تحاولُ جاهدةً أن تخفيه ، تركتهُ كأني لم ألحظه .. مارستُ معه الهروب ..
كنتُ على مدى أسبوع أحدثها عن الروايات و قصصي و تفاصيل يومي ، أحاول إضفاء المرح ..
وكانت تحاولُ حثيثةً مواكبتي .. لم تفضفض ، لم تشتكِ لي ، لم تحاول حتى أن تستدرجني لهمومها ..
أتحدث ، أضحك ، فإذا افتقدتُ صوتها وسألتها " سارة معي " ، تجيبني بـ " أحبك " !
كانت هذه الحروف الأربعة أفضل ماأعرف في الأبجدية ، وكان تكرار هذه الكلمة يمر على السمع مرور المرة الأولى ..
لكن في هذا الاسبوع .. كانت تخيفني ، نبرتها الأشبه برنة وترٍ حزين ، كان تخيفني أكثر!


غوته يقول : لتسمع إجابةً جميلة اسأل سؤالاً جميلاً ، حسناً ، كنت أعرف أن أسئلةً مثل :
" مابك ؟ تكلمي ؟ فسري لي الأمر " تحملُ ضبابيةً معقدة !
آه ، كنت أتوق لنطق هذه الأسئلة ، لأكون لها سنداً كما كانت لي في كل أمر ،
لإشعارها أني الرجل الذي يُعتمد عليه ، الذي يهتم لأمرها ..
لكن هذه الأسئلة لا تُرمى هكذا وحسب .. هذه بحساب غوته أسئلةٌ ليست جيدة ، تستحق إجابات غير جيدة !
بقيتُ على ضفاف همومها ، تركتها تتأوه عني بعيداً ، أهملتُ انكسارها بأنانيةٍ كنتُ أرتكبها قسراً ..
عرفتُ بحدسي أن السؤال بابٌ يطل على أحد أبواب جهنم ، فتحهُ يعني اندلاع لسانٍ لاهب .. وتركتُ الباب خلف ظهري !
لم يكن هذا القرار خياراً ، كما لم يكن إجباراً .. الأسوأ أنهُ كان مزيجاً من الإثنين ..
ولستُ غبياً لأهاتفها فيجيء صوتها مبحوحاً تعلوه نغمةٌ أشبه بنغمة من يعاني زكاماً .. ثم لا أفهم !
لا، لستُ غبياً ، كان واضحاً بكاؤها لكني كنتُ أتغابى !


صعقها لي بالطلب الأخير " أريد أن أكون معك في أي مكان " ، لم يكن طلباً عادياً ..
" أريد أن أكون معك " طلبٌ مبرر بين حبيبٍ وحبيب ..
"......في أي مكان" ، إضافةٌ لاتنقصني الفطنة لأميز ماذا تعني، ولا تعوزني الفطنة لأفهم ..
أعرف جيداً ما نوعها ، وأعرفُ أنها تنازلٌ عن قناعات كثيرة ..
كانت رغم كل ثقتها ، تخشى أن نلتقي في مكانٍ يخلو إلا منا ، وكنت ألتمس لها العذر تماماً .
كنتُ بعد عشاء "الشرفة " واجهتها مرتين في السوق، ومرةً حين خرجت من مشغلٍ أنيق ،
ومرة في المستشفى حين علمت أنها تزور صديقتها ...

لم تكن لقاءاتنا هذه رسمية ولم تختلي قلوبنا ببعضها ، كانت أشبه بسرقة دقائق من حساب الوقت ، أشبه بمغامرة لذيذة ،
الأغرب ، أن هذه اللقاءات كانت لذتها لا تقل عن بقائنا الطويل في ذلك العشاء السعيد ..
ولا أظن عاشقاً اسكندنافياً يبحر مع عشيقته الصهباء فوق زورقٍ في بحيرة ستورافان بأكثر من قلبينا حبوراً بهكذا لقاءات عابرة ..
في الرياض ، وقت العشاق قليل وأماكن لقاءاتهم مجنونة كجنونهم ،
لكن بحساب المتعة والفرح تأتي أثمن من أي لقاءٍ في أي وطن آخر !

كنت أقول لسارة :
العشاق في الرياض أطفالٌ يريدون أن يلعبوا والكل ينهرهم ، تجدينهم يختلسون دقائق بسيطة حين يغفل الكل ويمارسون لعبتهم المجنونة ..
الحب المغامرة الجنون التشويق التمرد .. كل هذا لن يفهمه أطفالٌ في أوطان أخرى يملكون الحرية لأن يلعبوا متى ما أرادوا ..
هم أطفالٌ يشاركوننا ذات اللهفة والحب ياسارة ، لكنهم لا يشاركوننا جنون المغامرة ..
.. ودقيقة حب في عاصمتنا ، تعدل ساعات في أوطان أخرى !
ووحدها كانت تفهم ما أعنيه حقاً ..



أتذكر جيداً لقاء المستشفى ، أخبرتني أنها ذاهبة لزيارة " منى " صديقتها التي وضعت مولودها ، مستشفى الجامعي !
كانت تتحدثُ لي كأي يومٍ آخر ، تخبرني ماذا ستفعل وأين تذهب ثم أخبرتني ماذا ستهدي لصديقتها ،
وكنتُ ألتقط الخبر كصيدٍ ثمين أو مغامرةٍ مجنونة ...

وقفتُ يومها عند مواقف المدينة الطبية ، سألتها سؤالي المعتاد أين أنتِ ؟ قالت "لست في البيت / ندخل الجامعة" ،
وابتسمت بشيطنة طفل ، وترصدتُ لهودجها .
رأيته يدخل ويتوقف قريباً مني، ثم رأيتها قد نزلت وحدها .. كانت تمشي عبر الممر الضيق الطويل المؤدي لبوابة الدخول ..
كانت تحمل ورداً وشوكولا .. أتيتُ خلفها " تسمحين أساعدك اختي "
وقفت مذهولة ، لكني أخبرتها أن تستمر في المشي معي ولن ينتبه أحد " تحركي يا خبله لا توقفين هه " ومضينا كزوجين !
أوصلتها حتى باب المصعد ، وانتظرتُ أن يخلو بنا دقيقة لكن في كل مرة كان يمتليء .. كان وقت ذروة الزيارة ..
يومها استسلمت وركبنا مع جموع الداخلين ، وكانت تتحلق يدي غير آبهةٍ بأحد ،
ثم تركتها تمضي لقسم الولادة وخرجت ..
أرسلتُ لها وهي عند صديقتها " خسارة ، كان المصعد ممتليء! " و ردت على الفور " عطاك الله على قد نيتك ههه " !
وابتسمت وأنا انصرف .. في الرياض يكفي الأطفال دقائق من اللعب !


..ليلتها ، حدثتني عن جنوني وشغفها بي،
أخبرتني أنها من فرط سعادتها اقترحت على صديقتها تسمية المولود فيصل !
وضحكنا كطفلين معاً ..


هذا كان في أول الصيف ـ يوم كانت البسمة شعارها وشعاري ، وأحاديثنا أطايب لا تُمل ، يوم كنا نتبوأ من جنة الحب حيث نشاء ..
شيءٌ ما اختلف الآن ولست أجهل .. وأعرف أني أجبن من أن أسأل !
أشعر بهواءٍ حار بات يلفح وجوهنا، ليس الصيف !
و تلك النسمة الباردة بدأت تقل رويداً .. وتسربلني الخوف ،

ها هي فاجأتني تطلب مني بإلحاح أن تكون معي في أي مكان ..
ورحت أقلب الأمر في رأسي :
ألم يكن صيفنا فعالية قلب ، ألم نجعل من عاصمتنا سياحةً للحب ؟!
أليس كل ختام للعرض عبارةٌ عن حفل ضخم ..
حسناً ..

لم أتردد :

- في أي مكان ؟
- نعم .
- ..سارة أستطيع تدبر أمر شقة ! موافقة ؟

صمتت طويلاً ، وفكرتُ أنها على وشك الإنفجار فيني غضباً :
وأجابت بذات نبرة الحزن :

- موافقة يافيصل .

* * *


هكذا انتزعت منها هذا الوعد .. لم يكن الأمر صعباً كما توقعت ، بدا لي أنها محطمة للحد الذي لم تعد تبالي أو تفكر !
لم يضمنا من قبل سقفٌ مشترك ، لم ننعزل عن العالم من قبل ..
غرفة المطعم يومها كانت مليئةً بالضجيج الذي يلفنا ،
أن نختلي في غرفة هذا أمرٌ أعرف ماذا يعني وحسبي أنها وافقتْ !


ماذا أريد منها ؟ هل أؤذيها ؟ بالتأكيد لا ..
هل أطبق نظام الفرائس الذي حدثني به فهد ؟ لم يدر في خلدي ..
فقط أردتُ أن نكون لوحدنا طويلاً .. وحينها سأسألها عن كل شيء ،
وإن بكت ستجدني بجوارها لترتمي فوق صدري وتبكي حتى تهيد ..
حتى الجواب ، إن كان مراً .. فسأجدها بجواري لأبكي بين يديها كطفلٍ أتعبهُ الألم .
نعم سأسألها عن حزنها وذبولها .. لن أنتظر حتى تغيب عني فجأة ، أدركتُ إن الإنتظار ليس قراراً !


إن كانت ستذهب من يدي ، فـ لتذكرْني بموعدٍ لن تنساه !
بصمةٌ أطبعها في الذاكرة ، كي لا ترتكب معي الخيانة الأقسى بعد أعوام : النسيان ..
إن كانت ستفلت من يدي ، فـ سقف أمنياتي ينخفض للحد الأدنى :
أن تذكرني دوماً ، أن أحفر نفسي في ذاكرتها طويلاً ..
ولهذا رحتُ أطلب منها بكل جراءة أن تلفنا غرفة ٌ واحدة ..


أحقاً أريد منها فقط أن تتذكرني بهذا الموعد الجريء ؟
وأن أجلبها لمكانٍ معزولٍ إلا منا لأتحدث لها ؟!
أحقاً هذا ما أريده منها ؟ هل أنا الآن أستغل ضعفها وسذاجتها .. واندفاعها في الحب ؟
كنتُ أهرب من سؤالها عن حزنها ، والآن بتّ أهرب من أسئلتي لي ، أنا !

قديماً كنت أستمع المحاضرات والخطب الدينية ، كانوا يحذرون الفتيات من الذئاب البشرية ،
ونظرتُ لوجهي في المرآة ، وسألت نفسي :
هل أنا ذئبٌ بشري الآن ؟!
وأجبت نفسي على الفور ، لا .. أريد فقط الإختلاء بها للحديث ،
ألم يكن جميل يختلي ببثينة كل ليل في مواسم متباعدة ولم يطلها منه سوء ..
ألستُ امتداداً لقبيلةٍ مجنونة في العشق لها تقاليدها العريقة في درء السوء عن المحبوب !
نحنُ العذريين لا نبالي إلا بالحب ، وبمن نحب ،
لا فرق أكنّا بين جموع البشر أم ليس يرصدنا إلا ضوء القمر ..
ثم أسأل نفسي أخرى : أأنا مقتنعٌ بما أقول أم أن شيطاني يمهد لي الطريق!


" إيه ، سأذهب معك "
هكذا وافقتني ، قالتها بإصرار ،كأنها تنطق هذه العبارة من قبيل التحدي و لا أدري تتحدى من ..!
لم أخبر فهد .. وكتمت هي الأمر عن صديقتها هيفاء ..
كأننا تواطئنا أن نحجب هذا الأمر إلا عن قلبينا فقط ..
لن تستوعب هيفاء ثقتها بي .. ولن يستوعب فهد أني أريد الخلوّ بها للتناجي ليس إلا ،
وآخر ما ينقصنا .. أفواه الثرثرة !

* * *




في ليلةٍ غريبة من ليالِ الصيف ..
كانت الرطوبة عالية أو هكذا ظننت .. رائحة المطر أشتمها في الأرجاء دونما هطوله !
حين توقفت سيارتي أمام عمارةٍ في وسط الرياض ، و خرجتُ منها وخرجَت سارة ..
كان المكانُ هادئاً كبيت عقيم !
وكان الظلام يغطينا ويغطي الرياض كبحر .. كأنما نمشي في قعره لسنا نسير على رصيف !


وصعدنا الدرج نتهادى كعريسين . . ووصلنا الشقة رقم 13 .. وفتحتُ الباب ودخلنا !


أخذتها من أحد الأسواق كعادتنا ..
كنتُ سرقت دفتر العائلة الخاص بأخي من درج سيارته ، محمد أشد إخوتي بي شبهاً ..
كان كل شيءٍ يسيرُ كما أريد .. الرياض تساند شجعانها ..
الرياض تحترم شجعانها يا قلبي .. تساعدهم حين يكسرون جمودها الذي فرضه الآخرين عليها !
بواسطة هذا الورقة كنت أستأجر هذه الشقة كمسافر متعب وقف للراحة مع زوجته ..
جنون ؟ لا بأس !



أصعد وتصعد معي ، صوت كعبها يقرع الأرض ليخبرني أني لستُ أحلم وأن جنوني حقيقة ..
لا صوت في الجوار إلا صوت خطواتنا ، كأنما نسير في مكانٍ أحيط بعذاب والناس صرعى ..
آمنت أن الأرض أرضي .. وأن هذه العاصمة كأم ، لهذا لم أعد أرتكب الخوف ..
شيٌ واحد كان يقلقني :
حين أغلق خلفي وخلفها الباب .. أحقاً أريد منها الحديث ؟!
ماذا أريد منها ؟

ثم أعود لوعيي وقلبي .. وأعرف أني لن أخدشها .. وتعرف أني لن أفعل ..
وأنها وردةٌ بين يديّ لن أجعلها تذبل ..
أريد أن أحدثها، نعم هكذا ، و على انفراد عن العالم كله .. نعم على انفراد !

أريد أن أقول لها كل شيء ، وسأشرح لها كل شيء دون أن أجرحها ..
أريد أن أحتويها حين تبكي ..
ثم أعود أسأل :
وماذا بعد الحديث .. هل أريد أكثر ؟!



لم نخبر أحداً من أصدقائنا.. كأننا ندرك كمية العتاب الذي سنتلقاه!
تعرف اكثر مما أعرف اننا نتهوّر ، لكن ما في قلوبنا عصيٌ على الشرح للآخرين ..
ودخلنا وأغلقتُ الباب سريعاً .. أكنتُ أخشى دخول إبليس الذي كان يحدثني وأنا أصعد بها الدرج !
ومشينا نحو غرفتنا!

.. وجلسنا على مقعدين متقابلين .. وكنت أسمع نبض قلبها وتسمع نبض قلبي !
ودفعاً للحديث سألتها : خائفة ؟ هزت رأسها بـ لا ...لكن لم تقلها .


كان وجهها شاحباً تماماً ، ونحيلةٌ للحد الذي خِلتها سمراء أخرى ..
تباً ليدي التي تفضح توتري ، عبثاً استطعت كبح جماح رعشتها، قالت لي ذات مرة : أحب منظر العروق في يدك !
ماهذه الرعشة يايدي ، هل جرى الشيطان في عروقك الآن مجرى الدم وبدأ تحريضك !
كلما أطرقتُ برأسي ظننتنيي في حلم ، و كلما رفعته ، رأيت سارة ثم ازدردت ريقي غير مصدق!

ترتدي بنطلون جينز أسود .. تيشيرت أبيض ، وشعرها منسدلٌ للوراء عليها مسحة حزنٍ جعلتها أشهى !
كانت بسيطة ً جداً لكنها أنيقة للحد الذي ترمي بأبجديتك في التيه وعبثاً تحاول بدأ الحديث معها ..
جلست وقدمت لي مغلفاً أنيقاً .. فتحته وكان يضم درعاً فيه مباركةٌ لي
"مبروك أ.فيصل "
شكرتها .. وبدت بسمتها الشاحبة ، وذكرت ديكنز يوم قال السعادة أهم أدة تجميل ، وأردت أن أقول له حتى الحزن يجعل سارة أجمل !
وجلست أتأملها طويلا ً ..



- سارة أتعلمين لماذا جئت بكِ هنا ؟!
- لماذا
- أريد أن تحدثيني بكل شيء .. كل شيء
- فيصل
- لم أطلب منك ذلك في الهاتف ، أردتُ أن أكون بجوارك حين تتحدثين
أتظنين أني غبي لا أعرف نبرة الحزن في صوتك !؟
- آه يا فيصل .. دعنا عن هذا الحديث الآن ..

جاءت وجلست بجواري .. وضعت رأسها على كتفي ..وهمست لي :

- هل صحيح يافيصل ، أننا الآن نعيش بين هذه الجدران سويةً .. وهذا السقف يغطينا معاً
أخبرني أني لا أحلم .. أرجوك

- لا لستِ تحلمين ، أنظري انا هنا ..
مررتُ يدي على خصلاتها .. ورفَعَتْ عينيها إلي ..

..




- نعم ؟!
- افتح الباب

وفتحته ، ثم لا أدري ماذا حدث ..

آخر ما أستطيع تذكره ،
أن موعدنا امتلأ برائحة المسك ودهن العود ..ورجالٌ غاضبون يسألوني في حزم !
وعرفتُ أني أقل من حماية أنثى أحبها ..
وعرفت أن الرياض تمهل شجعانها ولا تهملهم !
وسمعت سارة تصرخ باسمي .. وبكيتْ ..
وذكرتُ حزنها ومصيري و مصيرها .. وبكيت أكثر ..
كنت أضع قميصي فوق رأسي والناس ينظرون .. وأصم أذني عن صراخ حبيبتي .. كان يخترق سمعي !
ورحت أبكي ..
وانطلقت كل سيارةٍ بقلب .. نحن القلبان الذين جئنا في سيارةٍ واحدة معاً !
ولمحتها في هودجٍ احمر ، ليس الفيرانيّ الذي أحب ..
وانهارت أحلامي و بكيت ..
أردت أن أصرخ في الجميع أحبها لم أؤذيها .. كل مابيننا حب، ولكن لن يصغوا وسيظنوني كأي ذئبٍ مفترس .
صرختها بإسمي شقت أذني .. وكنت أقل من أن تطلب نجدتي ..
وبكيت أكثر ..
وأخذت ارقب الأرصفة والشوارع وهي تمر بسرعة ، وشتمت الرياض وشتمت نفسي .. وذكرت سارة وحزن سارة وبكيت أكثر ..
لم يرحمني أحد ..ولن يرحمها أحد ،
لو عرفتُ أني سأكون في هذه السيارة الغريبة كعاجز عن دفع الأذى والفضيحة عن محبوبته ،
لو حسبت حساب أمري هذا ..
كنت أحضرت سم الزرنيخ معي .. وابتلعته الآن ، أي هوانٍ كنتُ فيه وأنتِ تصرخين بإسمي وأعجز عن إجابة !
ورأيتُ الرياض على حقيقتها وأنا مكومٌ في الخلف بين اثنين لا أعرفهم .. وعرفت أنها تخاتل العشاق ولا ترحمهم ..
وشعرتُ بها هازئةً بحزني ..
وعرفت ان الرياض مدينة لا ترحم عشاقها .. بل تسفكهم على قوارع طرقاتها ..
وأنها لا تشجع المتمردين على كسر خصوصيةٍ كنت أظنها لا تُريدها .. بل كانت تؤمن بخصوصيتها وتعاقب المتطاولين عليها !
ورأيتُ الأرصفة والبنايات والسيارات المتكدسة في الشوارع كلها تلوك إسمي، كانت تمر سريعاً أمام عيني ..
وأغمضتُ عيني..وقلت ليت الحياة كابوسٌ نُفيق منه فجأة .. وفتحتُ عيني .. وعرفتُ أني انتهيت ..
لماذا لم أنتبه لرائحة المطر الموحشة هذا المساء .. كان نذير خيبة ..
ولماذا لم أقرأ رقم الغرفة جيداً " 13 " كان رقم الشؤم عالمياً
لماذا حين كنت قريباً من سارة حد القُبلة ، دب البعد فجأة ! يالسخرية الرياض
ورحت أبكي .. وأعادت ذاكرتي اللعينة صوت صرختها بإسمي .. صرختها الخائفة .. وعجزي عن إنقاذها من حريقٍ سيندلع في سُمعتها ..
وبكيت أكثر ، لم يواسيني أحد ..
من وشى بي ، متى تبعوني .. لست أدري..
كانوا يرددون من حولي كلمةً أدمتني، يكتبونها في أوراق تخصني وتخصها ،
وأعرف أنها لن تنتهي عند لحظة حزني هذه :

خلوة .. خلوة غير شرعية !

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:28 am

" الــجـزء الـثــانـي " / 1


27


شهران مرّا كأنهما الدهر .. سارا على مهل .. في كل يومٍ كنت أموت سبعين مرة !
شهران انسلخا من عمري كأي ورقةٍ مُزِقَتْ من كراسةٍ لا تحوي في سطورها شيئاً ..
هل كنت حياً .. نعم ، هل كنت ميتاً .. نعم .. حُطام إنسان وأشلاء قلب ..
وعرفتُ أن الموت ليس النوم في كنف المقابر ..
بل أسوأ أنواع الموت ، ذاك الذي تعيشه في غرفتك وبين أهلك وأنت معدودٌ من الأحياء زوراً !

شهران مرّا كقافلةٍ مثقلة بأحمالها ، تنوء جِمالُها الهزلى بالتعب ، سيرها رتيبٌ أشبهَ بوقوف !


شهران وأنتِ ياسارة حلمٌ لا يفنى في مناماتي ، وطيفٌ يستبد بذاكرتي ، ووجهٌ يبرز في كل وجهٍ أراه .. وصوتٌ أسمعه في كل نبرة !
شهرانِ ما أنا إلا شيخٌ ثمانينيٌ يرفل في العشرين ، ممزقٌ أحاول الثبات أمام أهلي وطلابي وتفضحني عيونٌ تُثرثر بحزني لكل ناظر !
شهران ، كل وقوفي إنحناء و كل بسماتي بكاء ..
حتى مشيتي لم تعد هي مشيتي ، صيّرني الهم محدوب الظهر .. أشعر بحدبةٍ تنام في ظهري وهم لا يشعرون ..
شهران كان الدمع نديم الليل .. وصديق عزلةٍ عدتُ لها جبراً .. عدتُ لها رجلاً أعمى يسير بلا عصى !


قبلكِ يا سارة .. كانت عزلتي باختياري ، تركت المدينة وصخبها خلف ظهري .. مستمتعاً بوقتي ..
بعدكِ ياحلوتي .. ما عادت عزلتي خياراً ، صارت مرضاً نازلاً وإقامةً جبريّة
، بتّ أخشى الناس .. أقرأ في عيونهم حديثاً تكتمه أفواههم !
آه ياسارة .. شهرانِ لا أدري أأنتِ هنا في عاصمة الأشباح ، أم تلقفتكِ ديارٌ جديدة ..
بل أعظم من ذلك .. أأنتِ من الأحياء فأرتجيك ، أم مع الموتى فأبدأ الندب والرثاء حتى أنسى !


شهرانِ مرّا بعدكِ .. بعد غيابك .. كأنما فقد الكون فيها جماله .. كل شيء استحال شبحاً لما كان عليه يوم كُنا معاً !
زرقة السماء و روعة الغيوم وخضرة الأشجار .. كل شيءٍ بَهَتَ في بصري..
أدركت أن الحياة بعد من نحب ، كالعودة لشاشة الأبيض والأسود بعد إعتيادنا البث بالألوان !
وأدركتُ أن شيشرون كان يعنيني حين قال ، أشقى أهل الأرض ، من يحمل ذاكرةً قويّة وذكرياتٍ مرة .


آه سمرايَ البريئة ..
صرختُكِ في أذني قبل شهرين ، في تلك العمارة الكئيبة ، في تلك الليلة الدهماء ..
صرختكِ تلك ، توقظني كل ليلٍ لأبكي ، تأتي كأنها عقاربُ ساعةٍ تدقّ لتقول قُم وابدأ تراتيل الدموع ..
أسمعها الآن ، أسمعها وأنا نائم ، وأسمعها بين ضوضاء طلابي وأسمعها وأنا أصغي لأمي !
" فيييييييييصل " صرختكِ لم تكن أربع حروف ، وضعتِ بعد الصاد ألِفاً ممدودةً كسكينٍ تمزقني..يا لحرف المد الممتد كنصلٍ غادر ..
نطقتيهِ في إسمي دخيلاً خامساً ، هو الآن ما يعبث بملامحي كريشةٍ هوجاء
تلطخ لوحة .. كل ما طنّ في أذني تمعّر وجهي وصَمْمتُ أذني أشبه بنوبة صرع !


كان إسمي غريباً يوم اقتادوك من ذاك السلّم المدروج .. يوم صرختِ بإسمي ،
آه لو لم تصرخي .. لكنتُ الآن في حرزٍ من بعض هذا الأذى !
أكان نداءً أم عتاباً .. أكان طلب نجدة .. أكان ندباً وبداية مشاريع الرثاء !
أم هل صدقتِ أني رجلٌ يحميكِ كل مرة !
يا لهواني يومَ رأيتكِ تركبين هودجاً ليس هودجك الأثير ..
كنتِ تتلفتين في الجموع الغاضبةِ بحثاً عن وجهٍ مألوف ، كنتِ بين الغرباء تُقتادين أشبهَ بمجرمة ،
وصوت بكائكِ يركبُ الفضاء محمولاً لسمعي .. يزفه الهواء كشامت !
كنت أراكِ وأخشى أن تقع عينك على وجهي الباكي .. بحثتِ طويلاً ولم يرحم دموعك رجلٌ يصرخُ فيك " اركبي يالله " ..
ولا متطفلون أطلقوا لهواتفهم متعة التصوير ..
كانت فلاشاتهم حريقاً يندلعُ في قلبي .. وأردتُ أن أنطلق فيهم ضرباً لكن كنتُ في قبضةٍ أقسى من الفولاذ ياسارة .. فهل تعذُرين !



آه يا تلك النظرة التي بقيت معي ستين يوماً .. وستبقى معي حتى أموت ، لن يحميني منها رجلٌ قويٌ اسمه النسيان !
يوم دارت عيونكِ في الحشد المخيف ، كأنما تبحثين عني ..
وقبل صعودك تلاقت عينيك بعيني .. وذكرتُ ماجد يوم التقت عينانا أول مرة .. وأردتُ أن أقول لعينيك انصرفي ولكن طال مكوثها في وجهي !
نظرتِ لي وشعرتُ بسؤالكِ يصفعني : أحقاً انتهينا ! أحقاً كنا قبل قليل نستعد لقبلة ! كيف صرنا هكذا يا فيصل كيف صرنا ..
لم ينقذني من عينيكِ إلا لكزةٌ من رجلٍ كان خلفي ، وأردتُ شكره .. كان
ملاذاً من عينيك الحزينة .. آه ياعينيك .. كانت جميلةً رغم رعبك !



شهرانِ منذ أُخذنا غيلةً .. منذ هجموا علينا كـ نسخٍ عديدة لعزرائيل ، لكنّ
عزرائيل أرحم .. كان سيُنهي كل هذا الجدل ويتركنا للسبات الطويل ، لكنهم
لم يفعلوا !
فرقونا حتى في السيارات ياسارة ، وضعوني في سوداء بلون الليل .. ووضعوكِ في حمراء بطعم الدم .. وانطلقوا بنا ..
نحنُ الذين لم نؤذي أحداً منهم .. كل ذنبنا أنّا آمنا بالحب في بلدٍ تكفر به!
نحن الذين جئنا في سيارتي البيضاء .. غادرنا على أخرياتٍ ليست لنا ولم نأتِ بأي منها ..
جئنا لموعدنا كطائرين رفرفا لعشٍ يجمعهم ساعةً من ليل ، وغادرنا لوكرٍ أشبه بكهفٍ في جبلٍ لاتعرفهُ خريطة !
جئنا وكانت يدي تضم يدكِ ياسارة .. و رحنا وأيدينا تضمها أيادٍ خشنةٌ لسنا نعرف أصحابها..
راحوا بنا .. قطعوا الطريق على ليلتنا الموعودة .. اقتادونا دون أن نعرف تهمتنا .. كتبوا خلوةٌ غير شرعية ولم يكتبوا الحب ياسارة ..
اتهمونا بالفجور لم يتهمونا بتهمتنا الحقيقية .. أكنّا فاجرين ولم نعرف ؟!


مضوا بكِ أمام عيني ، اقتادوكِ جبراً ولم يأبه لصرختكِ منهم أحد .. لم يأبهوا لانكساري !
روسوا يقول : الإنسان أرخص سلعةٍ في السوق ، في الرياض ماذا عساه يقول !!
ألم يعرفوا أن لي معكِ أياماً جميلة ..وأحلاماً كبرى..ولي هيبةٌ في قلبك واحترامٌ لم تمحضيه لبعض محارمك حتى !
يظنون أني مجرد ذئب ليس يحملُ شرفاً ولا قلباً ينبضُ عاطفةً ، أهانوني أمامكِ وأنتِ تنظرين لي أشبهَ بعاجز!
نسوا أن الحبيب قريب .. ولهُ بعض كرامة !
لم آبه لنظراتِ الناس، أقسم بالله كنتُ خجلاً من عينيك أنتِ..

مضوا بنا ..كنا قلباً وحيداً وجسداً وحيداً .. شطرونا لنصفين وانطلقوا بنا ..
وارتفعت نداءاتهم اللاسلكية كقابضين على مروّجين لهيروين .. وأردتُ أن أقول روّجنا حباً ليس أكثر وخشيتُ منهم !
وتوقفت سياراتنا أمام أول إشارة ، كانت حمراء كبقعة دم ..كـ دمي ودمك المسفوك غيلة ..
ورأيتُ بين جموع السيارات هودجك الجديد ..وسمعتُ صوت بكائكِ رغم الزجاج ورغم ضوضاء المدينة ..
وبكيتُ في تلك الدقيقة مالم يبكيهِ يعقوب على يوسف أعداد السنين ..
ولم أجد حضناً يحتويني إلا باب السيارة الذي يلاصقني .. رميتُ خدي على نافذته وبكيت وكان يسندني ..
أليس غريباً ياسارة أن يرأف بك حديدٌ ويقسو عليك البشر !



آه ياسارة ..
وامتطوا بنا طرقاتٌ لم نكن نعرفها .. ما عرفنا أننا في يومٍ سنسلكها مع آخرين يقودوننا كأسرى حب .. أسرى حرب !
آه .. لو عرفنا .. آه .. لو كنت عرفت نهايتي وهواني الآن .. لكنتُ قمتُ من طاولة ماجد أول يومٍ جئتِ حاملةً جهازك !
لكنتُ غادرتُ المكان لو كنتُ أعرف أن نهايتي معكِ خذلانك ..
و كنتُ مزقت رواية الأبله ولم أهديها إليك ولم أكتب لك فيها رقماً أودى بكِ في هذه الهودج الأحمر البعيد عن مرآي ..
لو كنت أعرف أن نهايتنا تهمة حب ، وقيودٌ على قلبينا قبل معصمينا ..
لكنتُ نهرتك يوم قلتِ لي " رائعةٌ رواية أحلام هذه " ..وقلت لك " انصرفي " ولم أفرح بحوارك ذاك ..
يا لذاك الحديث البعيد .. أبعد من طيف ابتسامة !



يومها ياسارة .. بكيتُ بينهم مرتين ، عليكِ وعلى نفسي .. وقلتُ دعوها واقتلوني .. وصرخ بي من لستُ أعرفه " اخرس " وخشيتهم ..
أي جبانٍ أنا وأي اختيارٍ لحمايتكِ اخترتي !
سألتهم " ماذا ستفعلون بها " لم أقل ماذا ستفعلون بي .. وفتشتُ في أسمائهم عن قبيلتي ولم أجد إلا الغرباء ..
وأردتُ أن أقول اسألوا إمام مسجدنا و عميد كليتنا و أبناء حارتنا ..
لستُ سيئاً .. ما أنا إلا رجلٌ أعطاهُ الله قلباً فأحب .. وبصراً فعشق .. وأردتُ أن أقول لهم عذبوني واتركوها .. لكني جبان ..
..جبانٌ يا من صرختِ باسمي تطلبين الغوث !



يومها هاتفتُ أخي ، أخبرته بكل شيء .. أعطيتهُ اسمك الرباعيّ .. قلتُ أدركها قبل أن تغرق .. لكنهُ أخي ..
لن يعرف عاطفةً تدب في سويداء قلبي ..لن يعرف إلا عاطفة الأخوّة ، تحرك فوراً لأجلي فقط !
سامحيني ..
ولبثتُ في الغار أياماً ثلاثة .. كنتُ أدعي الله فيها .. " ربّ أدركها ..
ربّ إنها حزينةٌ قبلي فلا تزدها بعدي " ونسيتُ أن أدعي لنفسي ..
آه لوتدرين ..أتُراكِ تصدقين ؟ نسيتُ أن أدعي لنفسي ..
واستجوبوني كمن حمل حزاماً ناسفاً ألقوا عليه القبض قبل ممارسة إرهابه ..
أنا الذي كل ذنبي أن حملتُ قلباً محباً .. وعاطفةً بريئة ..
" جلبتُها للحديث " وقهقهوا حولي .. وصرختُ ليتأكدوا أن صوتي ليس عواءً .. لستُ ذئباً غادراً .. ولم يكلفوا أنفسهم أكثر من تجاهل !



آه ياسارة .. أقطعُ الطريق من الرياض إلى الخرج كل صباح .. وتقطعينهُ معي وأنا الذي لم أسمع صوتكِ شهرين كاملين !
وأعودُ ظهراً فتعودين معي .. أحدثكِ كمجنون ، أسوق لكِ الأعذار لكن لستِ تجيبين ..
ألمسُ اسفنجة المقعد المجاور أتحسسكِ أنتِ التي كنتِ هنا قبل شهرين .. أين أنتِ الآن مني !؟
صرتُ مجنوناً يحدث نفسه .. وذكرتُ مجنون ليلى وعرفتُ أن الحب دربٌ للسعادة وعشرون درباً للمهالك والجنون ..
شهرانِ كلما قام طالبٌ تلوحُ على سحنته سمرةٌ خفيفةٌ تشبهكِ سرحتُ عن جوابهِ وذكرتك !
شهرانِ كأن القدر يستمتع بعذابي ، وضع لي في الفصل طالبين ينتهيانِ بذات اسم عائلتك .. صدفةٌ مغلفةٌ بالعذاب ..
أتصدقين .. كنتُ أنطق أسمائهم الثلاثية وأحجم عن نطق عائلتك، كنتُ أخجل منكِ رغم أنكِ لا تسمعي !



في اليوم الثالث زفّ لي البشرى أخي ، جاء ينقذني من غار الأمر بالمعروف !
أدركني قبل أن تحوّل قصتي لهيئة الإدعاء العام وأقضي حكماً نافذاً من قاضٍ لن يؤمن أني شابٌ عاشق لست ذئباً كاسراً ..
وسألته "ماذا بشأن سارة " .. وغضِب مني ودفعني أمامه ..
وخرجتُ من ذاك المكان كخارجٍ من كهف .. كهفٍ أظلم .. وشعرتُ بالشمس تطحن بصري .. وأردتُ أن أسألها عنكِ ولم أعرف لغة الشمس ..
كنت أريد أن أقول لها " هل خرجت سارة ، هل رأيتيها أطلّت من هنا " ! كنتُ في شغلٍ عن نفسي ولم آبه إليّ ..
يومها ، أخبرني أخي أن شيخاً من شيوخ قومي .. حدّثَ شيخاً من شيوخهم ..
فأخرجوني غافرين لزلتي ، قابلين شفاعتهُ الحسنة مقيلين لعثرتي ..
ياسارة ، كانوا يحتاجون اتصالاً ساخناً ليصدقوا أني لستُ ذئباً!
وذكرتكِ ياسارة .. وذكرتُ كلمةُ كتمتُها ولم أبدِها لك .. لحاجةٍ في نفس عاشقكِ .. يوم قلت " تعملُ الأسماء أكثر .. في الرياض " !


ومضى بي أخي يخبرني معزياً أن لكل منّا مغامراته ،
وقلتُ له في نفسي " المغامرة هناك ، في تسلق الجبال ومصارعة الأسود والمشي فوق الجمر ، أنا هنا كنتُ محباً لستُ مغامراً "
وأخبرني أن أمري في حرزٍ من الذياع .. ولن يعرف بأمري غيره .. وسألته عنكِ فأخبرني أن كل إنسانٍ لهُ ذووه يذودون عنه ..
وسرَت في قلبي مرارةٌ ليس يدركها أخي ، هل سيرحمك إخوتك وأهلك ، هل سيقولون لكِ كما قال أخي لا تثريب عليك !
هل آذوكِ .. هل أُحيلت أوراقكِ نحو المحاكم يا حلوتي ؟ يا ألله .. أذلكَ الحُسن يدلفُ للمحاكم !
كانوا يقولون لي " تتدرج الإختلاءات ، واختلاؤكم من أشد الإختلاءات تعقيداً " ولم أفهم مايقولون ..
هل ياترى سيصدقون أن جميل يختلي ببثينة ليضع يدها فوق صدره وينام قرير عين ، ماكان عربيداً ولم تكن فاجرة !

وذكرتكِ يوم قلتِ " عدني ان تحب الرياض ، مهما حدث لا تكرهها " وكرهتُ وعدي لك !
أي عاصمةٍ هذه التي سفكت دمي ودمكِ في الأشهر الحرم ، لم تأبه لطفولتنا ولا شقاوتنا البريئة .. أحقاً كنتُ أظنها أماً لي !
كانتْ تواري وجهها عني .. تعرفُ أني غاضبٌ منها .. شعرتُ بها تزور عني .. تتجافى عن عيوني ذات اليمين وذات الشمال ..
آه لو أعرف أبجدية الأمكنة لقلت لها " تباً لكِ يا أماً تقتل أطفالها " !
ولجأتُ لكأسي .. وصرتُ أنهل منه بحثاً عن النسيان يا سارة ..

آه ياسارة .. حتى كأسي الذي أدمنتهُ كلاجيءٍ إليه من عقلي .. كانت صورتكِ تتراقص على سطح مائه !
حتى رائحتكِ تغلبُ رائحته الفاغمة .. وأهذي بكِ في سكرتي كما أهذي في صحوتي .. لجأتُ للشُرب علّ الشُرب يهرس ذاكرتي !
أعبّ كأساً بعد كأسٍ لأنسى .. وتنقضي قنينةٌ بعد أخرى وليس للنسيان نيّة حضور !
وتحمرّ عيني على وقع شُربي .. ويلتهبُ جفنيها على سجائر فهد .. فيسقط الدمع منها مالحاً .. أتلمظهُ فأعرفُ أن عيني دامعة !
لستُ أدري أكانت مهتاجةً من تلبد الدخان فيها ، أو أنني كنتُ أبكي !


ويعزيني فهد ..ولستُ أصغي .. يا للعزاء الرديء " طالما أنك بخير وأمورك انقضت على خير تجاوز الأمر " أتجاوز ماذا ..
هل سمعتِ ياسارة عن رجلٍ أزال قلبه عن جوفه ، وضعهُ على الأرض وطمر فوقه ! أي تجاوزٍ إلا الموت !
أين عشاء الشرفة و موعد المستشفى و فرحتي بكِ في غرفتنا يوم تقابلنا .. كل
تلك الساعات من السعادة لا تقارن بألم لحظةٍ من لحظات غيابك !


شهرانِ حتى صلاتي لم أعد أؤديها .. فقدتُ الإتصال الروحي .. فقدت إيماني ..
وجدّفتُ كثيراً وأظنني ألحدتُ سِلباً ، لم أجد إلا صدماتٍ تصرخ فيني بالشكوك في كل شيء !
فقدتكِ و فُضحتِ و وتعذبتُ كثيراً .. رحتُ أسأل نفسي عن جدوى كل شيءٍ كنت أؤديه قبل هواني ..
وكفرتُ بكل شيء .. وآمنتُ بأني أتمرغ في الوحل بعد الوحل حتى صدغ رأسي !
ماهو الإيمان .. لستُ أدري .. لماذا خُلقت .. لستُ أدري .. ماذا بعد موتي .. لستُ أدري .. لمن أشتكي .. لستُ أدري ..
كلما ارتفع صوتُ آذانٍ سألتُ نفسي أسئلةً لا أملك إجابتها .. واقتنعتُ أخيراً أن كل شيءٍ كنتُ أمارسهُ مثار شك ..
وقرأتُ كتباً لم أكن أقرأها .. ووصلتُ لاقتناعٍ تام لو قلتهُ لكِ الآن لغضبتِ ..


آه ياسارة .. تزلزلت الأرض من تحتي ..ثارت براكين قلبي عليكِ حمماً ترتقي لأعلى ، لعقلي ، فيلتهبَ على سخونتها حتى يكاد يهذي !
فقدتُ كل شيء يوم ملكتُ كل شيء .. فقدتكِ يوم عينيكِ التقت بعينيّ وكنا نقتربُ من قبلةٍ دافئة .. حين دبّ البُعد فجأة !
كان طموحي أن أكون معلماً وقاصاً ناجحاً و قريباً من عاصمتي .. وتحقق كل شيءٍ وذهبتِ وذهب معكِ كل شيء ..


وقفتُ أمام بيتكِ أياماً طويلة .. وكانت غرفتك ظلماء كأنما طُليت بحبر ..
وسائقكِ يخرجُ كثيراً بدونكِ أنتِ .. وأردتُ سؤاله وخشيتُ أن يشي بكِ ..
لربما لا تنقصكِ فضيحةٌ أخرى فأحجمتُ وابتلعتُ سؤالي كخبزةٍ يابسةٍ يبتلعها طفلٌ جائعٌ فقير..
وحلمتُ بكِ كثيراً .. كان حلماً يتكررُ كل مرة :
تجرينَ خائفةً وشعرك من ورائكِ يرقصُ للهواء .. وأمسكُ بكِ .. وأشعر بأنفاسكِ أسرعَ من طرف عين .. وأسخنَ من خماسين صيف :
سارة توقفي أين تمضين .. وكنتِ ترفعين يدي لأعلى وتنفضينها لأسفل ..وتصرخين دعني فيصل سيمسكوني .. وأسألكِ منهم فلا تجيبين ..
وأصرخُ فيك : لماذا كنتِ حزينةٌ يوم التقينا .. فقط قولي لماذا كان انكسارك قبل أن يدهمونا ..
فتنظرين لي بعينٍ باكية وتواصلين الركض ..وينقطع الحلم !
..لأقوم على كثير دمعي و أنين صوتي و أبكي حتى يحين صباح الخرج فأمضي والنوم كأسٌ لم أشرب إلا ثلثه!


هاتفتها كثيراً .. كانَ الهاتف يصرخ فيني " الهاتف المطلوب مغلق حاول
الإتصال مرةً أخرى " .. كنتُ أستمع لهذا التسجيل حتى ينتهي فأقفل !
وقبل اسبوعين ... صرخ بي " تأكد من الرقم الصحيح وشكراً ".. وشعرتُ بشكراً
أشبه بكلمةٍ تأتي بعد صفعة .. أي شكرٍ يتقبلهُ المرء حين خيبة !

بعد ليلةٍ ليلاء .. اختلط فيها دمعي بشُربي ، وغاب فيها عقلي كغياب سارة .. وهذيتُ بها جهراً كما أهذي بها سراً في صحوي ..
كنتُ أعود من الخرج كعادتي في القائلة..سارحاً بسارة .. غياب سارة .. غموض سارة .. مصير سارة ..
في منتصف الطريق ،
عند إحدى المحطات البتروليّة،
عند البقّالة المزحومة ،
أمام البائع الذي يتناول مني قيمة قارورة الماء لأجفف ريقي وأعود لأفكر بسارة ..
صاح جوالي بمكالمة رقمٍ لا أعرفه..


بصوتٍ متعب أجبت :

- ألو

- فيصل ؟

كان صوتاً نسائياً ..

- نعم مين معي ..

- انا هيفاء .. هيفاء صديقة سارة ..


يتبع ...

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:29 am

28

ها أنا في الشقة وحدي ، أرتمي بلامبالاة على الأرض وأرنو للسقف في فتور ..
.. وأعيد في رأسي حديث هيفاء !

أشعل سيجارةً بعد أخرى .. باعثاً مع أنفاسي البنفسجيّة أفكاري ، فـ يتصاعد الدخان لأعلى راسماً وجه ساره ..
كنت في طريقي لمنزلنا ، لكن حديث هيفاء غيّر وجهتي ، أردتُ الإختلاء بنفسي هنا في هذه الشقة المهجورة إلا كل مساء ..
ثلاث ساعات لم أتحرك .. لم أغير حتى وضعيتي ، هكذا ، تمددتُ على الأرض وبدأتُ أستوعب ما قيل ..
أراجع كل كلمة وكل حرفٍ سمعت .


كنتُ أحتاج خبراً يأتي كنهارٍ ينقذني من ظلمتي .. يخبرني أن سارة تعيش معي هذه الحياة ولم تمت ..
خبراً يبتّ في أمر وساوسي التي تعصف بي كل ليل !
كان غيابها الطويل قد بدأ يصيّرها في تفكيري ميتة .. أيقنني بموتها و هذا
أشد ما كان يحزنني .. كنتُ أرثي من لستُ على علمٍ بحقيقة موته !
طوال الشهرين المنصرمين ، وحين أفكر فيها ، كان قلبي يهجسُ بموتها ، ينقبض ، شيءٌ ما يخبرني أنها ماعادت حيّة ..
وأسوأ مافي الفقد ليس الفقد ذاته ، بل إجباره لك أن تنحدر في التفكير ونبش
كل احتمالات الغياب .. كل شيءٍ مرجّح ! هكذا يخبرنا الغياب المفاجيء ،
لهذا .. كنتُ ضائعاً شهرين ، ميّتاً أمضي في زحمة الأحياء .. ولست منهم !

أما الآن .. في هذه اللحظة الآنيّة التي أتمدد فيها على أرضية الشقة .. الأمر اختلف !
بعد أن هاتفتني هيفاء .. شعرتُ أن الروح تسري فيني من جديد ، وبدأتُ أستعيد وعيي وأدرك ماحولي ، كرجلٍ أفاق من غيبوبة !
طالما سارة تتنفس هذا الأكسجين الذي أتنفسه ، وتشرق عليها الشمس التي تشرق علي ، ويغطيها الليل الذي يغطيني فأنا على الأقل .. حيّ !


جاء صوت صديقتها في طريق الخرج مثقلاً بالعتب ، وجاءها صوتي مثقلاً بالتعب !
كانت غاضبةً مني .. لستُ غبياً لتفوتَ علي اللهجة العدائية .. لكني لم أبالي بذلك ..
لم أهتم لنبرتها الحانقة ، آخر شيءٍ أفكر فيه هذا التعنيف الذي بدأتْ تسوقه ، كأنما كانت تتصل بي مكرهةً ليس إلا ..
شعرتُ في نبرتها بغضاً لي .. واحتقاراً لم آبه له ، حين أخبرتُها بأنني أنا فيصل من أنتِ ؟ ضحكت بإزدراء !


- هه انت فيصل .. اللي . . اللي ضيعت سارة !

وهتفتُ بسرعة :

- سارة بخير ؟!

- ماشاء الله يهمك يعني تكون بخير .. ما كأنك ..

- سارة حية ؟! تكفين لا تقولين ماتت ! سارة حية !
- حيّة أو ميّتة وش الفرق بالنسـ

- يا شينه انثبري .. قولي عايشة ولا لا !
...أغلقت الهاتف في وجهي !

كنتُ خرجت عن السيطرة على أعصابي، وأنفاسي تتلاحق كراكض ، أعرفُ أن خلف هذه المكالمة أخبارٌ أترقبها..
أوقفت سيارتي جانباً لأني لم أعد أستطيع القيادة ..
كل السيارات كل الطرقات كانت ترتسم في عيني كحرف " س " ، .. ركنتُ جانباً وبحثتُ عن رقمها في سجل مكالماتي المستلمة ..
بعد إعادة الاتصال ثلاث مراتٍ متوالية كإزعاج طفل ... أجابتني أخيراً .


- نعم خير !
- آسف ، انا منتهي ، أقسم بالله وضعي غير طبيعي شهرين .. تكفين قدّري
- رجاءً مرة ثانية انتقي ألفاظ أرقى مـ..
- طيب ! بس قولي سارة بخير، قولي ثم أنصحيني للصبح ..

كنتُ على وشك البكاء ..
وبدأ الأمر يتضح ..

" سارة بخير " .. جاءت هذه العبارة كنشيدٍ عذب .. ضربت مقود سيارتي منتشياً رغم جهلي بكافة التفاصيل اللاحقة ..
مازلتُ غريقاً لكنها على الأقل جرعة نفس !
أن تكون موجودةً معي في هذا الكون هذا ينفي عني صفة اليُتم الذي عشته شهرين !

" سارة بالرياض يافيصل " .. وهذه الجملة ماكانت إلا غناءً ، لم تكن مجرد
خبر ، أردتُ أن أنزل من سيارتي وأصرخ في المارة ساااااارة بخير !
هذا يجعلني أدخل الرياض الآن كما لم أدخلها منذ شهرين ،
كنت أدخلها كمدينةٍ للأموات .. الأشباح .. كلما فيها يدب رعباً ، الآن عرفتُ أن فيها بعض حياة ..



أمنياتي مع سارة في هذه الأشهر كانت تتأرجحُ صعوداً ونزولا .. في البدء ، كنتُ أتمناها مجرد صديقة .. ليس أكثر ،
تأخذ أخباري وآخذ أخبارها ، نتشارك تفاصيل أيامنا كصداقةٍ مختلفة الجنس وغير معتادةٍ في بلدي ..
لكن صعد مؤشر الأمنيات فجأة ،
فأصبحت أتمناها حبيبةً أراها وتراني كعاشقين أوربيين نسكنُ عاصمة الصمت ..
سقفُ أمنياتي لم يتوقف هنا ، تصاعد عالياً يوم ضمتنا غرفةٌ واحدة قبل شهرين ،
حين كنتُ أخفي حقيقتي حتى عن نفسي وأقول " جلبتها هنا للحديث ليس إلا "!
والآن ..
الآن انظري ياسارة كيف هَوَت أمنياتي للدرك الخفيض ، مجرد أن تكوني بخير رغم البعد والفراق ،
أن تكوني على قيد الحياة .. هذه باتت غاية أحلامي .. أين كنا ، كيف صرنا !
"ماني على خبرك حبيبي تراني .. حتى عن صغار الأماني تنازلت .."

وبدأ الظلام الكثيف ينقشع رويداً .. جاء النور بعد شهرين .. متأخراً خيرٌ من أن لا يأتي ..

هاتفوا والدها في ليلة القبض على الحب !
كانت أكثر حظاً مني ، خرجتْ في ذات الليلة، لم تبت مثلي ثلاثة أيامٍ حسوما !
لكنها أسوأ مني حظاً فيما تبقى من أمور ..
لأول مرةٍ كان والدها يضربها منذ زفها القدر إليه قبل 23 عاماً !
كانت تتحدث لهيفاء وهيفاء تنقل لي ، حتى أشقائها عاملوها كقطعةٍ نجِسة ، تجافوا عنها مبغضين ..
حُرمت من حريتها من سائقها من أجهزتها حتى من غرفتها المستقلة ،
باتت تنام وتصحو في غرفةٍ تقابل غرفة والديها ، غرفةٌ تخلو من مفتاح .. يتعاهدونها بالزيارة كل ليل كـ سجينة !


أشعل سيجارتي الـ لا أعرف رقم كم .. أشعلها في سماء الشقة وأفكر ، كيف تفكيري أخذني بعيداً ..
كنتُ قد أصبحتُ جازماً في اعتقادي أن أهلها لا يبالون بشيء .. ليسوا مثلنا بتاتاً ..
عندما أراها تخرج وتدخل للبيت بحريةٍ لا تجدها النساء في مجتمعي ، بدأتُ أرى أهلها مجرد عائلةٍ غربيةٍ لا تهتم لأمر فتياتها !
حتى عندما قبضوا علينا .. كان في أعماقي رغم خوفي ، صوتٌ خفيٌ يهتف باستحياء أن أهلها لن يقفوا كثيراً عند هذا الأمر ،
"الأثرياء والغير منتميين، هؤلاء يتخطون الأمر سريعاً ليسوا مثلنا! " هكذا كنتُ أعزي نفسي .. يا للتفكير الرديء ..
كأنما باتت الغيرة وسورة الغضب والخوف على الأعراض أمرٌ يحدده آخر الإسم في البطاقة .. يخص أناساً دون سواهم ! هه
ابتسمتُ لأول مرة وأنا أنفث دخاني .. يا لظنوني الحمقاء ياسارة !


في الرياض ، كل فئةٍ من البشر ، كل الأسر التي تشكل نسيجاً وحيداً ، لا بد
أن تحمل صفةً تلازمها وخصوصيّاتٍ لا ندري من أخبرنا بها .. لكننا نؤمن
فيها جيداً !
الفلانيون : ابتعد عنهم ، لصوصٌ مهما أحبوك ، إن واتتهم الفرصة لسِرقتك لن يتوانوا عن فعلها !
الفلانيون : بخلاء ، لا يكرمون الضيوف ويخلون من الشهامة!
الفلانيون : لا يبالون بمحارمهم ، يفتقدون للغيرة ، لا يهتمون لأمر نسائهم !
الفلانيون : لا تصادق أحداً منهم لا تسافر معه لا تتحدث إليه بأسرارك " قليلين خاتمة " !
وهكذا .. نروح في دفاتر تعميماتنا نهب التعريفات بين قدح ومدح .
تجمعنا الرياض وتفرقنا الأسماء ، نتوارث هذه التعميمات كابراً عن كابر ..
وإن ادعينا الثقافة والوعي تفضحنا لحظة الغضب لينطلق السباب بكل هذا وأكثر !
لا نؤمن بالفرد ونتاج ادائه الخاص ، لكنا نؤمن بجماعته وعبارة التعميم الخاصة بها ونحاكمه بناءاً عليها ..
فيكتور هوجو يقول " كل عبارات التعميم خاطئة بما فيها عبارتي هذه " ..
لكن هوجو لو جاء إلينا لما توانينا عن محضه وجماعته تعميماً يليق به ونعتنقه كحقيقة ..


وما أنا إلا ابن بيئتي ومدينتي .. لهذا كان وقع الخبر عليّ فاتكاً ..
أحقاً والد سارة غضب للأمر كما نغضب ( نحن ) !! أحقاً ضربها كما كنا سنفعل لو صار الأمر في بيوتنا !
أليس ثرياً .. لا يهتم إلا لأعماله وعقاراته وأملاكه ، أليس يخلو اسمه من ( لقبٍ رنّان ) ! كيف صار مثلنا ( غيوراً ) ..
ألم يعطِ بناته كافة الحرية للدخول والخروج ، إذن ماالذي أغضبه ..
كنتُ أبتسم أخرى وأنا أردد هذا السؤال الذاتيّ، فسرتُ أمر حريّتهم الجزئية بعيداً بعيداً .. كما نفسر كل شيء بطريقةٍ خاطئة !

في الرياض .. أن تتحدث الفتاة بصوتٍ واثق في المستشفى في السوق ..
هذا يجعلها في نظرنا نحن البسطاء مجرد أنثى اعتادت محادثة الرجال !
أن نرى فتاةً ساهمةُ تتأمل البحر في المدن الساحلية ،
هذا يترك لنا إيحاءً غير لطيفاً ، إنها تريد منا المبادرة لعرض أنفسنا عليها ..
أن تمشي إحداهنّ بحسن نية ، فقط تمارس رياضة الجري ،
هذا يجعلها بالنسبة لنا صيداً ثميناً لأنها لا تستحي، يا لتفسيراتنا يا بلدي ..
أمثالنا البسطاء يجب أن ينفوا من الدنيا ، نحن أعداء الوعي ومصدر التلوث
للحضارة .. قلتها لنفسي وللمرة الثالثة ابتسمت نافثاً دخاني ..
نفثتُه كما لو كنتُ أسدل الستار على كل هذه التعميمات الحمقاء .. وهذه الظنون السوداء .. وشعرت أني مدينٌ للإعتذار لسارة ..
كان سماعي لخبر ضربها من والدها قاصماً لي ولكل تعميمٍ آمنتُ به يوماً .. ولكل تفسيرٍ أحمق فسرته يوماً!


حتى شقيقها تركي ، الشاب الذي رأيته في الصيدلية قبل ثلاثة أشهر ، شقيقها الذي قالت إنه صديقٌ لها قبل أن يكون أخ ..
حتى هو أعلن مقاطعتها وتبرأ منها للأبد ..
أخبرتني هيفاء أنه بكى حين سمع الخبر .. ضربها وهو يبكي ، كان يضربها وينوح .. ثم تجافى عنها ولم يحدثها حتى اليوم !
أي مصيبةٍ أدخلتُ فيها تلك العائلة المسكينة ..
نعم ، لم يضربوا سارة في مركز الهيئة ، لكنهم تركوا الضرب لأهلها كما تركوا لسُمعتها الذبول كطرف شمعة ..
وذكرتُ وجه سارة و جسمها اللدن الغض وهو يتلقى الضرب .. وكرهتُ نفسي .. وعادت صرختها باسمي ترن في سمعي ..
وتخيلتها تصرخ في منزلها بين والدٍ مهتاج وشقيقٍ غاضب.. وشعرتُ بملوحةٍ تنسل في ريقي وعرفتُ أني رحتُ أبكي !



- كيف حصلتِ على رقم هاتفي ؟
- من سارة ، كنت عندها بالأمس ، بالكاد اختلينا دقيقتين حتى أعطتني رقمك وحملتني إليك رسالة ..
- ما هي ؟!
- أربع جمل : " عش حياتك فيصل ، الله يوفقك ، لا أستطيع العودة إليك أبداً ، سأبقى أحبك "


أربع جملٍ أعدتها في ذاكرتي منذ سمعتها .. منذ وصلت الشقة ورميت نفسي على الأرض وهي كالصدى تهطلُ في عقلي كل مرة ..
بلغ بي جنوني أن كتبتها في نص رسالةٍ في هاتفي وبدأت أقرأها ..أفتش حروفها
جيداً .. أتأملها علني أكتشف فيها خبيئة .. أقرأها بصوتٍ عال وتارةً بيني
وبين نفسي ..
أعدتُ قراءتها حتى أيقنتُ أن السطور و مابين السطور لا يوجد ثمة شيء.. إلا النهاية
و أن الأمر بات مستحيلاً .. وأننا حقاً افترقنا !


حين سألتُها عن حزن صديقتها يوم التقتني ..لماذا ؟! لماذا كانت نحيلةً شاحبة الملامح
قالت بأنها دفنت عنك خبراً لم ترد أن ينغصك ..
كانت تعيشُ جحيماً في أسرتها لمدة اسبوعين حتى وافقت !
-" وافقت على ماذا " ..
قالت لي وكأنها تطعنني بخنجرٍ مسموم : وافقت على الزواج بمنصور ، ابن صديق والدها !

آه ياسارة ، حين التقينا في تلك العمارة اللعينة قبل شهرين ، كان منظر عينيك يشي بأنكِ ترزحين تحت آلامٍ جسام ،
وكابرتِ حين قلتِ لي " دعنا من هذا الحديث، أحقاً نحن لوحدنا يافيصل " !
تباً لمنصور .. وتباً لوالده .. والأثرياء جميعاً .. وتباً لقبيلتي .. لو كنتُ خالياً منها لما سبقني إليكِ أحد !
وعاد الملح يتغزر في ريقي .. وأردتُ أن أهرب عن عقلي بإتجاه الشُرب لكن شعرتُ أني ثقيلٌ عن الحركة ..
كأنما تقيدني أغلالٌ إلى الأرض التي أرقد فوقها ..


- عرفتُ منها يافيصل أنها رضخت لوالدها وأعلنت موافقتها قبل لقائك بليلتين !

هه ، كان واضحاً لي بأن في صوتها نبرة تحدي حين قالت " أريد أن أراك ، خذني لأي مكان، أي مكان " !

- .. أخبرتني أنها كانت تشعر بخيانتها لك ، لهذا أرادت لقاءك .. رضت بالخروج معك لهذا المكان المعزول !

هه ، وأنا الذي كنت أقول لنفسي " سأجلبها للحديث " ، يا لغبائي ، بينما
خرجَتْ معي منهارةً كأنما أرادت تعويضي ، أي ثمنٍ كنتِ ستدفعينه يا سمرايَ
المتهورة !
ماأرخص الأثمان في زمن الحب .. لا ياسارة ، لم أكن لأعوي وأنحدر من آدميتي
لأكون ذئباً كاسراً ، حتى وإن بتّ طاوياً، حتى وإن قدمتِ لي نفسك على طبق!


- هيفاء ، ماذا حدث في هذه الشهرين ، هل تم الأمر الآن رسمياً !

- تقصد منصور ؟! لا لم يعودوا .. كان الأمر مشروع خطبة ، لكنهم لم يعودوا ليتمموا الأمر " قلعتهم هم الخسرانين " !

كانت مستاءةً لصديقتها ، جملتها الأخيرة تخفي كثيراً ..
جعلتني أردد في نفسي حديثاً قلته ذات يومٍ لصديقي فهد : الرياض مدينةٌ كبرى ، لكنها عند الفضائح .. تصغرُ لتصبح حجرة !

ها هي أصوات المآذن تنادي لصلاة المغرب ، أصواتٌ ما عدت ألبيها ..
مسحتُ دموعي و قطعت حبل بكائي ، وخرجت من الشقة قبل وصول الأصدقاء .. آخر ما ينقصني هذا اليوم وجود رِفقة !
ثلاث ساعاتٍ من الاجتماع بقلبي ..ثلاث ساعاتٍ من السباحة في أفكاري حد الغرق ، ختمتُها برسالةٍ لهيفاء :

" قولي لها ، لن أعيش إلا بك ، وسأنتظرك العمر كله " !


* * *




منذ أن صرت معلماً ووالدي يتغير تجاهي تماماً ، أصبح ينظر لي بعين الإحترام والإجلال ، وحدي من حقق طموحاته بأن أكون معلماً !
مسكينٌ والدي .. وقف أمام المدارس بواباً وحارساً ومراسلاً حتى بات يعشق التعليم والمعلمين ، وحدي من حقق له هذا الحلم ..
صار اسمي " الأستاذ فيصل " ، و لي قدسيتي بين أشقائي ، وحين يسألني عن ذبولي وشحوبي أتعذر له بمسافة الطريق التي أقطعها كل يوم ..
وبدا أن عذري يُفلح ..


حتى سهراتي في الشقة ، لم تعد تزعج والدي كما كنت طالباً . . أصبحتُ أسهر وأخرج في حريةٍ تامة ..
صرتُ في عين والدي رجلاً يستحق التقدير .. كلماتُ الزجر والتعنيف اختفت من لسانه ، محضني احتراماً لم يمنحهُ لي من قبل ..
حين يراني يبتسم ، كأنما لا يشاهدني ، بل يشاهد حلمه متجسداً أمامه ، فينظر لي مزهواً ..
و لو عرف مأساتي .. لو أطلَ جيداً في عيني ، لو تعمق في خفائي، لعرف أني حطام رجل !


خمسة أيام من التفكير الطويل ..
خمسة أيامٍ من العزلـة ..
خمسة أيامٍ من الموت حياً ..
خمسة أيام بعد هيفاء !


نزلتُ من غرفتي حاث الخطى تجاه أبي وأمي ، كانوا يشربون قهوتهم المسائية وحدهم في الفناء ،
وكان البيت هادئاً إلا من أصوات الأطفال الذين يلعبون الكرة في الشارع أمام باب منزلنا ..
كان مجرد تفكيري في الأمر مجدداً يجعلني أحجم عن القول .. لهذا هرعتُ سريعاً للنطق :


- أريد أن أتزوج !

كانت هذه الجملة كافيةً ليرقص كل شيءٍ في الفناء بِشراً في عينيهما ..


- شقيقة صديقي ، تـركي !


ولا أدري أشعرتُ بابتسامةٍ في داخلي أو مرارة ، أظن أنني شعرتُ بالأمرين تباعاً !

تهليلاتُ أمي وسعادتها الغامرة يقطعها سؤال والدي السعيد ..

- من يقال لهم !

- آل فلان !

- وش يرجعون وانا ابوك ..

- من الرياض !

- وش يرجعون !

- أجواد من الرياض !

- قبيلتهم ؟!

.. يا للسؤال الذي فكرتُ في إجابته أياماً خمسة ، ضاع جوابي الذي حفظتهُ جيداً قبل نزولي ..
لم أتردد ، وبوجه رجلٍ صارم أطلقتُ قنبلةً دوّت في الفناء:

- لا ينتمون لقبيلة .. لكني أريد القرب منهم ...





لن أنسى ما حييت ..
.. نظرة والدي لي، لن أنساها ماحييت !


كل شيءٍ في الفناء بات قاتماً ..
ما حييت .. لن أنسى نظرتهُ تلك !

وضع عينه في عينيّ صامتاً نصف دقيقة ..
ثلاثون ثانيةٍ شعرتُ أن المكان من حولي بات جامداً بكل مافيه .. حتى سيقان الأطفال اللاعبين أمام بيتنا والذين انقطعت أصواتهم بغتة!
لم يقل لي شيئاً .. فقط ، وضع فنجاله على الأرض، أسدل شماغه على كتفه وخرج ..
خرجَ مطرقاً كما لو شاهد حلمهُ يتهاوى أمامه !
وصعدتُ لغرفتي واجماً ..
وأنا أدرك أن باب المتاعب يُفتح لي على مصراعيه منذ اللحظة ..!



يتبع ..

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:29 am

29

كل شيءٍ يتغيّر من حولي .. كأنما خُلِقتُ مجدداً !
أعرف أني صرتُ رجلاً آخر .. رجلاً ليس كالذي كنته طوال السنين الخالية .
دخول الحب في حياتي ، جعلني رقيقاً جداً ..
ضياع الحب من حياتي ، جعلني مسخاً لإنسانٍ قديم .. إنسان تمرد حتى على ثوابته !
مجرد سماعي أن سارة على قيد الحياة ، وأنها تنام وتصحو وتتنفس هواء المدينة التي أسكنها،
هذا ما جعلني أنهضُ قليلاً من حزني.. أعودُ للحياة الغائبة ،
كان القلم يتحوّل في يميني لسيفٍ صقيل ، وحبري كان حقدي ، وميدان الكتابة صار ميدان حربي ..
كفرتُ بقصص الحب الخالية من الفكر ومابين السطور ، وآمنتُ أن هوايتي هي سلاحي وطريق َ ثأري ..
بإسمي الثنائي ، الخالي من لقب القبيلة الذي سيكلفني مشاركة الكثيرين أفكاري ..
رحتُ أنشر لا ككاتب ، بل غازياً يمتطي صهوة القلم كفارسٍ موتور !


كتبتُ قصةً عن مدينةٍ تدعى " الريابْ " !
موحشة ، تخلو من الألوان ، كل مافيها ينضح بالقسوة .. وأهل الرياب أناسٌ مجبورون على تناول صنفٍ واحد من الأطعمة !
يمشي الريابيّون متوجسين، خائفين من مخلوقاتٍ تجوس الديار ..
هذه المخلوقات التي صورتها في قصتي كـ وحوشٍ ضاريةٍ يكسو جلدها الشعر الكثيف ، يسوقون الناس بالعصا !
وتمضي قصتي ،
فـ يخرجُ فتىً من فتيان الرياب عن هذا النسق ، ويجتمع بفاتنةٍ من فاتنات بلدته ، يركض الوقت عند لقائهم ويعود ليتوقف بعدهم ..
يتسللون كل ليلٍ لزاويةٍ من زوايا المدينة ، يتناولون التفاح ، وترقص الألوان من حولهم كقوس قزح ..
وحدهم من يعيش في بقعةٍ مليئةٍ بالألوان والروائح الفواحة ، في مدينةٍ كلما فيها باهتٌ ينامُ على روائح الجيَف !
يعيش هذا الفتى الريابيّ وفتاتهُ شعوراً لم يألفه آبائهم في هذه البلاد القاسية ، لم يذوقوا التفاح أبداً ..
يتناولونه سعداء كل ليل حتى تخبرهم أشجار التفاح أن هيّا انصرفوا تأخر
الوقت يا أطفال .. يمضيان لبيوتهم وترقص في قلوبهم نشوة غريبة ..
وذات ليلةٍ من ليالي المدينة .. دب الخرابُ فجأة ،
في غمرة سلواهم وسهرتهم التفاحيّة اللون .. تهجم عليهم هذه الوحوش لتسلخ جلديهما ، وتعلقهم على أشجار التفاح عبرةً لكل المدينة ..
تنتهي القصة بصمت أهل الرياب .. وانكفائهم على واقعهم ، وتسيرُ حياتهم كما يشتهي غيرهم لا كما يشتهون هم !



بعثتُ القصة للملحق الثقافيّ في جريدتي المفضلة ، لأفاجأ بنشرها في صدر الصفحة الثقافية يوم خميس !
تحتها تعليقٌ من المحرر يشكرني، ويلفتُ عناية القراء لتطور مستواي ..
ولأن حظي كان في أوج سعده .. ناقشها عمودٌ صحفيٌ بعد يومين .. ليرد عليه عمودٌ مناويءٌ له في الفكر !
لتتراشق المنتديات إسمي بعد ذلك ، ويصبحَ اسماً ثقيلاً لا يمر كما يمر الهواء !

كانت قصبة القلم تتحول في يميني شفرةً حادة .. وكنت قاسيَ الملامح والقلب إذا رحتُ أكتب !
كنت أشعر بأسناني تقطر دماً كما لو كنت أمزق فريسة ، والإحتفاء بحروفي أعطاني ارتياحاً .. وأكثر من ذلك وقعُ حروفي على من آذوني !
أشعرني أن الألم الذي يكمن في أعماقي بات يقل .. وبدأتُ أتلمس طريقي في الشهرة وأمشي باسمٍ ثنائيٍ يعرفه الناس ولا يعرفهُ أهل بيتي !
جعلتُ من ميدان الكتابة مضماراً لخيلي وأنا من فوقها فارسٌ يثأر لكل أحزنه .. ولسارة !



البيئة من حولي ليست خصبةً للكتابة ،
كل ما حولي مشوش .. كنتُ أفتقدُ الاستقرار كما أفتقد سارة ..
والدي .. أصبح يراني كأي قطعةٍ جماديّةٍ في هذا البيت ، دخولي وخروجي لا يعنيه ، مضى اسبوعين لم نتبادل كلمةً واحدة ..
كان يأملُ مني قبلةً على رأسه واستشعاراً للندم ، لكني كنتُ رجلا ً آخر .. لم أعد ذلك النادم أبداً !
أمي .. تحدثني عن عشرات الفتياتِ من قومي ، وكنتُ أستمعُ حديثها كما يستمعُ لها الفضاء ،
حين تسكت انتظار جوابي يعقبها مني صمتٌ كالفضاء من حولنا ، لا ثمة حديث !

إخوتي ، أخبرهم أبي بحديثي ذاك المساء فتنادوا مصبحين !
خالد شقيقي الكبير ، و شاعر المناسبات الكبرى ، صاحب قصائد المدح الزائفة للكيان الزائف ورجاله الزائفين ..
تفاجأتُ به مساءً و كان يصرخ فيني كطفلٍ أمامه ..
يتحدث لي عن أمورٍ أحتقرها .. يحدثني كما لو كنا أفراداً نزلوا من السماء
ذات ليل ، لنعيش في هذه الأرض الوعرة ، والناس حولنا خُلقوا من تراب !
كان يحذرني .. يُكيل لي الوعيد والشتائم كما لو كنتُ وجهتُ إهانةً له !
هكذا ، يرفع سبابته في وجهي وأنظر لها تشبه عمود خيمة ،
خيمةً من خيام أجدادي الذين ماتوا وشبعوا موتاً وهذا المتعصب المجنون يريد أن أعيش في كنفهم رغماً عني ..
كنت أنظر لخالد باحتقار ، ببرود ..
أنظر للإنسان في داخله وأشعر أني على وشك التقيؤ ، أولى بهِ متحفٌ قديمٌ يضمه ويضم أمثاله .. عارٌ على هذا الزمان وجودهم :

- عندك بنات عمك، طب وتخيّر ، مالقيت الا ذوليك .!!

أردتُ أن أقول عليك اللعنة وعلى بنات عمك لكني ظللتُ أصغي باحتقار !

- " بزر " ومشى له راتب وصدق انه رجال !

ضقتُ ذرعاً لكن ظللتُ أصغي ، يتحدث عن نقاء دم، وعرقٍ متأصل ..
وأردتُ أن أقول له كل الدماء حمراء لا زُرقة إلا في عينيك لكنه لن يفهم !

- تجيب طاري هالسالفة ثانية أقص لسانك تفهم !

أووه ، تجاوزتَ كثيراً ياخالد ، أتظنني ذلك الطفل القديم ؟ إذن تفضل ردود الرجل الجديد ..

- خالد ، كلمتك تمشي على حرمتك وعيالك ، ما لك عندي شي!

- وش تقول !

- أقول كل تراب !


كنتُ أنطق آخر جملتي لأجدني ملتصقاً بالجدار خلفي أتلقى لطماتٍ غاضبة ..
لطماتٍ اظنني اعتدتها يا زمني !
في غمرة لطماته لي كنتُ أفكر :
خالد ككل الأغبياء الآخرين ... ككل الجهلة لن يفهم شيئاً .. لن يفهم أن الحب أسمى من اسمه الغبي و شِعرهُ الغبي و سبابته الغبية !

راح محمد ، شقيقي الأكبر مني بعامين ، وبدر ، يبعدانه عني وكنت أنظر لهُ باحتقار لم يتغير ..
كان مهتاجاً كما لو اجترأتُ على ثابتٍ لا ينبغي لي تجاوزه ، يريد الإنفلات من قبضاتهم ليلقنني درساً،
وأنظر له بإحتقار وأنا أسوّي أزرتي .. التقطتُ قلمي الذي سقط ، لم يكن قلماً .. هذا سلاحي ..
ومضيتُ بينهم تاركاً دموع أمي ولسان خالد واستجداءات محمد لنا بالهدوء ..
تركتهم خلفي ومضيتُ كرجلٍ فقد الإحساس تماماً ..
قديماً ياسارة ، موقفٌ كهذا كان سيجعلني متعكراً شهراً او اثنين ، الآن لا ياحلوتي ، أعرف ماذا سأفعل ـ
سأصعد لغرفتي .. وأكتب، وأفكر بك بين زحمة سجائري ..
ثم سأخرج ليلاً لأشرب أسوأ ماأنتجته عمالة الرياض ..
ويعود عقلي بعد ساعتين متناسياً كل ما حدث ، كما لو لم يحدث أساساً ..
ليتكِ تنظرين ماذا أصبحت الآن ، رجلاً آخر ..فقد الإحساس يوم فقدك ، رجلاً ماعاد يشعر بشيء إلا أنتِ !



وهيفاء .. تباً لتلك المزعجة !
باتت مكالماتها تصبحُ شيئاً مختلفاً عن مكالماتها الأولى ..
كانت تنقل لي أخبار سارة .. وأخبرها بما تقول لها .. لم أحدثها بنيّتي ولا
حديثي لوالدي ..فقط كانت مجرد زاجلٍ يتنقل بين السعداء قديماً !
رويداً رويداً شعرتُ أن هيفاء تستمتع بالاقتراب مني ، بدأت تجر الحديث صوب مناطقٍ بعيدةٍ عن سارة وأخبار سارة ..
تحدثني عن الإبتعاث القادم ، تحدثني عن خوفها من المستقبل ، تحدثني عن أمها وقلقها اللحوح ..
وكنتُ أجيبُ جيداً لأني أخشى فقدانها ، هي وسيلة اتصالي الوحيدة بعالم سارة !

بالأمس اتصلت بي ليلاً ، توقعتها تحملُ خبراً من حبيبتي ،

- هلا فيصل

- هلا هيفاء ، ماذا لديكِ ؟!

- لا شيء ! فقط " طفشانة " !

باتت ترى فيني صديقاً ، وعرفتُ أن أحاديثي تروقها .. وعرفتُ أن سارة مسكينة لا تُحسن اختيار الصداقات !
أردتُ أن أقول " أريحيني من أحاديثك المملة " ، لكني خشيت أن أغضبها فتخبر سارة بأكاذيب تنفرها مني !
أو أفقدها فأفقد محبوستي ..بدأتُ أحدثها في فتور ..
وأقارن بين صوتها وصوت سارة ، شخصيتها وشخصية سارة ، وقتي معها ووقتي مع سارة ، فلا أجد إلا القبح !

أي صديقةٍ اخترتِ لنفسكِ يا سارتي ؟!

ذات يوم من أيام صيفنا المنقضي ، كنت وسارة نتحدث عن هيفاء وفهد ،
وكنت أقول لها " أشعر أن الفتيات يفتقدنَ بينهنّ للصداقة الحقة "!
"هيفاء هذه ، لا أظنها بأي حال ترتقي لتكون بمثابة فهد بالنسبة لي " يومها غضبت سارة :
" احتكرتم كل شيء أيها الرجال والآن جاء الدور على الصداقة ! "
أخبرتها عن صديقةٍ لأختي كانت تهاتفها كل يوم .. كانت صديقةً جيدة !
وحين تزوجت، قطعت صلتها بأختي خوفاً أن ينتبه زوجها لعازباتٍ في محيطها ،
ياللغيرة الغبيّة و يا لميتم الصداقات !
تركيبة الأنثى وغيرتها وفطرتها التي تجعلها تريد الإستئثار بالجمال والتألق ..
.. هذه تجعل من الصداقة لديكن ياسارة شيئاً هلاميا يفتقد للأساس المتين اعذريني ..
يومها أخذت تكيل المدائح لصديقتها ، تقص أخباراً ومواقف ليست ذا بال !
لم أشأ أن أقول لها أن فهد قطع إجازته ذات مرة، وعاد من سفره
.. لأنه عرف أن أمي مريضةً جداً في المستشفى وكان صوتي حينها مأزوماً ،
ولم أقل لها عن ذلك الموقف الذي كلما تذكرته ارتسمت بسمتي رغماً عن ضيقي ..
حين كنت في أحد الطرقات بين جموع الناس، كنت لم أنتبه لسيارة أحدهم وحدث الاصطدام عفواً ،
وكان الرجل غاضباً يريد العراك معي والناس يبعدوننا عن بعضنا كديكةٍ تريد الإشتباك ..
يومها لا أدري من أين خرج فهد .. أظن الأرض انشقت عنه !
كل ما أذكر أنه رآني ونزل من سيارته التي لم يمهلها حتى لتتوقف ،
فتح الباب كما لو كان يُفتح باب الجحيم على الرجل !
اندفع بين الحشد يلكم الرجل بقسوة ، أرداه أرضاً في ثانيتين دون فهمٍ لحيثيات الموقف ،
فقط كل ما أذكره أن فهد كان يضرب الرجل كما لو كان يدافع عن ابنٍ له،
وكنت أضحك.. أضحكُ رغم الضجيج والشمس وهول الموقف !

الآن ياسارة ، ماذا تقولين إن أخبرتكِ عن اتصالٍ يردني في الثانية ليلاً من صديقتك لتخبرني:
" أوه ملل، سولف لي ! " ، أكنتِ تصرين أننا نحتكر الصداقة يا حلوتي !




شقيقي بدر كان أهدأ من خالد ، كان يتحدثُ لي بهدوء ..

- والدي كبيرٌ في السن ، بالله يافيصل لا تغضبه بهذا الحديث !

ثم يعرج بالحديث نحو الثقة ، ويلمز في حبيبتي بخطابٍ دينيٍ قديم " من تحدثت إليك ستتحدث لغيرك كيف تثق " !
وكنتُ بلغتُ المنتهى في غضبي من هؤلاء الذين اغتالوا سعادتي ..
كنتُ أكتب قصصاً رمزيةً وإسقاطاً على واقعنا المتشدد ، وحين أُعطيت لي مساحة ٌ لمقال ..
كنت أهاجم شيخاً كبيراً أفتى بفتوى عجبتُ منها ولم ترقني..
كان يجيب على إحداهن قائلاً " يجب أن تستأذني من زوجك في قص شعرك ، ونفذي مايريد " !

يومها ، هجمتُ بقسوة ، ونكلت بالشيخ بقلمي الذي استحال سيفاً ودرعاً في ذات الوقت ،
وصوّرته رجلاً يريد إعدام شخصية المرأة وجعل النساء جواري ونساء ليل ..
"أنتم أيها المتشددون لا ترون في المرأة إلا جسداً ، " فتحتُ النار بإسمي الثنائي الذي بات مهدور الدم في بعض صوالين النت !
كنتُ أتحوّل لرجلٍ آخر ، كفرتُ بكل شيء ٍ آمنت به ، حتى رمضان الذي على وشك الدخول لم أنوي صيامه !
حين أتذكر سارة وحرية سارة ، ألعن النساء في بيئتي ، وألعن تشددنا الصارم ، بات السواد المنتشر في الأسواق والمستشفيات يقتلني ..
لهذا ، حين حدثني بدر عن الثقة :

- لن أحدثك عن فرق النسب مع أنه مهمٌ جداً ـ لكن سأقول شيئاً وحيداً يافيصل ، كيف تثق بمن هاتفتك ألاّ تهاتف غيرك !

شعرتُ ان المتحدث لي ليس شقيقي ،
بل أحد الواعظين الذي سمعتُ هذا الحديث كثيراً في منشوراتهم وشرائطهم ، لهذا فقدت التوازن :

- أثق فيها أكثر مما تثقون في القابعات بين جدران بيوتكم كالسجينات!

قام أخي مغضباً ، والشرر يقدح من عينيه ، وعرفتُ أن جوابي أحالهُ خالداً آخر ..

- تذكر أن والدي لا يعرفُ إلا رغبتك هذه ، أنت لا تريد أن يعرف أين كنت تلك الثلاثة أيام يوم أخرجتُك !
بالتأكيد لم تكن في " الشرقية " وأظنك تفهم !

يهددني .. يظن أنني ذاك الطفل القديم، يظن أن فيصل الذي اعتادوه هو فيصل هذه اللحظة ..

- قل لهم ماتشاء ! سامع ؟ قل ما تشاء !



اليوم تغيّبت عن الخرج ، لم يسألني والدي لماذا ..
لم أنم ليلتي المنقضية ، سهرت بين سجائري و أفكاري و حدثتُ نفسي حديثاً طويلاً لم ينتهي إلا والشمس تقرع زجاج نافذتي..
أعدتُ شريط الذكريات ، رأيتُ سارة في مطعم الشرفة .. في المستشفى ، في كاميرا النت تضحك لي ..
سمعتها تحدثني سمعتها تبكي سمعتها تضحك ،
أعدتُ حواراتي معها منذ لقائنا على طاولة ماجد ، وانتهاءً بحوارنا في غرفة تلك العمارة يوم قبضوا على الحب الكامن فينا !
قرأتُ رسائلها إليّ .. ورأيتُ صورتها وعيناها الجميلة ألف مرة ، سهرتُ معها مفكراً سابحاً في كل تفاصيلها ..
ليلةٌ طويلة ، تخللها اتصالين من هيفاء تجاهلتهما تماماً.. ليلةٌ طويلة ، كان عقلي يجوس ديار سارة ويستدعي ذكرياتٍ وتفاصيل دقيقة،
كانت ذاكرتي تهطل وتنهمر ، وأنا الذي لم أخطو خطوةً واحدةً أربع ساعاتٍ وأكثر ، جالسٌ فوق فراشي كفزاعةٍ في حقل ذرة !
طالت ومرت وانقضت ليلتي لم أدمع دمعةً واحدة ! ..
حزنتُ كثيراً .. وافتقدتها كثيراً .. لكنني لأول مرة ، لم أبكي ..
ليس ذا وقتُ البكاء .. ومالكوم أكس كان محقاً :

" عندما تحزن فأنت تشعر بالبكاء على حالك ، فقط ، عندما تغضب ، ستُحدِث تغييراً "



في الشقة مساءً كنت عصبيّ المزاج قليلاً ، كنتُ بين رفاقي حتى خلا المكان إلا مني وفهد .. لأخبره بالطامة !

- فهد ، اليوم ذهبتُ لأحد مكاتب العقار في شمال الرياض !

- ماشاء الله قررت تشتري بيت ههه

- ههه لا ، ذهبت وأخذت رقم هاتف الرجل من لوحته الرئيسية !

- فيصل بلاش ألغاز ..

- اتصلت بوالد سارة هذا اليوم ..

- نعم !

وبملامحي القاسية التي باتت سمةً لي في الفترة الأخيرة ..

- قلتُ له أريدك بأمر خاص وهام ، حدد لي موعداً أرجوك !

- ثم ؟!

- غداً ، بعد العشاء سأذهب إليه ..

- فيصل مجنون وش تبي فيه !؟

- الصينيون يافهد قالوا " يجد الجبان 40 حلا لمشكلته لكنه يفضل حل الهرب " !

- ملعون أبو الصينين.. علمني وش تبي بالرجال يا مهـ..

- رسمياً ، قررت أتقدم لسارة !


يظنني سكِرت ، لا لم أسكر ، هو لا يعرف أني صرتُ رجلا ً آخر ..
.. رجلا ً ليس كالذي سكنني كل هاتيك السنين !


يتبع ..

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:30 am


30



الساعة الآن التاسعة مساءً .. هدوءٌ مطبق في الحي الأثير ، الظلام يغتال الأرجاء ، ولا صوت إلا صوتُ حذائي المحتك بالإسفلت ..
أسيرُ في وجل .. أمشي حثيثاً تجاه البيت الكبير .. بيت عائلة سارة !
يتمطى فوق ثلاث طرقات كقلعةٍ من قلاع أفلام الفانتازيا ، ,وحده يتحدى
الظلام، تلفه الإضاءة كأنه يغرق تحت الشمس .. صبحه وليله سيّان !
حفيف الأشجار يُسمع جيداً في هذا الصمت، أوراقها الخضراء تشاغب السور
الكبير، ويتضوّع البيت رائحة العود الفاخر يشمها البعيد قبل القريب ..
بجنوني ، وعقلي وقلبي ، مغامراً بروحي ، أقف أمام باب بيت سارة ، لا أحد إلا فهد .. يعلم بنواياي ،
ترددي الطويل ينتهي أخيراً بصوت الجرس، يصرخُ في البيت منادياً الأثرياء القابعين وراء الأسوار !



أنظر للبوابة الكبرى مشدوهاً .. ليست كأبوابنا .. وهذه الأسوار العالية
أعلى من أسوارنا ، أهل هذا البيت وكل شيءٍ فيه أعلى منا وأكبر !
صوتٌ في الداخل يقترب من البوابة ..خطواتٌ تقتربُ ومعها يزداد رعبي ، ثم تُفتح أخيراً !
شابٌ يشبه سارة ، رأيته من قبل ، هاهو يقف في وجهي منتصباً .. عرفتهُ ولم يعرفني، كان شقيقها تركي الصغير !
فتىً في العشرين من عمره ، عينيه تشبه عيني سارة وسرت في قلبي مرارةٌ حين
ذكرتها .. أتُرايَ الآن أقترب منها أم أخطو خطوةً حمقاء تبعدني للأبد !
أتُرايَ الآن أبدأ القبض على حلمي أم ينفلت من يدي لآخر العمر ! أفقتُ على صوته البحوح :

- هـلا

- مسا الخير ، لديَ موعد مع الشيخ عبدالمحسن لأمر هام !

تأملني طويلاً وفهمتُ من نظراته الاستغراب ، كأنه كان يسأل نفسه عن جدوى مقابلة والده لشابٍ غريب !
لستُ النسخة المعتادة من ضيوف والده ، ولو ملكتُ الجرأة لقلتُ له " أنا الضيف الأهم ياتركي " لكني خائف ومرعوب ..
شرّع الباب وقال تفضل .. دخلنا وأنا أقول لنفسي " هذا دخولي فكيف سأخرج ! "
بدخولي الآن ، تكون قد غادرتني الفكرة المجنونة ، وبدأ الأمر يأخذ شكل الحقيقة ، وأنّ لا وقت للتردد ..
ها قد حانت المواجهة فلتمضي أيها الخوف بعيداً .. الخوف قبل الحرب ليس أثناءها !
ومشيتُ في ردهةٍ طويلة ..أمشي وراء تركي ، ليس كـ فناء بيتنا أبداً .. هناك
في بيتنا في ذلك الحي البعيد ..تتكلفُ خطوتين لتكون في المجلس الصغير ،
والآن في هذا المنزل ، ينبغي أن أسير خلف تركي مسافةً بعيدة تحفنا الأشجار ،
لنصعد سبع درجاتٍ رخاميةٍ طوال .. لأدخل في ديوانٍ كبير فاخر .
كان مجلسهم كرنفالاً من الفخامة ، رغم توتري وضبابية مقابلتي كان هذا
المكان متعةً بصرية .. أنقل عيناي في أرجائه الفسيحة ومراياه العاكسة يلفني
الإنبهار !


كان والدها حين حادثته قبل يومين ، يحمل صوتاً كأصواتِ المنعّمين ، حنجرةٌ متضخمة ونبرةٌ متورّمة..
.. تشبه تماماً نبرة أبطال الكوميديا حين يتهكمون بالأثرياء في المسلسلات!
أعطاني موعداً بعد إلحاحي بأن الأمر هام وخاص ، وها أنا الآن أنتظره في عقر داره لا أدري أأخرج مولوداً أم دخلتُ مفقوداً !

- مرحبا !

ها هو والدكِ ياسارة أمامي فهل تصدقين !
كانت نبرتهُ تماماً كما في الهاتف ، لكنّ وقفتهُ تضفي عليه جلباباً من شموخ، يخلق في قلبِ الرائين هيبة !
وعرفتُ أني مغامرٌ حد الجنون ، وعرفتُ أن الأمر أصعب مما تخيلت ،
رؤيتي له كانت صاعقةً للحد الذي فكرتُ أن أختلق أي أمرٍ آخر وأعتذر فأخرج !
يبدو أنه في خمسينات عمره ، يرتدي ثوباً مسبلاً جداً ليس كثياب والدي .. حليق الدقن حنطيّ البشرة ، ملامحه لا تشي بغضب ولا سرور ،
شعرهُ كثيف لم يخاتله الصلع، ممتليء الجسم في غير سمنةٍ واضحة ، قال مرحباً وصافحني ..

- هلا .. هلا حياك ابو مشاري !

أعرفُ أن أكبر أبنائه مشاري يدرس في أمريكا إدارة الأعمال ، صافحت يميني
البيضاء يمينه الحنطيّة ، وشعرتُ بقبضته قوية ، أقوى من شبابي !
كيف أبدأ ياسارة ماذا أقول ! حيرتي في البدء يوم رأيتُك في محل ماجد قبل ستة أشهر ليست كهذه الحيرة ، هذه أشد وأنكى !
جلس الوالد الثريّ وجلس بجواره تركي .. يبدو أن فضول الإبن دعاه لتأجيل مشواره الذي كان يهم بالذهاب إليه ،


- هلا ، تفضل وش عندك !

نزلت عليّ هذه العبارة كالسقفِ المنهار فوق الرؤوس !
هذه الجملة الجادة ، والنبرة التي قيلت بها، لا تنقصني ، كنتُ مشتتاً قبلها .. لا أحتاجها إطلاقاً ..
أصبحتُ أشبهَ بغريق ، وهذا المجلس الضخم بات محيطاً وفقدتُ مهارة السباحة !

- أبو مشاري أنا ضيفك ..

أردتُ أن أكمل وأقول " وللضيف حق الإستماع وله حُرمةٌ تمنعكم من التعدي عليه " لكن الصمت ابتلع عبارتي ..

- ايه حياك الله .. آمر

حسناً ،هذه العبارة أفضل ..لم أكن أنتظرها ، كنتُ أخشى أن يقول " لستَ ضيفي أنت مجرد مزعج " !


وعزلتُ المجلس والأب والابن عن فكري ، ألغيتهم من مدى بصري، وهتفتُ بنفسي في أعمق أعماقي :
" يا فيصل ، لا تتردد ، يافيصل أنت قادر ، ستفعلها ! "
" سارة حبيبتك أتدري أين ، في الأعلى ، ربما تماماً فوق هذا المجلس من الطابق الآخر ، سارة! تذكر عيون سارة وشقاءك لغياب سارة "
" فيصل ستفعلها ، الأمر سهل ، نحن من نصعب على أنفسنا الأمور ، كل شيءٍ متاح إذا أردنا ، فيصل هيّا "

أنهيتُ حديثَ نفسي كمدربٍ يهتف بلاعبهِ المهزوم في ركن الحلبة ، ووجهتُ الحديث لهم على الفور :

- أتشرف بطلب القرب منك ، أتمنى أن توافق بزواجي من ابنتك !

يا ألله ، أحقاً قلتها !! أحقاً تقيأتها من جوفي ، نظراتُ الأب والابن المدهوشة تخبرني أنني قلتها حقاً ولست أهذي !
حين ننطلق ، يجب أن لا نتوقف حتى ننتهي مما نريد ، الوقوف ، يعني إنطلاقةً جديدة ، آخر شيءٍ أستحملهُ ترددٌ آخر !
لهذا استمريتُ في إدهاشهم :


- أنا ضيفك ، وفي بيتك ، ولستُ كأي رجلٍ آخر يتقدم لابنتك .. أنا رجلٌ تعرفهُ ولا تعرفه !

- من أنت !

رمى بسؤاله فرميتُ جوابي حيةً تسعى تلقفُ أسئلتهم وتخطف أبصارهم :

- أنا فيصل ، فيصل الذي كان في قسم الهيئة مع ابنتك !

لا ، يبدو أنني عدتُ أسيطر على الأمر ، الرجل الجديد الذي يسكنني هو من يتحكم في هذا المجلس الآن ،
الرهبة والدهشة انتقلت للضفة الأخرى المقابلة ، هناك حيث الأب وابنه !
كان تركي يصم قبضته ، شعرتُ بتردده في النهوض لم يستوعب عبارتي ، وقبل أن
يتوجه لضربي أومأ له والده بيده كأنه يقول دعنا نسمع أولاً !

جيّد ، شعرتُ بالارتياح .. يبدو أن الوالد الثريّ يتفهم الأمر .. هم لا يضربون الضيوف !


- أبو مشاري ، أعرف أن بإمكانك الآن أن تقتلني ، وأعرف أن دخولي لبيتك أشبه بدخولي لقبري ، والعذر لك في كل ما تقول وما تفعل ..
أقسم لك لم يحدث بيني وبين ابنتك شيء ، أقسم لك ني شابٌ مستقيم ولستُ من
هواة هذه الدروب ، لكن الأمر تصاعد مع ابنتك بشكلٍ لم أرده ولم تريده !
أحببتها رغماً عني ، وأعرف أني ارتكبت وأرتكب خطأً شنيعاً لكنني هنا لأكفر عن كل أخطائي ..


هل غادرتني رهبتي ؟ لماذا أشعر أنني أتحدثُ بطلاقة .. الآن يجب أن لا أتوقف .. هذه الوقفة لا تلزمني ورحت أكمل :


- بإمكانك أن تقول عني ماشئت وتنعتني بما تشاء ، لكني هنا أتقدم رسمياً ، هذا يبرهن عن حسن نيتي لم أكن أنوي بها شراً ..
لا أدري ماذا قالوا لك عني ، لكني أؤكد لك وبإمكانك أن تسألها ، أؤكد لك لم
أضع يدي على يدها - لا بأس من كذبةٍ وحيدة، هكذا قلت لنفسي - ،
كنتُ أريد محادثتها عن خطوتنا الكبرى هذه وكيف أفاتحك في الأمر - كذبةٌ أخرى لا تضر - ، أقسم لك كنتُ أريدها زوجة وليس أكثر !


أنهيتُ حديثي ، ومازال الأب يضع يده على صدر ابنه تماماً كما رفعها قبل نصف دقيقة ، هل تجمّد والدكِ ياسارة!!
مابالهُ يغمض عينيه الآن وينصت في وجوم !!
ماذا سيقول لي ؟ هل سيقوم لصفعي لتأديبي ؟! هيّا يا والد حبيبتي تصرف تكلم
اضرب ، لكن لا تدعني أنتظر ، أقسى ما في هذه الدنيا لحظات الإنتظار !
لو كنتُ محكوماً بالإعدام، لتمنيت إعدامي نهار النطق بالحكم، سأساق للشنق ويكون إعداماً وحيداً وموتةً أبدية..
لكن أيام ما قبل الإعدام ، أيام الإنتظار ،تلك ألف مشنقةٍ وألف موت !
مرت دقيقة صمت .. و رحتُ أواصل حديثي ، لربما جرعةٌ أخرى تطفيء بعض غضبه :


- لستُ سيئاً ، لو كنتُ كذلك لتركتها في شقائها وعذابها وضربكم لها ، من أنا ؟ أنت لا تعرفني ، أنا من أتى يخبرك عن نفسه!
أنا من يرمي بنفسه الآن في هذه المهلكة ، لسببين : أحبها ، ولأني لا أريد أن تُضرب وتشقى بفعلتي ،
إن كان هناك عقاباً فالعدل أن يكون لنا الإثنين لا أن تحمل نصيبها ونصيبي !
أقسم لك يا سيدي بأنها لم تهاتفني وانقطعت عني ، أنا الآن من جاءك طوعاً ، هي لا تدري حتى بـ نيتي ولا تدري أني ضيفك !


في السنين الأخيرة من حياتي ، اعتدتُ أن أعرفَ قيمة حديثي من رقيبي الذاتي ، أعرف وقع جملتي قبل أن أسمع تعقيباً من أحدهم !
عندما أتحدث ، أكون وضعتُ تصوراً لما قلته إما راضياً عنه أو لا ..
وفي هذا المجلس المتوتر الآن، رقيبي الذاتي يخبرني أن جرعتي الخطابية الأخيرة رائعة ، هل هي كذلك ؟
نعم !
هاهو يفتحُ عينيه ويتأملني .. ولا زالت ملامحه جامدة .. أكان غاضباً أم يواري غضبه لاأدري !

- وش اسمك !

- فيصل / فيصل الــ( ؟ )ــي !

آه يا قبيلتي النائمةِ في آخر اسمي ، آه يا جماعتي الميتين والأحياء ،
لماذا لا تدعوني وشأني ، هاهي عينا والدها تلتقطُ الإسم جيداً !
قبيلتي كبيرة العدد ، يحملها في الرياض من يجعلها تمر على السمع كل يومٍ أكثر من مرة !
اسمي لا يمر عادياً في بلدٍ صحراويٍ كالرياض .. هاهي عينيه تبرقان وقد تعجبتا من الإسم .. ربما خمّن الآن مجيئي لوحدي !
لم يعد السؤال ذا جدوى ، عَرَف بالتأكيد لماذا أتقدم لفتاتهِ وحيداً إلا من خوفـي !


كانت عيناي تغرقان في عيني أبيها ، وأرى جيداً نفاذ صبر تركي .. بمجرد سؤال الأب عن اسمي ، هذا أشعر الفتى المنكوب بالأسى ..
بدا وكأنه فقد صبره ، مجرد سماعه لإسمي وسؤال والده هذا أشعره أن الأمر قابلٌ للمداولة والنقاش ..
قام فيني صارخاً يسحب يدي في ذهول :

- اطلع برا .. برررررررا

- ولـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد !

شق فضاء المجلس صرخة والده المدويّة ، زمجر في وجه ولده بهذه الكلمة ذات الثلاثة أحرف حتى خلتُ الثريا ارتعدت فوقنا !
يا للصرخة المرعبة ، أحقاً يا سارة تلقيتِ الزجر والضرب والصراخ من هذا الصوت ..آآآآه يا للمسكينة !
كانت عينا تركي تحتقنُ بالدمع ، قام غاضباً وغادر المجلس تاركاً لي ولوالده إدارة الحديث الملتهب !


لا أدري هل أراحني خروج الإبن الغاضب ، أم خشيتُ أن يكون الأب يستدرجني أكثر، ثم يفاجأني بردة فعلٍ هوجاء ..
لكني شعرتُ بالارتياح قليلاً بعد صرخته في ابنه ..هل كان يحميني من ولده ؟ ربما ..
ربما كنتُ غنيمةً له ولبنته التي تلطخت سمعتها قليلاً كما حدثتني هيفاء ، ربما يخفي خلف هذا التوتر فرحته !
بل ربما كان الآن يثني على ربه ويحمده أن جئتُ لأسوّي الأمر .. من غمرة أفكاري أفقتُ على صوته الراقد في الهدوء التام :

- لماذا جئتَ وحدك يا فيصل !

الأسماء لا تُنطق حين الغضب ، هكذا عرفت دائماً ! نطقُ الإسم أحياناً يخلقُ مسحةً حميمية ..
تلفظ والدها بإسمي هنا ، أشعرني بقليلٍ من الدفء ..
ورحتُ أحيك أكاذيبي مبتعداً بوالدي عن المناطق الساخنة ..

- والدي .. رجلٌ كبير حاد المزاج ، ونزعته الدينية شديدة ،
صدقني كان سيأتي معي لو لم يتطور الأمر لـ .. فضيحة ومركز هيئة ! ( شعرت بالرجل أغمض عينيه مجدداً )
عندما أخبرته أني أريد التقدم لـ .. إحم ، سارة ، ... بنتك ! رفض بحجة وجود
معرفة سـ ..سابقة ! تعرف ، لم نعتد هذا الأمر ..يعني أن تتطور علاقة قبل
الخطوبة !
لكنها حياتي ، وقبل أن تكون حريتي وقراري ، هي غلطتي .. وأنا رجل أريد تحمل مسؤولية أخطائي مهما عظمت !


رقيبي الذاتي الآن، يشعر أن هذه الصياغة رديئة وركيكة جداً !
هي كذلك ، ها هو وجه الرجل يتمعر مجدداً .. عاد يسألني وكان أذكى مما ظننت :

- فقط ! ؟ هذا سبب عدم مجيئه يا الـ . . . . ـي ! ( نطق إسم قبيلتي )

حسناً ..
إن لم أتألق الآن ، إن لم أكن رجلاً في هذا الحديث وواثقاً من نفسي ، إن لم أكن مقنعاً فتباً لي ووداعاً لحلمي ،
" فيصل انفض عنك غبار الرداءة .. هذا الحديث أهوج ، أنت تجيد أفضل " هكذا هتفتُ في أعماقي مجدداً ورحت أتحدث له :


- صِدقي ، وقلبي ، وأسرتي و قبيلتي ، كل هؤلاء أرفعهم لك في يميني أقدمهم مهراً لسارة !
هذه الدنيا بأسرها لا تعنيني إن عشتُ بعيداً عن سارة ، ماذا تريد دليلاً
على صدقي أكثر ؟ أحمل لك قبيلةً وأرميها أمامك .. لا أعبأ بها ولا بغضبها !
أحمل إليك غضب والدي ووالدتي ولكني لا أهتم بكل ذلك ، أي صدقٍ تريد أكثر !

بدأت حرارة نبراتي تتصاعد .. أعرفُ نفسي جيداً ورقيبي الذاتي يخبرني أن هذه النبرة رائعة ، ورحتُ أواصل :


- ربع قرنٍ من حياتي مضت ، عشتُ فيها مع من لم يعبأوا بي ، أريد لبقية حياتي العيش مع من يهتم لأمري وأهتم لأمره !
ربع قرنٍ مضت من حياتي ياسيدي وأنا لم أختر هؤلاء الذين أحمل اسمهم ، فُرضوا علي ، دعني بقية عمري أختار مع من أكمل مشواري ..
ربع قرنٍ وأنا الرجل النافر من كل هذا الإرث والموروث ، خذ اسمي خذ اسرتي وقبيلتي وأعطني سارة !

بدأ صوتي يتهدج، وبدأت عيناي تفيضان دمعاً طاب وقته ، ولأول مرةٍ رأيت في ملامحهِ نظرةٌ تحملُ بعض رضى .. لم أتوقف :


- أي صدقٍ تريد أكثر يا سيدي ! أي صدقٍ وإثبات لحسن نواياي أكثر !
أنا من بحثت عنك ولم تبحث أنت عني ، أنا من يرمي رقبته تحت رحمة مقصلتك الآن !
أنا من دخلتُ بيتك مقامراً على حياتي لا أدري هل ثمة خروج بعد الدخول !
أنا من عاش معذباً مسهداً طوال هذه العشرة أسابيع ، أقسم لك بأنها أسوأ ماخلق الله من أيامي !
أي صدقٍ تريد أكثر وأنا الذي أرمي وراء ظهري كل شيء متقدماً لبنتك لا ألوي على شيء !
إعتبرني واحداً من أبنائك ، اعتبرني ثالث أبنائك ، اعتبرني منذ اللحظة أحمل
اسمك واسم أسرتكم .. تباً لقبيلتي إن كان في الأمر فراق سارة !


وقفتُ عند هذا الحد ، وملوحة الدمع تتلمظها شفتاي .. أخرجتُ منديلاً وبدأتُ
جمع دموعي فيه ، كنتُ أبكي بكاءً حاراً لم أتوقع سأبكيه أمام أي أحد ..
كان الرجل أمامي ينظر لي في صمت .. وكنتُ مشغولاً بدمعي ..


- هل تعرف أن سارة يتقدم لها الآن شابٌ من خيرة شباب البلد !


سرت فيني فرحةٌ حين سمعت السؤال ، هو لا يعرفُ أني أعرفُ هيفاء وأسراراً تلقيها في حجري كل ليل ، يبدو أنه يستمتعُ بصدقي وأجوبتي ..
أدركتُ على الفور أنه فقط .. يريد سماع إجابة !
هو لا يدري أني أدري بأن المتقدم لسارة قد أفل وانصرم .. تُخلق الفرص من حيث لا نعلم !


- مخطوبة!! لا .. لا أعرف ! لكني أعرف أن مابيني وبين سارة ليس يدركه هذا الشاب ولا غيره !
هذا الشاب إن رفضتموه يا سيدي سيجد عشرت الآلاف من النساء الصالحات للزواج ، لكني لستُ كذلك ..
بإمكانك أن تقول لي طلبك مرفوض ، لأعرف الآن أني سأعيش بقية عمري دون زواج !
هذا الشاب ربما يكون غنياً يقاربكم في المستوى ويقاربكم في الدم ، لكنه لم يقدم مهراً كالذي قدمت .. وليس صادقاً كـ صدقي !


لاأعرف ردة فعل هذا الأب الثريّ وما يعتمل في خفائه ، لكني أعرفُ أن وجهه الآن ليس الوجه الذي دخل به ،
وليس الوجه الذي كان متجهماً بداية الأمر !
ورقيبي الذاتي يهنئني في كل عبارة ، والتقطتُ نظرةً ربما فلتت من عينيه ،
كانت فيها ابتسامة أو ربما شفقة .. أو .. انبهار .. لا أدري ..
لم أتوقف ، لكني ركنتُ للهدوء و وغادرتني دموعي و غار صوتي في أعماق حنجرتي وحدثتهُ بخشوع ووقار :

- أرجوك فلتبعث في مقر عملي رسلاً تتقصى لك عني ، أرسلهم في حيّنا وحارتنا و كليتي التي غادرتُها الترم الماضي ..
كلهم سيقولون لك لستُ سيئاً .. أقسم لك لستُ غادراً ولا سيئاً .. كنت
أستقبل جهاز ابنتك في محل زميلي للحواسيب .. تحدثنا عن الجهاز وامور اخرى
ليست ذات بال..
لكن الأمر اطّرد .. تصاعد الأمر بغتة ، خرج عن السيطرة ، أحببتها رغماً عني ولم أؤذها إطلاقاً أحلف صادقاً ...
لا أتقدم لها الآن كـ رجلٍ يريد رتق الأمر وإصلاح خطأٍ شنيع ، لا تفكر بذلك أرجوك..
لم أقترب منها وحاشا لله ياسيدي .. لكني أتقدم لأني أريدها بالحلال زوجة .. أريد أن أمضي بقية العمر رفقتها !
أنا معلم ، أتقاضى راتباً جيداً .. لستُ غنياً مثلكم لكني أؤكد لك أنها لن
تعيش إلا بين الرمش والعين .. لن أجعلها تفتقد شيئاً .. صدقني ..
أنت لا تريد أسرتي ومركزك لا يعبأ بأسرتي الفقيرة المطمورة في أوحال
الرجعيّة ، دعهم في قبليّتهم يعمهون .. وخذني أنا المبلي بحب ابنتك !
لا أدري ما أقول هذا كل ما لديّ !


قام .. وقمتُ معه .. كنا في الطول متقاربين .. لكنّ هذا بحساب السنتيمترات
ليس في حساب القدر والثراء .. كنت في هذا القياس نملةً تدب بجوار أبو
الهول ..
أشار إلى الباب وقال تفضل الآن .. أهاتفك لاحقاً !



أحقاً خرجتُ سالماً .. أحقاً ها أنا أمضي بعد ساعةٍ وربع الساعة في ذات الردهة التي دخلتها متوجساً ؟!
وهذه البوابة الكبيرة أحقاً أجتازها الآن ؟! هاهي خطواتي تقطعُ الحارة وأمتطي سيارتي سالماً .. فعلتها !
هل أقنعته ؟ هل أبهرته ؟! هل سيقبلني .. آآآه يا أسئلتي اللحوحة غادريني لوهلة ، هذا الصداع يقتلني ..
وانثنيت في تخوم الطريق الضيق ورفعتُ رأسي ـ ها هي غرفة سارة ونافذتها المظلمة، يا ترى متى سيخبرونها ؟ أم هل يكتمون الأمر عنها ؟!
ما ردة فعلها ؟ هل ستصرخُ .. هل ستوافق لو خيّروها بيني وبين أحدهم .. ثم شعرتُ رغم صداعي بنرجسيةٍ تجتاحني وتقول أنا الأفضل !


وانثنيتُ مع الطريق ، وشعرتُ بالصداع ينقر رأسي ولمحتُ الصيدلية التي تبعتُ تركي إليها .. وتذكرتُ غضب تركي كيف نسيته !
هل سيؤثر في قرار العائلة .. رحماك ياربي من هذا الوغد . .آخر ماينقصني .. وفتحت باب سيارتي وخرجتُ لأشتري دواءً لرأسي الملتهب ..
وآآآآآآآآآآآه ..
شعرتُ بارتطامٍ في رأسي .. وصوتٌ غاضبٌ يزأر بي .. وسقطتُ أرضاً .. والأرض مادت بي وانقلب العلوّ أسفلاً ..
كانت اللكمات تنهمر فوقي تتبعها الصرخات.. وحديدةٌ أشعر بها لم أرها .. ترتطمُ بي مراراً لتطلق آهاتي المتوسلة !
أنيني يدب في الأنحاء .. وأحد الضاربين يصرخ فيني : يا ملعون . يابن الكلب . ياملعون ..
وأبكي .. .أضرب الإسفلت بيدي من فرط الألم .. آآآه يا ظهري .. ورأسي يُمنى بسيل الأقدام الداهسة ، والدماء تملأ ثوبي ..
والناس يهرعون تباعاً .. وصوتُ سيارة الشرطة تقتربُ من الجمع .. حملوني وكنتُ أشبه بغريق في بحر دمائي ..
وتذكرتُ سارة و ليلة القبض علينا .. وبحثتُ في الأنحاء وهم يحملوني ..ورأيت
تركي غاضباً ، وصديقٌ له يريد الإفلات من قبضة الممسكين به يردونه عن
ضربي ..
وتراقص الشارع في عيني .. وضاقت الرؤية حتى ضاعت ، أغمضتُ عيني ولم أشعر بشيءٍ بعد ذلك !







***********





أفقتُ في غرفةٍ ليست غرفتي .. غرقها في البياض يخبرني أني في مكانٍ غريب !
رائحة المعقمات الفاغمة ترقص فوق أنفي .. وأردتُ مشاهدة الساعة وتأوهتُ حين رفعتُ يدي .. وذكرت كل شيء !
كان فوق رأسي فهد ، وشقيقي محمد ، وسلمان ..
وشعرتُ بالشاش يكتسي رأسي كـ عِمامة ، وعيني تكادُ تنطبقُ رغم اجتهادي إبقاءها مفتوحة !

-سلامات فيصل ، أبشرك مسكوهم ، وش بينك وبينهم !

سألني شقيقي محمد ، ولم أشأ إجابته .. هززتُ رأسي لا أدري ،

- قسم بالله ما تعدي على خير ، خل يطلعون وابشر بحقك وفوق حقك !

كان فهد محتقناً وعيناه تغيضان دمعاً..
وتذكرتُ أنه الوحيد الذي كان يعرفُ أين كنتُ أتوجه البارحة ، وخشيتُ من ذياع سري ، ياترى أأخبرهم ؟!

- سيأخذون أقوالك وقل كل شيء، هل كان اشتباكهم معك من أجل خطأ في السير أو حين تجاوزتهم أو ماذا ؟
كان هنا شرطي وانصرف ربما يعود في أي لحظة ..

لا ، لم يخبرهم فهد .. هذا التساؤل اللحوح من محمد يشي أن فهد مازال يكتم الأمر كما أخبرته !

كل ما في جسمي ينوء بالألم ، كتفي أكاد عاجزاً عن تحريكه ، رأسي مليءٌ بالصداع والخيوط والدم ، عيني تنحرفُ الرؤية فيها يساراً !
وفقراتُ ظهري أشعر بها تتباعد عن بعضها ، كل واحدةٍ تبكي على حدة !
كان ارتطام الحديد بظهري أشبه بحادث سيـر ، أوّاه ياسارة ماذا تقولين الآن إن عرفتِ بأمري ..
وهمستُ بسارة كآخر جملةٍ أنطقها ورحت أغط مجدداً !!


* * *


مضى يومان بين سؤالٍ وجواب .. وبدأتُ أبتلّ من سقمي قليلاً .. ويدي تحملُ هاتفي بصعوبةٍ أخف مما سبق :

- أنا أسامحهُ عن كل شيء ، أتمنى أن يكون خرج الآن واطمأنت برؤيته والدته !

- نعم ، جاء إلينا وشكراً لك ..وأعتذر مجدداً

- لا تعتذر أرجوك ، هو نصيبي من خطأي وبعض ما حدث لسارة ، صدقني لست غاضباً من شيء

-حسناً ، على ذكر سارة ، يا فيصل ليس لديّ أي مانع ، وأخبرك أن سارة موافقة وتركي سأتدبر أمره !

ها هو الرجل الثري ينطق بالخبر الألذ منذ امتلكتُ حاسة السمع !
كان يوم سعدي ياسارة يوم ضُربت !
عجباً لأمر المؤمن كله خيـر .. ذكرتُ هذا الحديث رغم ثورة إلحادي الجديدة ، وابتسمتْ !
وعرفتُ أن عائلتكِ ياسارة صفحةٌ طويَت ، وعرفتُ أني قادمٌ إليكِ ، وأن
الروايات ليس كلها كذباً ياسارة .. بعضها يتحقق في واقعنا الغريب !
وتذكرتُ عائلتي ، وعرفتُ أن أيامي القادمة صعبة ، لكنها مع سارة ستكون أسهل .. كل شيءٍ مع حبيبتي سيكون أسهل ..



يـتـبـع ... !

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:31 am

31

اليوم الثالث لي في المستشفى ، تأوهتُ كثيراً و جسدي يتكدسُ فيه الألم .. لكني بخير !
بدأتُ أتعافى حقاً منذ مكالمة والد سارة ، منذ عرفت أن الحلم بات في قبضة كفي محصوراً بأصابعي الخمسة ..
هذه القطعة الحمراء النابضة في أجوافنا هي مصدر مرضنا وعافيتنا ..
هذا القلب الذي يغني الآن ألحان الفرح ، هو سر عافيتي رغم كل آلامي التي يأن لها جسمي ،وليس مهماً لأنّ روحي الآن ترقص !
يتحلقون حولي زائرين ولا أرى إلا سارة ، يسائلوني فلا أجيب .. مشغولاً بسؤال قلبي السعيد : أحقاً نِلتُكِ ياسمراي الجميلة ؟!
محمد وبدر أشقائي ، فهد وسلمان وصالح أصدقائي ، يحيطونني كما تُحيط بي البهجة رغم زرقة عيني وصداع رأسي وجبهتي المندوبة ..


- " كنت واقفاً أمام آلة الصرف البنكية وهجموا علي يريدون سرقتي ، لم يفلحوا واشتبكت معهم "

هكذا أخبرتُ الجميع من حولي ، وعينا فهد تُرسل لي نظراتٍ تقول " لا أصدقك "
، لكنهُ يقرأ في عينيّ أيضاً " أرجوك اصمت،نتحدث لاحقاً "
لو عرفوا أني تنازلت للشرطيّ الذي جاء يأخذ أقوالي .. لو عرفوا أن الجناة ينامون الآن في حجراتهم الأثيرة ،
لو عرفوا سبب ضربي .. لانفضوا من حولي قياماً وتركوني وحدي ..
.. وحدي إلا من هذا المغذي الرتيب الذي يُرسل قطراته كالندى تنسابُ في عروقي !

تحدثوا لي كثيراً ولم أكن أصغي ، كنتُ شغولاً بأسئلتي : متى سأتحدث لسارة متى سألتقيها !؟
اشتقتُ صوتها وبحة صوتها واشتقتُ لعينيها أكثر ،
شهران ونصف الشهر من القطيعة ، أشبهَ بانفصالٍ عن هذه الدنيا لمدة عشرة أسابيع ..
كانت حياتي تسيرُ متصلةً حتى توقفتْ، وحل الموت سبعين يوماً ، ثم الآن أعود لهذه الدنيا رجلاً جديداً ليس الذي كنته !

تصقلنا التجارب ، والمغامرات في هذه الدنيا تعلمنا أن نتمرد على الإنسان الخائف المُطيع فينا ، وأنا رجلٌ قتل الخوف وآمن بالجرأة :
غياب سارة ، صراعي مع غيابها الأشبه بوحشٍ كاسر ، عشرة أسابيع من المواجهة المستمرة مع هذا الخصم الذي لا يتضعضع ،
تمردي على قيمي الدينية والعائلية ، كتاباتي الموجهة ، صراعاتي مع التيارات الفكرية الأخرى ،
ثم بحثي عن حلمي مجدداً ، وقوفي في وجه أبي وشقيقي الأكبر خالد ، مجابهتي لوالد سارة في عقر داره كمحاربٍ لا يأبه لرأسه إن تدحرج ،
كل هذا .. خلق فيني رجلاً آخر ، آمنتُ بشراستي وأن الحياة لن تكون صعبةً إلا على الجبناء ،
حتى الضرب الذي تلقيته غدراً من شقيقها ، تنازلتُ عنه في أنانيةٍ مفرطة ،
كنت أنانياً بحق جسمي ومنحازاً لقلبي ، استغللتُ الموقف لصالحي جيداً ..
كنت انتهازياً وأنا أطوّع الأمر لمصلحتي .. هكذا عرفتُ خصالي الجديدة .. خصالاً لم أعهدها فيني من قبل !


ضجيج حديثهم حولي لم يمنعني من الانتباه لرجلٍ يسأل الممرضات عن نزيلٍ يبدو أنه أنا !
هاهي الممرضة تشيرُ بيدها ناحيتي مبتسمة ، وهاهو يتجه صوبي ، يدلفُ باب الغرفة قاصداً سريري من بين المرضى الممددين ..
أظنني عرفته !
بمزيدٍ من التحديق أبانَ عن ملامحٍ آسيويّة ، كان يحمل بوكيه ورد .. وعرفته نعم :
سائس الهودج الفيراني ، سائقُ سارة !
أومأ برأسه تعاضداً مع حالتي وقال بلهجةٍ عربيةٍ محطمة : " سلام عليكم "
وضع الورد وعلبة الشوكولا الفاخرة بجواري ثم انصرف.. وصعَدَت عيون زوّاري ترصد هذا الرجل الغريب وهديّته الأغرب ،
ولمحتُ بين الورد ورقةً مغلفةً ربما كانت رسالة، وتسارع نبضُ قلبي الذي أدركَ أنها قادمةٌ ممن يحب !


" ليت فيني ولا فيك فيصل، سلامتك يارب ، .. حبيبتك سارونة "

ننجح كثيراً في دفن حزننا عن عيون الآخرين .. لكننا نفشل حين نحاول ذلك مع الفرح !
عيوني المتلألئة سعادةً .. تنهيدتي الحرّا ، انتشائي الفجائي ...بسمتي رغم الجروح ، كل هذا أخبر زوّاري أن الأمر خاصّ وجداً ..
..لم يسألوا !

* * *



الساعة الآن العاشرة ليلاً ، غداً موعد خروجي هكذا أخبرني الطبيب ، يرقد المستشفى في بحرٍ من الصمت ..
يقطع هذا الهدوء آهةٌ تنبعث من أحد الراقدين ، أو مرور ممرضةٍ تمشي مشياً رتيباً لتحقن أحدهم ،
وصوتٌ كئيبٌ مزعج يندّ من جهازٍ طبي ، يقيس سرعة نبض الرجل الماكث بجواري ،
وسألتُ قلبي : ماذا عنك يا قلبي ؟! أظنهم لو وضعوه فيكَ لنبضت باسم سارة، كلما قرأت الرسالة صرتَ أسرع من ليلٍ كان يروحُ معها !
وفهد الذي يجلسُ بجواري مرافقاً هذه الليلة ، لم يسألني عن أي شيء .. كأنما يخشى الإثقال عليّ وينتظرني لأبرأ كلياً /
من الصعب أن تحمل سراً لوحدك .. قررتُ الحديث أخيراً .. قررتُ التخفف من حِملي السعيـد !


- ماذا تظن الأمر يا فهد ؟! هل تصدق أن الأمر سرقة ؟!

بثقةٍ بادية أجابني وهو يتكأ على قبضة يده فوق الكرسيّ المقابل لي :

- بالطبع لا ! كنتَ ذاهباً لمقابلة والد سارة .. هذا يفسر كل شيء !

ابتسمت وأنا استوي قاعداً على فراشي :
- آها .. تظن أن والدها قام بضربي أو أمر بذلك ؟! حسناً .. سأخبرك بكل شيء ياصديقي :

ذهبتُ إليهم ، استقبلني الأب وابنه ، أخبرته بكل شيء ..لا أقول لك لم يغضب ،نعم غضب ، لكنه تفهّم الأمر كما أعتقد ..
كان مخيفاً مهيباً يا فهـد ، هؤلاء الأثرياء محصّنين بالمال والمال له
سطوته ، المنزل الفاخر المجلس الكبير كل هذا كان أشبه بمغامرة ..
في النهاية أقنعته ، أظن ذلك !
سألني عن أهلي وأخبرته .. نعم يا فهد أخبرته بكل شيء ، الحقيقة ولا غير الحقيقة ، لكنه لم يهتم لأمر أسرتي كثيراً !
ثم خرجت لأجد شقيقها يترصدني .. نعم هو من قام بكل هذا ، وأريد ان تعرف أني تنازلت لأجل سارة ..


- تنازلت ؟!

- تنازلت أو لم أتنازل ، في النهاية نفوذ والدها سيخرجه ، لكني استغللت الأمر لصالحي ، قلت له أتنازل وأسامح لأني أريد القرب منكم !
كل هذا أشعرهُ بصدقي .. - ثم ابتسمتُ ظافراً وأردفت :
.. وأعطاني موافقته !

صوتُ الكرسيّ الذي سقط على قيام فهد مهتاجاً أيقظ المرضى :

- وافق! ستتزوجها ؟! مجنون ؟!

تأكدتُ الآن أن فهد لم يضع هذا الإحتمال في رأسه أبداً .. ربما كان يظنني سأُطرد من منزلهم كأي متسولٍ يُنهر فـ ينصرف !
كان قد حاول منعي قبل التوجه إليهم فلم يفلح وعندما صممت ..كان يتعزى بطردي ..
جزم أنهم لن يوافقوا .. لم يدر بخُلده أني سأحظى بحلمي :

- نعم ، رغم كل شيء سأتزوج ..
كانت الصعوبة تكمن في موافقة والدها يافهد، وبعد أن حظيتُ بالموافقة .. كل مابعد ذلك سيكون أسهل !


أوووه، اللعنة على صديقي .. أليس مرافقي الذي سيخرجني غداً ؟!
لماذا أعطاني ظهره الآن غاضباً وخرج !!؟



تركني لوحدي مع سعادتي التي تحيطني .. وشممتُ الورد بحثاً عن رائحة سارة ولم أجدها ،
كانت رائحةً الورود عطريةً لكنها لم تكن أجمل من عطر حبيبتي !
ونظرتُ للرسالة مرةً أخرى ، وتأملتُ خط يدها .. هل كان خطها جميلاً أم أنني أتوهم ..!
كل شيءٍ منها يأتي جميلاً .. حتى الحرف الذي تخطه يبدو شهياً !


في النور الخافت الذي يهيمن على الغرفة الكبيرة ، وصوتُ المتأوه الذي بجواري .. و أرقي الذي طال ولم أنم ،
خفق قلبي بسرعة ، خفق بغتةً في في ثانيتين .. أجزم أنهُ خفَقَ قبل رنين هاتفي !
بدأ الخفقان أولاً ثم بدأ الرنين ، أتُراك تشعر بموجات حبيبتك يا قلبي قبل أن يصرخ بها الهاتف ؟
ونظرتُ للشاشة ووجدتُ الإتصال رقماً غريباً .. عشرة أرقامٍ في شاشتي ظننتها ترقص ،
ومسني شعورٌ غريب تجاه هذا الإتصال ..و قلت ألو بصوتٍ خفيض :

- السلام عليكم

هذا صوتٌ سأموتُ مانسيته ، صوتٌ أذكره جيداً رغم مسافة السبعين يوماً !
كأنما ودعته أذني مساء البارحة لم ينقطع منذ شهرين وأكثر ..

- كيف أنت الآن فيصل !

لا أحد ينطق اسمي أفضل من هذا الصوت ، ولا يكون اسمي جميلاً كجمالهِ حين يُزف مع هذه النبرة !

- سارة ؟!
- أجل .. أنسيت صوتي !؟
- هل جننتِ ؟!

وأردتُ السيطرة على صوتي ومداراة انفعالي ، أردتُ كبح جماح فرحتي ولم أسطِع ،
تباً لهذا المريض الذي يتأملني الآن ، يُدرك الآن أني بصدد لحظةٍ مهمة !

ورحتُ أهمسُ في أذنها موارياً حديثي عن جموع الراقدين :
- أرجوكِ سامحيني عن كل شيء، سامحيني على كل ألم ٍ سببته لك ، أرجوك سامـ...

- لا تعتذر ، أنت سامحني على انقطاعي ، أقسم أني حاولت كثيراً أن أعود إليك ولم أقدر ..

- هل أخبركِ والدك أني كنتُ لديه قبل يومين !؟

- نعم أخبرني ياسيد مجنون ، فيصل أليستْ غريبة هذه الدنيا ، أكون على وشك الإنتحار ثم يزف لي الخبر السعيد فجأة !

- انتحار !؟

- أقسم لك رادوتني نفسي عن الانتحار ألف مرة ، الحياة بعيدةً عنك ماعادت تُطاق ..
يافيصل تعذبتُ كثيراً وتألمتُ نفسياً وجسدياً ، لكن صدقني .. كل شيءٍ كان أخف من الفراق !
الفراق وغياب الأحباء يافيصل سياطٌ تجلدنا كل ذكرى ، أنتَ لم تغب عن مسرح حياتي مطلقاً ..

كانت تتحدثُ بصوتٍ متعب ، وتمنيتُ لو كنت طائراً يقطع هذه السماء بجناحيه فأكون بجوارها لأحتضنها وأواسيها ..

- يا للمسكينة يا سارة ، كانتْ حياتك تسير هادئةً حتى اقتحمتُها ، أحلتُ ليلكِ عذاباً وأيامك جموعَ مأساة ..

- لا يافيصل لا تقل ذلك ، رغم كل شيء .. أنت أفضل ما حدث لي !

- هل تذكرين تلك الليلة المشؤمة ، يوم صرختِ باسمي ولم أغنِ عنكِ شيئاً !؟

- آآه لا تذكرني .. مازالت حتى اليوم تهطل في ذاكرتي كالكابوس ، أُفيقُ من نومي لأصرخ يا فيصل ..!

- كنتِ يومها ياسارة تخفين عني خبر موافقتك بالزواج من منصور ، هكذا عرفت من صديقتك ،
لولا تلك الليلة ، لولا ذلك الإقتياد الهمجيّ .. لكنتِ الآن زوجةً لغيري !

وشعرتُ بصمتها خجلاً .. ورحتُ أتحدث رغم الألم رغم المرضى رغم هدوء المكان وحديثي المتصاعد في فضائه:

-نعم ، لولا ليلتنا تلك ، لما كنتُ الآن رجلاً يقبض الحلم بيده ، أليس
غريباً يا سارة أن يحدث لك شيءٍ تظنه الأسوأ في حياتك ، لتجده في ما بعد
كان خيراً لك !
نعم تألمت شهرين ، وفقدتكِ شهرين ، لكنّ الشهرين ليست كالغياب إلى لأبد !
صدقيني كنتُ سأموت لو رحتِ لغيري .. أقسم لك كنت سأموت، الحياة بدونكِ أشبه بالمكوث في مقبرة !
لا ياسارة ، لا تتبرمي ولا تضيقي .. واسعدي بتلك الليلة .. كانت على هولها ورعبها ليلة إنقاذٍ لحبنا المجنون ..

- ألم أقل لك يا فيصل بأن الرياض لا تُكره، ولا تَكرهُ أحداً من أبنائها ؟!

- نعم قلتِ .. وكرهتها شهرين .. لكنها باتت كريمةً معي في الأخير ، هل تذكرين حديثي لكِ عن القُرى ؟!
سأذهب بكِ كما طلبتِ .. ستشاهدين طفولتي ونخيلنا وبيوتنا الطينية القديمة ..
أعدكِ ، سأقف على الأطلال وأنتِ بجواري تحيلين كل شيءٍ لبهجة ..

هتفتْ بسعادةٍ غامرة :

- أحقاً سنكون لبعضنا يا فيصل .!

- نعم ، سنكون لبعضنا .. لا شيء بعد الآن يقلق صفونا ..
وهل تذكرين حديثك عن بيتٍ يلمّنا ؟ يوم قلتِ " سأجعلك الرجل الأسعد " ؟ تأهبي لإنفاذ وعدك .. سيجمعنا بيتٌ ياحلوتي !

- ستمشي على قلبي يافيصل لن تمشي على الأرض ، ستنام في عيناي .. سأكون لك الأم والزوجة والحبيبة ..


وذكرتُ أمي .. وانقبض قلبي !
آه يا أمي .. سأهجر والدي وإخوتي وقبيلتي .. لكن تبقين وحدكِ شوكةٌ تُغرز في قلبي وندبةٌ لن تُشفى في وجه حياتي !
وطردتُ طيف الحزن من عقلي، ليس ذا وقت الدمع ذا وقتُ الفرح !


- وسننجب طفلين ياسارة ، أريدهما طفلاً وطفلة ، سعود و العنود ، وسنكون أسعد زوجين في الدنيا ..

وراحت تضحك ناشجةً دموع الفرح .. وشعرتُ بالمستشفى مسرحاً تُعزف فيه اوكسترا احتفالية ،
وحلق قلبي في جوانبه كطيرٍ سأم الأقفاص واعتنق الحرية ..
يا للسعادة أخيراً .. أسرعي يا أيامي، واركضي أيتها الدنيا ليتحقق كل شيءٍ أريده ..

- فيصل ماذا فعلت بدوني هذه الفترة الطويلة ؟

- أووه يا سارة ماذا أقول ، صرتُ وحشاً أقسم لك ! وحشاً لا ملامح له ولا قلب ، لم أعد أعرف طعم الحزن كنتِ كل حزني ..
ولم أعد اتذوق طعم الفرح كل الفرح انصرف معكِ يوم انصرفتِ، بتَ رجلاً آخر .. كل أيامي موحشة ..
كنت أشعر أن في داخلي فراغاً، ليس ثمة روح ، خراب مدينةٍ تحطمت بعد حربٍ مسعورة !
أشلاء يا سارة .. أقفُ كل صبح ٍ أمام طلابي وأشعر بالصغار يقرأون همّي ، حتى هم كانوا مشفقين ، كنتُ كتاباً مفتوحاً لكل رائي ،
بماذا أحدثكِ؟ أأقول إن الصبح والليل كثيراً ما كانا سويّاً.. يمرّان متصلين لم يفصل بينهما نومي !
أأحدثكِ عن حياتي التي لم تعد حياتي ، وقلبي الذي لم يعد قلبي ، وملامحي التي لم تعد ملامحي ،
كل شيءٍ غادر معكِ وبقيَ بجواري النسخة الأخرى الرديئة !
هل تذكرين في قصتي يوم قلتُ : الحياة بعد من نحب كالعودة لبث الأبيض والأسود بعد اعتيادنا البث بالألوان " !
كنت قلتها خيالاً ، كاتبٌ يتقمص دور الفراق .. وحين عشته ، حين افترقنا .. آآه ياحبيبتي ماذا أقول.. كانت بطعم الحقيقة !
كل شيءٍ بعدكِ باهت ، كل صحةٍ سقم وكل ذكرياتي أنتِ .. كانت أيامي تنسل من صفحة تقويمي مهدورة !
هذا الفراق ياسارة نسخةٌ أخرى لعزرائيل ، يقبضُ السعادة والفرح ويترك لك حياةً خاليةً إلا من بكاءٍ و حزن وذكرى مريرة !


طفرت من عيني دمعةٌ وأنا أروي أيام عذابي .. تحدثتُ لها كرجلٍ يروي مآسي سجنه والعيش خلف القضبان
حدثتها كشيخ ٍ يتحدث عن عقوق أبناءه/أيامه !

وحدثتني بأكثر مما لقيتُه ، عن ضربها و حصارها و فضيحتها بين شقيقاتها ، حدثتني وهي تبكي عن تذكري كل صباح ..
" الآن الشمس تشرق ، ياترى أغادر فيصل للخرج أم لم يذهب "
" الليل حلّ ، أتراه نام الآن؟ "
" الهلال يلعب، ياتُرى مع المتفرجين على المقاعد أم حزينٌ مثلي "
كل شيءٍ في أيامها الحزينة يشبه أيامي .. كنا نندمجُ في تفاصيل الغياب كروحين يعيشان ذات الدور !


- فيصل وأهلك ؟ أنت جئت وحيداً لخطبتي ! سعيدةٌ بك وأحبك ، لكني أخشى عليك .. لا أريد أن ....

لا تحدثيني عن أهلي .. أنتِ كل شيءٍ لي ، لم يغنوا عني شيئاً يومَ فقدتُك ! وإن فقدتهم صدقيني ، لن أشعر بذلك وأنتِ معي ..
ومع هذا أؤكد لكِ .. والدي طيب القلب .. شهر ثم شهرين ، وسيقبلكِ كابنته ..
والدي ياسارة بسيطٌ جداً .. غضب البسطاء مثلهم بسيط ، لا يدوم صدقيني .. نحن نغضبُ بسرعة الرضى الذي يعقب غضبنا !

- وأمك ؟!

أمي من الآن أخبركِ لن تعتبرك إلا ابنتها السادسة ، ياسارة لا تشغلي نفسكِ بتفاصيلي دعيني أتولّى أمري ..
من هو رجلكِ الذي تعتمدين عليه ؟!

وبصوتٍ يختالُ فرحاً : " فيصـل "

إذن ، من الآن لا تنشغلي إلا بي .. عوضيني عن كل شيء ، اتركي الهم والعناء لي ، دثريني عن كل ما يصدفُ لي ..
أرجوكِ يكفي ما مضى من دموع ، ليس ذا وقت الدموع ليس الآن وقد حصلت عليك يا سارة !

طال حديثنا وراح يتسامقُ شعراً ، وراحت أحلامنا تشقُ عباب الليل ، وبتنا
نختارُ أسماء أطفالنا و طريقة عيشنا وتفاصيل أيامنا القادمة..حتى هزيع
الليل الأخير!
على صوتها نمتُ اللية الأسعـد منذ شهور .. وحلمتُ بها ...رأيتها في ذلك الحلم المكرور !
رأيتها تركض خائفةً..لكنها حين رأتني لم تهرب مني ، عندما واجهتني ارتمت في
حضني وأخذنا ندور في حقلٍ من الورود والفراشات يرقصن لنا ..
وأفقت من نومي .. لم يكن كابوساً كتلك الليالي.. كان حلماً ناعماً كملمس
خديها ، ولم أكن أبكي كتلك الليالي .. كنتُ رغم نعاسي أبتسم !


* * *



غادرتني أوجاعي من حيث أدري ولا أدري ...كل شيءٍ تحسّن وبات أفضل ، ماعدا الشاش الذي يحيطُ برأسي كـ قبة ،
تمر الليالي متوشحةً بصوت سارة ، وأحلامنا التي ننسجها ثم نعلقها على عتبات
الفجر، وننام وعلى ملاحنا بسمةُ أطفالٍ أرهقهم اللعب وامتلأوا بالفرح !
وها أنا أتجهُ لبيت والد سارة كما طلب مني ، ذهبتُ إلى البيت الكبير مظفّراً ،
لا أدري ماذا يريدُ مني لكني أعرف أن الأمر بدأ يكون جدياً ورسمياً أكثر ..
دخلتُ البوابة الكبيرة دون خوف .. وسرت مع الأشجار دون خوف ، ورفعتُ عيني للنوافذ القريبة من الحديقـة حيث اتفقنا !
هاهي عينا سارة ترقبني كما أخبرتني أنها ستفعل.. مشيتُ بخيلاء ولمحتها وابتسمتْ !
وصعدتُ الدرج الطويل ودلفتُ باب المجلس لأجد والدها بانتظاري ...
تصافحنا في اقتضاب ، عادت ملامحه الجامدة ، ربما كان مرهقاً من أشغاله
الكثيرة ، لم أتبيّن سروره من احتقانه ، كان جامداً كالجدار الذي خلفه ...

وبنبرته المتضخمة :

-حسناً، أين سوف تُسكِن ابنتي؟!

ألقى سؤاله بنبرةٍ لم تعجبني ! شممتُ في نبرته استهزاءً لم يعجبني كأنه كان يضحك من عجزي..

- سآخذ شقةً كبيرة ، مرتبي يفوق السبعة الآف وأستطيع تدبر شقةٍ فاخرة إن أردتْ ..

هل ضحك حين ذكرت له مرتبي أم أني أتوهم ؟! وصوتُ احتكاكٍ حديديٍ بسيط يرتمي في حجري ..
رمى إليّ بميداليةٍ فيها مفتاح ، رماه كما يرمي أي شيءٍ تافه على رجلٍ تافه ، كأنه كان يقول " لا تُكثر الحديث خذ واصمت " !

- ابنتي يافيصل اعتادت مستوىً من المعيشة لن تقدر عليه أنت ، ولن أرضى لها بأقل من ذلك ، هذا مفتاح فلة من مخططٍ امتلكه ..

ماهذه الوقاحة ؟!!... على الفور انبريتُ للأمر :

- عفواً أبو مشاري .. ولكني لا أريد صدقةً منك ، إن سكنتُ هذا البيت فتأكد أني سأدفع لك أجرته ...

وبنفاذ صبرٍ بدا واضحاً :
- هل تعلم أين هذا المنزل ؟ في أرقى مخططات شمال الرياض، قيمته تقارب المليونين .. ثمن تأجيره لن يفيه مرتبك السنوي !
تعمدتُ أن يكون بعيداً جداً لأني ، وبصراحةٍ تامة ، أريدُ أن تكون ابنتي في معزلٍ بعيد عن .. عن عائلتك !

قالها وهو يطوّح يده بإزدراء، كما لو كان يهش ذبابةً عن مائدته !
وكتمتها في قلبي وأنا أتذكر قول أرسطو " التضحية سهلة إذا وجدنا من يستحق " !


- غداً تعال إلي في المكتب ، سيرافقك من يرشدك للبيت ولن تحتاج توثيقاً ، البيت باسم ابنتي وهو هديتي لها على كل حال ..
لا أريد للأمر أن يطول أكثر ، أريده أن يتم بسرعة ، وأرجو أن تتدبر أمر
عائلتك ليس لي شأنٌ بعائلتك كل مايهمني في الأمر سعادة ابنتي ..
فقط سأخبرك بأمر وحيـد :انتبه أن تأتي إليّ يوماً غاضبةً أو حزينة !


انتهت مقابلتنا المقتضبة ، قامَ وقمتُ على الفور .. لا أدري أكان يهددني في جملته الأخيرة !؟!
أو كان يريد أن ينفّرني من الأمر برمّته لأنسحب ، ثم يلقي اللوم عليّ أمام ابنته !
أم هذه نبرته ويجب أن أعتاد عليها ؟!
وشعرت بارتياح حين تذكرتُ صرخته في ولده حين جئتهم قبل هذه المرة !
وتذكرتُ خوف تركي واحتقان دمعه وصمته ،لم يقل لوالده حرفاً بعد ذلك .. نعم هو كذلك دائماً فيما يبدو،
يبدو أن شخصيته أقوى مما ظننت !


وخرجتْ ... وصوتُ هاتفي يرن برقم خطيبتي :

- هلا فيصل شرايك بالمفاجأة !
- أي مفاجأة ؟ هل تقصدين البيت ؟!
- هههههه نعم ، أخبرني والدي بالأمس انه هدية زواجي .. تركتُ الأمر سراً لتسمعه من والدي ..أليس أبي رقيقاً يا فيصل ؟!

وأنا أتجه لسيارتي قلت في ذهول :

- بلى رقيق ... رقيقٌ جداً !


أغلقتُ الهاتف سريعاً كأني أخفي سارة ، حين جاء صوتٌ يناديني :

- فيـصـل !


كانت سيارة الرنج البيضاء تحملُ الفتى الشقيّ، شقيق سارة .. بدا وكأنه ينتظر خروجي لفترة !
ترجل تركي من سيارته ، وقف في وجهي منتصباً في ثبات ، ووقفتُ في وجهه،
كنا متواجهين في قلب الشارع الهاديء يعتلينا الصمت وعينانا تتحدث بالكثير ..
كانت ملامحه أهدأ من ذلك اليوم .. يبدو أن ضربي كفل له بعض الراحة والإنتقام ، وكانت ملامحي مذهولة من كل شيء حدث في الداخل ..

- عرفتُ أن كتب كتابكم وزواجكم بعد الغد !
- نعم ، والدك يريد أن ينقضي الأمر بسرعة ..
- حسناً،أريد أن تعرف شيئاً واحداً، هل تشاهد هذا المنزل ؟! - وأشار بسبابته لبيتهم الكبير - :
ليس لك فيه شيء .. وليس لك علاقةٌ بنا من قريبٍ وبعيد ..فقط أنت زوج سارة ،
تأخذها ثم تنصرف من حياتنا ..

- .....................

- لولا الظروف التي تعلمها يافيصل ،نعم ـ لولا الفضيحة ، ما كنا قبلنا بك .. يجب أن تعرف ذلك جيدا ً !

قالها وانصرف قافلاً لبيتهم .. تركني في قلب الطريق واقفاً .. يبدو أن قلبه من السواد بما يكفي ليجعله لا يغفر لي مطلقاً !
حين وصل باب منزلهم إلتفت نحوي مرةً أخرى :

- يجب أن تعلم أني لستُ نادماً على ضربك ، لن أتوانى عن تكرارها لو سنحت الفرصة!

ماالذي يجبرني على الصمت وتلقي الإهانات ؟! لا شيء ..
قبل أن يدخل بيتهم ... صرخت فيه :

- تــركـي :

شكراً لضربك ، أزاح عقبةً كبيرة ، لولاك لما كنتُ الآن أقترب من شقيقتك لهذا الحـد !
لكن قبل أن تكرر الأمر .. يجب أن تفكر ألف مرة ، صدقني أنتَ لا تريد مجرد المحاولة !


فتحت باب سيارتي وانطلقت، تركته واقفاً في ذات الذهول الذي أعيشه .. هل كان يتميز من الغيظ ؟
لا أعرف .. ولا أريد أن أعرف ..
..اللعنة على هذا الصغيـر، آخر ما ينقصني عبثُ الأطفال !





* * *



32







أتمدد على فراشي في غرفتي الصغيرة، في بيتنا الذي ليس كبيت أبي مشاري بالطبع!
أشعل سيجارتي وأتركها تطعن مابين شفتاي وأفكر في كل شيء حدث هذا اليوم .. وما سيحدث !

كنت قد عدتُ من الخرج منهكاً ، نمت ساعتين وخرجتُ لأتفقد البيت الجديد ،
اللعنة على فهد منذ يومين وهو لا يُجيب اتصالاتي ولا يريد أن يتصل !
كم تمنيتُ لو كان بجواري ، أشعر أني وحيد وأريد الدعم ..
لن يساعدني والدي ولا أشقائي ولا حتى أنتَ يا فهد ؟!! هذه الوحدة في فرحتي قاسية ، أشبهَ بيتيم في يومٍ ميلاده !

كنت وقفتُ أمام بيتي، بيت سارة! كان صغير المساحة من طابقين لكنه حديثٌ في كل شيء ،
يعتليه القرميد الأحمر ويكسو حوائطه الرخام ويفرشه السيراميك الفاخر ، مشجرٌ في مساحاته الخالية ، حديقته غنّاء ..
يصطف مع بيوتٍ ثمانية تشبهه في تفاصيله ، هذه البيوت التي تُعلق أمامها يافطةٌ تحمل اسم الثريّ أبو مشاري والد حبيبتي !

تأملتُ البيت أحدث نفسي :
غداً كتبُ الكتاب السعيـد يا سارة ، وبعدها سنسكنُ هاهنا ، لنفتض غشاء
أيامنا الحقيقية ، كل مامضى كان وهماً كان حلماً ، الحقيقة تبدأ غداً..
المطبخ حديثٌ يطل على الصالون، كل هذا ينفتحُ على المجلس دون جدرانٍ عازلة ،
الموكيت والأثاث أنيق ، لا أدري متى جُلِب هنا ، أظنه ضمن هديّة الوالد لابنته ..
حرف الدرج ينتهي عند ردهةٍ صغيرة ، يتفرع منها جانبين .. غرف النوم و غرف
الأطفال القادمين ، وذكرت سعود والعنود أبنائي من سارة وابتسمتْ ..
وتخيّلتُ سمراي صاعدةً معي في فستانها الأبيض ، وأقسمتُ لأحملنّها ولن تسير .. وذكرتُ اختلائي بها دون خوف ..
وشعرتُ أني أحلق رغم كل شيء، وتمنيتُ من الأيام أن تسرع أكثر ، لماذا بات سيرها بطيئاً !


أشعل سيجارتي فوق سريري وأفكر/ كيف تتلقى العائلة أخباري السعيـدة !
من المؤكد أن إعصاراً كبيراً سيمر بالبيت هنا .. حينها سأكون ساهراً مع سمراي على أنغام الحب ..ولن أعبأ بأحدٍ سوى أمي ..
آه يا أمي ، كانت هذا الصباح تقرّب لي كأس الشاي قبل خروجي للدوام المدرسيّ ، شعرَتْ بفطرتها أني سعيدٌ جداً ..
كانت تقفُ فوق رأسي نافثة سور المعوذات وتحميني من كل عين !
كنتُ أريد أن أبعدها عني .. أردتُ أن أقول لا تقتربي مني أكثر لكي لا تُصدمي في رحيلي .. لكني تركتها ..
أظن 25 عاماً من الالتصاق لن تزيدها هذه الدقائق سوءاً !!


ورنين هاتفي مرةً أخرى يغني ، شاهدتُ الرقم واشمأززتُ على الفور ، " هيفاء يتصل بك "!
كانت كاذبةً جداً في كل ماتخبرني به ، هكذا عرفتُ من أحاديث سارة المخالفة لما تجيء به صديقتها .. يا للزاجل سيء الأمانة !
لم أقل لسارة أن صديقتكِ سيئةٌ بما يكفي لتتجنبيها ، لكني عرفت أن هيفاء انقطعت عن زيارتها ..
وأن بقية الأخبار التي تأتيني نقلاً على لسان الصديقة الغادرة كانت محض هراء !


- ألو نعم !

كانت لهجتي جافة ! ماعادت تعنيني ..

- هلا فيصل ، ها وش مسوي !؟

- نايم .. و رجاءً لا تتصلين خلاص ..

- خيير ؟! شفيك !! فيصل لا تكلمني كذا .. انتبه !

هل كانت تهدد؟ يا للوقحة حقاً !
شعرت أنها تريد إتمام عبارتها " انتبه وإلا لن أجلب لك أخبار سارة "!
وأراد شيطاني تلقينها درساً لن تنساه :

- لن أنتبه.. ولن أحترمك ، ولا أريد أن أشاهد رقمك في هاتفي مرةً أخرى أيتها الكاذبة ..
وعلى ذِكر سارة ، أنتِ مدعوةٌ لحفل زواجنا بعد أيام ! " انقلعي "..
.. أغلقتُ السماعة في وجهها كصفعةٍ على خدها القبيح !





إذن اليوم .. يوم كتابي .. ومع كل خطوةٍ أخطوها عبر درج بيتنا نازلاً للفناء حيث والدي .. كان قلبي ينقبض وأنفاسي تتلاحق !
لا بأس من محاولةٍ أخيـرة.. قلبُ والدي عرفته مطولاً .. كبيرٌ بحجم غضبه الذي يتظاهر به !
يجلس ماداً قدميه إلى الأمام متكأً على الحائط ، بلغ به عتابه أنْ لم يسأل عني يوم ضُربت من تركي .. لم يزرني ،
كان يبعث أشقائي يتلمس منهم أخبار صحتي ، كان كيعقوب يبعثُ أشقاء يوسف في المدائن سائلين ،
كان مهتماً وقلقاً عليّ ، فقط يحاولُ أن يظهر بمظهر الرجل العاتب جداً .. لكني أعرفُ من أشقائي أسئلته المتلهفة .


اقتربتُ منه كثيراً ، لم أقتربْ منه منذ خصامنا ، لم نتحدث حتى ..
أمسكتُ رأسه بين يديّ وطبعتُ عليه قبلة .. قبلةٌ هتفَتْ لها عيناه وأبرقت .. كأنما كان ينتظرها مطوّلاً ..

- والدي ، هل تذكر حديثنا قبل شهر عن تلك الفتاة !؟

أومأ لي برأسهِ وكأنه يقول : نعم أذكر ، أذكر إغضابك لي لكن لا يهم الآن طالما جئت لطلب السماح ..

- هل فكرتَ في الأمر جيداً يا أبي ؟! أليس ثمة أمـلٍ أخيـر ؟!

ولم يجبني .. عرفت منه إستحالة الأمر ..

قبلتُ رأسه أخرى وأنا أخبره بحقيقة أمري :

- والدي .. لقد وافقوا !
..تقدمت لهم ووافقوا والأمر بات مقضياً ..أرجوك يا ...

تحوّل رأسي يميناً باتجاه الباب بسرعة ، كانت لطمة والدي قويةً للحد الذي دمعت معها عيني مباشرةً ..
كانت حرارة الدم تلسع خدي .. و عيناهُ استحالتا دائرتين من بياض كعادته كلما فُجِع ..
وأردتُ تقبيل رأس أمي .. وكان يتصاعدُ في جسمه شباب العشرين فجأة ، كان يمسك بي من تلابيبي ويرميني بعيداً عنها بكل قوة ..
وسقطتُ أرضاً .. ويده وسبابته ترتعد غضباً تُشير إلى الباب : براا .. اطلع براااا


ومسحتُ دمعي وخزيي وتركتُ أمي قابضةً صدرها، ربما تعاني اختناقاً اعتادها كلما ضاقت .. وأردتُ الإقتراب منها وصفعني مرة أخرى ..
كأنما كان يحميها من عدو ..

وانسحبت إلى الباب أجر أقدامي عبر الفناء .. ونظرتُ لأمي مرة ً أخرى ووجدتها ترمي وجهها بين يديها وتترك للدموع حديث عتابي ..
وأدركتُ أن الوقت فات لكي أتراجع .. وأدركتُ أني في منتصف البحر وليس ثمة خيار سوى الاستمرار في إبحاري ،
وفتحتُ الباب لأخرج من بيتنا للأبـد :


- فيصل ..

ونظرتُ لوالدي الذي يناديني بصوتٍ أشبه ببكاء، كان يرفعُ يديه عالياً يهاتف السماء :

- الله لا يوفقك دنيا وآخره
الله لا يوفقك دنيا وآخره


وأغلقتُ الباب خلفي .. فات الوقت لكي أتراجـع ، اقبلي جميل اعتذاري يا أمـي !


* * *



لملمتُ حزني وخيبتي في المساء ، ومسحتُ عن وجهي آثار لطمة والدي ، لم أجد مهنئاً لي إلا " مجيد " حلاّقي التركي ..
كان يحلق لي هذا العصر موديل " السكسوكة " التي تحب سارة !

رغم فرحي ، بقيتْ في القلب غصةٌ جاهدتُ في دفعها بعيداً عن أعينهم !
أعينهم هؤلاء المنعّمين الذين اقتحمتُ مجلسهم بأمر الحب ليس إلا !
كان مجلس أبو مشاري يمتليء بأنسبائه وأصدقاءه الذين لا أعرفهم ، غارقاً في
البِشت الأسود الذي ابتعته أيام تخرجي ، ما ظننتُ أني سألبسه وحيداً مرةً
أخرى!

كلهم في هذا المجلس الأثير لا يشبهونني .. ليس فيهم أبيضُ الوجه واحد .. كلهم من عِلية القوم الذين اقتحمت مجلسهم عرضاً ..
كلهم يشبهون بعضهم وأنا الغريب وحـدي .. حتى الشيخ الذي يردد الخطبة الآن قمحيّ البشرة ..
ووالدُ سارة يردد خلف الشيخ زوجتك ابنتي ..
وتركي صامتٌ كصمتي أو أشـد ، والرجال يتفرسونني مبتسمين .. أتُراهم هازئين الآن ياقلبي !؟
ويسألني الشيخ أتقبل ؟ فأوافق ، راجماً بموافقتي كل أواصر عائلتي وقرباها ،
وأردتُ البكاء على أهلي لكني آثرت الفرح بسارة ..

وأعطوني ورقةً يخبرونني أني بتَ في حرزٍ من أذى الرياض وأهلها ، وأنّ ساره صارت في عصمتي ..
وشعرتُ بسعادتي في وجل ، وهذا البكاء اللعين يكاد يدهمني كلما ذكرتُ اختناق وجه أمي ..
لماذا حين قبضتُ على حلمـي جازيتني بالصفع يا أبي ..
ها أنا على وشك البكاء بين الغرباء يا أبي ..
وأفقتُ على أصوات الرجال الغرباء تدعي لي بالتوفيق ..
وبحثت في الوجوه عن بدر ومحمد وخالد ووالدي فلم أجد إلا أناساً لم أعرفهم ، كانوا يباركون لي ..
واختفى عن مشهدي رجالٌ تربيتُ بينهم صغيراً ونشأتُ كبيراً !
وتمتمتُ بصوتٍ كسير لكل وجهٍ غريبٍ أمامي : الله يبارك فيك !

كانت ورقة الزواج تكاد تتمزق في يميني ، كنت أقبضها بقوة .. لم تكن أي ورقة :
كانت مستقبلي الذي ناضلتُ من أجله ، ووجه والدي المتألم وحزن أمي وانقطاع إخوتي عني ..
.. كانت ورقةً بذلتُ لها ثمناً لم يبذله رجلٌ من قبلي قـط !


* * *


يتقدمني والدها وشقيقها في ممرٍ ضيّق بين أشجارهم الكثيفة ، وأصعدُ معهم عتبات الدرج في صمت ، ويُفتح باب البيت الكبير من الداخل ..
ينطلق الأطفال في وجهي باثّين الورود وألواناً تتصاعد للثريّا المشمسة ، وتصرخُ زغاريد النساء تزفني صاعداً ..
..ليس بين هذه الأصوات السعيدة صوتُ أمي !


الصالة الكبيرة تتضوع أطيب أنواع العطور والبخور ، وأسير حثيثاً مع الرجلين
تجاه الغرفة المغلقة ، غرفة ٌ يصلني ضجيجها رغم الأبواب المغلقة ..
ويُفتح الباب على مقدمي ..
نساءٌ لا أعرفهنّ يصفقن لي ويضحكن باشاتٍ في وجهي ، ليس فيهنّ من تحجبت عني ، لسنَ كشقيقاتي ولسنَ حيّياتٍ كأمي !

الأطفال يصطفون عند قدمَيْ سارة فوق الكرسي الأنيق ، وسارة في فستانها الأبيض خجلى ، يغطيها سترٌ شفافٌ رقيق ، تقدمتُ ورفعته ..
تأملتها ، أجمل جميلات الدنيا !
طبعتُ على جبينها قبلةٌ صرخت لها صديقاتها الفاتنات .. وقامت سارة بجواري تتعضّد يدي ، واعتلى صوتُ المعازف خلفنا ..
قاموا ورائنا يرموننا بالورد وقصاصات الورق الملوّنة ..
قبلها والدها وقبلته ، وقبلني والدها وقبلته لأول مرة !
وتعانقَتْ مع شقيقها عناقاً حاراً لا نعانقهُ محارمنا .. هنا كل شيءٍ يختلف عني !
وباركتْ لي أمها .. لم تسأل عن أمي ، لم تسألني واحدةٌ منهن عن شقيقاتي ..
وعانقت الأم فتاتها ولم يعانقني أحدٌ من أهلي !


وسِرنا مع الدرج يدفعنا الغناء تكاد ترفعنا أكف الحاضرين السعداء ..
زغاريد المتبرجات حولي تُخبرني أني كنت أعيش في بيئةٍ مغلقة يجب أن أرميها خلف ظهري للأبد !
كنتُ أشبهَ بكائن قدِم من كوكبٍ غريبٍ جاء للأرض أول مرة !
وقلتُ لسارة " مبروك " ، ونظرت إليّ وأسبلت عيناها أرضاً ولم تجبني حياءً ..

ووصلنا الباب ، واصطف الأطفال مشيّعين ، وبدأتِ الفتيات يلوّحن بيديهن صفاً واحداً ، والنساء بين ضاحكةٍ ومزغردة ...
واقتحمنا طفلٌ صغيرٌ يبكي " خالة سارة بتروحين خلاص؟ " وحملته سارة ، " فيصل هذا بدر ولد اختي رحاب "
وذكرتُ أبناء أشقائي وشقيقاتي وادعيتُ القوة يا قلبي .. و قبلتُ صغيرهم
كأني أقبل صغارنا النائمين .. أطفالنا الغيّاب عن مشهد فرحي ..
بكاء الأطفال حول سارة يخبرني أنها محبوبة ، وأني الطفل الوحيـد المحظوظ فيهم !

وتقدمت شقيقاتها يباركن لي واحدةً بعد أخرى ، رحاب فريال منى عهود .. كلهنّ يشبهن سارة ،
كلهنّ لم يتكلّفن عناء حجاب ونقاب ، كلهنّ أنيقاتٍ لحفلٍ جاء سريعاً مباغتاً ..
كيف صِرنَ بهذه الأناقة فجأة .. وذكرتُ شقيقاتي وابتسمتْ .. وأدركتُ أني مغامرٌ مجنون ، دخلتُ عالماً ليس عالمي أبداً


وفتحتُ باب سيارتي الفاخرة التي استأجرتها لهذه الليلة ، وركِبت سارة ، وتحلّق الأطفال والفتيات مودعين ..
وفُتِحت بوابة البيت الكبير ، وخرجتُ بسارة من براثن الأغنياء الذين لا أعرفهم .. الغرباء الذين لم أعتد عليهم ..
كان حفلاً مبسطاً .. لكنهُ عظيمٌ بحجم الجالسة بجواري ..
لم يأتِ معي أحدٌ من أهلي ، تركوني في مشهد فرحي وحيداً ، ليس مهماً ياقلبي لا تحزن ، المهم أنني وأنتَ أتينا !
متجهين لبيتنا ، أو بيت والدها أو بيتها هي ، لا يهم ، المهم أن وجهتنا وحيـدة !
ورفعتُ يدها حين أغلقوا البوابة وانقطع الضجيج عنا ، وقبلتُها .. وانطلقنا ...


عشر دقائق بين بيتنا وبيت أهلها ، لكنّ بين بيتنا وبيت أبي وأمي أربعون دقيقةً كاملة !

- يا لجمالك ياسارة !

وكانت تقول باسمةً : فيصل خلاص !

أتُحرجين مني ونحن المتجهين لعشٍ وحيـد !
هاهو البيتُ السعيد يرقص في أنواره الصفراء مستقبلاً حزب السعداء ...
وفتحنا باب بيتنا .. ورميتُ بِشتي الأسود عالياً ، ورميتُ عبائتها بعيداً ، وحملتها لم آبه بصرختها الخائفة ..
انطلقت أشق بها درجات السلم ، واقتحمتُ غرفتنا الجديدة
وأغلقتُ الباب وقبلتُها لأقول للرياض ها قد انتصرت أخيراً ..
وذُبت في بحرها حتى غرقت .. وانزوت في حضني كـ قطةٍ مطيعة ،
وقضينا ليلةً حلمنا بها طويلاً ، ويوم تحققت ، كانت سعادتها ألذ مما تخيلنا !

وانبرى ليلنا نشرب الحب خمراً .. سكِرنا حباً وثملنا عشقاً .. وأنهكنا الحب وأنهكناه فارتمينا نائمين ..

أفقتُ من نومي بعد إغفاءةٍ طويلة ، ورنوتُ لوجهها المتعب ، كانت يديها تمسك بيدي كأنما تخشى ابتعادي ..
وأدركتُ أني في حقيقة أمـري ولست أحلم ..
ومسحتُ على خصلاتِ شعرها .. وتذكرتُ أهلي وأمي .. وارتميتُ في حضن سارة لأنسى .. ونسيتُ كل شيء !




الجزء الثاني انتهـى ..

يتبع ....

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:31 am

الجزء الثالث :


33

ما أجمل صبح الرياض ، ينافسُ ليلها وأظنّه أحق بوصف الرقة منه ، ها قد بدأت الأجواء تميل للبرودة وآذن الشتاء بدخول ..
الشمس بدأت تقتصدُ في لهبها وبات شعاعها يخترقنا لطيفاً ..
باتت الغيوم كثيراً ما تصطف في كبد السماء ككراتٍ قطنيّة ،
تجحب الشمس وتنشر في الأرجاء ظلاً يجعل من الرياض مدينةً تشبه نظيراتها في أوروبا ..
تحتجب الشمس .. لكن شمس الحب في هذا البيت الجميل تسطع ليلَ نهار!
والبرد الذي بدأ يتسللُ في الجسد كنتُ أحاصرهُ بدفء سـارة

عندما أُفيق كل صبح .. أبادر فوراً لتفحص الضفة الأخرى من الفراش.. لفرط شوقي ، وربما لقطع شكوكي بأنها لي و لستُ أحلم !
تتمددُ بجواري سارة .. كأننا ننام على شاطيءٍ أعيانا الإبحار .. أو راقدين على ضفاف ساحلٍ ناجينَ من غرق !
سبعة أشهرٍ من العناء كانت تجديفاً عكس التيّار ، نرتمي على فراشنا قد حظينا بالحياة مجدداً ، منتصرين رغم كل شيءٍ على كل شيء !


يا لهذه السمراء ، قبيلةٌ من النساء .. تعرفُ كيف تسلبني عقلي كل لحظة ، تتركني أتأملها أحياناً غير مصدق !
حين تتحدث .. يشبه حديثها الشعر ، حين تضحك .. ضحكتها تشرح للموسيقى شكل النغم ،
حين تريد أن تغويني .. لا شيء يمنعها أن تفعل !

أفيقُ حيناً .. لأجدها قد نزلت للحديقة قبلي .. تحب القراءة في هذه الأرض المفروشة بالعـشب ،
فأخطو عبر الدرج .. أتهادى إليها مشتاقاً .. ساعاتُ النوم كانت غيابنا الوحيـد عن بعضنا !
أجدها تخطو عبر الخضرة باسمةً كأنها تجيد لغة الورد وأوراق الشجر ، فأتأملها لأعرف كم بتّ محسوداً..
أتأملها لأروي عيني من منظر انتصاري ، وأهيمُ بعشق نفسي قبل عشقها ، هذه ثمرةُ إقدامـي !
عندما أشاهدها أرى فيها حلمي متجسداً .. يذكرني مرآها كل مرة أن الأحلام مهما صعُبت .. بقليلٍ من الإصرار تتحقق !

" عندما نكف عن الحلم ، نكف عن الحياة " هكذا قال فوربس ، وأظنني في قاموسه الآن بتّ ميْتاً !
لكني ميتٌ في جنـة الحـب وأرجو أن لا أعود لدنيـاكم!

عبثيةٌ هذه الفاتنة ، أنظرُ لها مبتسماً ، ترتدي بلوزةً طويلةً! هكذا غير
عابئةٍ بالبرودة .. كأنها تعرف أن كل شيء ٍ يحبها ولن يؤذيها .. حتى الشتاء
!
وتلمحـني .. لتفتحَ ذراعيها .. كأنها تنادي هذا الطفل الذي سهر معها كل
الليل ، علمتهُ الغرام والغواية وشرحتْ لهُ مامعنى أن يكون المرء محظوظاً
جداً !
أحتضنها كغائبٍ عنها طويلاً .. ضاحكاً من شيطنتها من عبثها من لباسها الذي كنتُ لا أشاهده إلا عبر الأفلام أحياناً ..
تدور الحديقة بنا .. وعقاربُ الساعةِ تدور سريعاً ..
وينصرمُ يومٌ حزينٌ على تركنا .. ليأتيَ آخرُ جديد، سعيدٌ بتلصصه على تفاصيلنا .


حتى قيادة السيارة باتت أمراً محبباً ، أن تكون سارة بجواري هذا يجعل من القيادة شيئاً مسلياً ..
تتكيء بجواري كطفلٍ لا يكف عن الحديث ، وحديثها لا يمل !
راشد يغني لنا ونحن نخطرُ في شوارع عاصمتنا التي صارت ممراتها وروداً وأرصفتها مروجاً عشبية ..
وأسألها عن " يا ويلي " هل تذكرين إهدائك الأول لي .. وتضحك ، وتروح تغنيها ..
وتقول سأرقص لك في الليل على أنغامها ..فأتذكر الليل، لأعرف أني الرجل الأسعد في هذه المدينة !


تفاجئني كل يوم بأناقةٍ ليست كاليوم الذي سبقه ، تتجدد باستمرار كعارضة أزياء ،
تعرفُ كيفَ تبقيني في سحرها ، كيف تنثرني على مائدة الرغبة التي كانت حراماً قبل أيام ، قبل ورقـة !
ترتدي ماكان محرماً في بيتنا على شقيقاتي !
سألتها ضاحكاً ، بربكِ هل ترتدين في منزل والدكِ هذا الجينز الضيق والشورت والبرمودا .. أم أن هذا لي وحـدي !
وكانت تضحك من بلاهة سؤالي ،نعم تلبسُ كل هذا بين أشقائها ووالدها ولا ضير
في الأمر تاركةً تلك العُقـد لأهل العُقـد ! ثم تختم إجابتها بسؤالي عن
شقيقاتي ..
وابتسم لها وأنا أهزّ رأسي بالإيجاب كذباً .. أخشى أن نكون على هامش التمدن في عينيها !


شيءٌ وحيد كان يضايقني ، إلحاحها عليّ كلما حل وقتُ صلاة ، وأنا الذي لم أصلِ ثلاثة أشهر .. لم أخبرها بتطوّراتي الجديدة !
أهربُ للفناء، للغرفة المجاورة،أخرج قليلاً ، وأقول : صليت ! ، وكثيراً ما كنت أراوغها فتنسى ..
رغم كل شيء.. رغم عشقها للغناء والرقص .. رغم صداقتنا المحرّمة سبعة أشهر ،
رغم لثمتها التي تفضحُ أكثر مما تستر ، كانت تصلي كل فرضٍ في حينه !
كنت أتأملها طويلاً حين تصلي ..تؤديها بخشوع ..تصلي بطمأنينة ، تندمجُ في أدائها تسجد وتركع وتطيل كممتنةٍ لخالقها ..
وبالرغم من أني لم أعد أؤديها ، إلا أني أشاهدها تصلي بفرح ..حينها لا أدري لماذا أحبها أكثر ،
هل لأنها تذكرني بأمي ، أم أنّ في داخلي بقايا أوهمُ نفسي بأني اجتثثتها للأبد .. لا أدري !


ونخرج للمطاعم ، ونشبعُ إلا من الحب ، و" زهرة " الطاهية المغربية التي قدِمت مع هدايا الوالد الثمينة .. كانت في شبه إجازة ..
في الصباح الثاني قمتُ على ضحكات سارة ، كانت تحادثُ أحدهم بحفاوة ، قرّبت لي الهاتف وجاء صوتٌ لأول مرةٍ أسمعه :

- " مبروك يا عريـس "

شقيقها الكبير " مشاري " ، يدرس في أمريكا منذ ثلاث سنين ، جاء صوتهُ يحادثني بمودةٍ كبيرة ،
كانت لهجتهُ ألطفَ من والده وشقيقه الصغير .. ربما لأنه يقيم بجوار تمثال الحرية هناك بعيداً عن تعقيدات هذه العاصمة الفاضلة ..

كانت سارة تسألني بحماسة وسعادتها تكاد من فرطها أن تطير :

- ها ماذا قال لك ؟!
- قال ضعها في عينيك ، تصوّري ، هل كنتُ أحتاج وصية ً من أحدهم لأفعل ! ههه

- حسناً فيصل ، متى تريد مني أن أذهب للسلام على أهلك ؟!

آآه من مكدرات الصفو حين تمرّ من حيث لا ندري !
هذا السؤال المتكرر ، كان أسوأ مايحدث لي في أيامي السعيدة ، كان كشفرةٍ حادة تجرحُ لحظات الفرح ،
ورحتُ أزيل هذه الفكرة المختمرة في رأسها :

-سارة مارأيك أن نخرج للنزهة غداً ، سأريكِ قريتنا كما وعدتك ؟!

على الأقل ، قريتي رائحـة أهلي !
أخذها الحماسُ بما يكفي لتنسى ، كانت كطفلة ، أستطيعُ صرفها عن أي شيءٍ تريد ببعض كلمات..
تحدثني عن الصلاة عن زيارة أمي عن ذهابي لمجلس والدها فأهرب منها بمراوغةٍ بسيطة .. وتنسى !

* *


في الصالة تركتُ سارة نائمةً مع أحلامها ، حين كنتُ أحادث شقيقي محمد :

- مبروك يا فيصل !
- الله يبارك فيك .. ما أخبار أمي


كنتُ متلهفاً لأخبار أمي ، كأني أقيمُ في دولةٍ بعيدة .. لا تجمعنا مدينةٌ واحدة !

- بخير الآن ، لكني أخشى على والدي ، والدي غاضب ، لا يتحدث كثيراً !

آآآه يا أبي ، وآه يا صفعتهُ تلك .. وآه يا عينيه يوم استحالتا كرتين بيضاوين غضباً ، كل هذا لأجلِ فتاةٍ قام قلبي باختيارها !


- زوجتي يامحمد تسألني عن أهلي كل يوم ، أخشى أن ..

- انتبه يا فيصل ! لا تحضرها أرجوك .. أخبرها بالحقيقة ، والدي يرفضها تماماً ،أنت تعلم أنها ستسمعُ ما تكره !

- لماذا يحدثُ لي كل هذا يا محمد ، لماذا لا تكتملُ سعادتي ..
هل كُتب عليّ أن أواجه الدنيا وحيداً حين أحزن وحين أفرح .!

- لا أدري ماذا أقول لك.. ثم هناك خالد يافيصل، أنا لا أخيفك لكن أخشى أن
ترتكب حماقةً بمجيئك، أتمنى حقاً أن لا تلتقيه ، أشدنا غضباً

- اللعنة على أخيك المجنون ، يغرقُ في حمى الأقساط والديون ويتغنى بقبيلته وحبها ..
أنا أيضاً أتمنى أن لايلتقيني لألاّ يسمعَ مني مالا يحب !

عادتْ لحظات الكآبة تهطلُ من حولي ، بدأتْ تحاصرني لتنسِلني من خيوط سعادتي ..
لن أسمحَ لأحدٍ تعكير صفوي ، ولا أنت أيها الضيق الذي تستميتُ في دهسِ فرحتي .. قمتُ مستعيناً عليهِ بحسنائي الراقدة في سريري ،
أتأملُ وجهها البريء وهي نائمة .. كانت أشبهَ بطفل ، طفلٌ لعِب وتعِب ثم نام وعلى ملامحه بقايا فـرح ،
يدها ترتمي على مكاني الخالي من الفراش .. تبحثُ عني حتى في غمرة نومها..
وتخيلتُها مجروحةً من كلمات خالد أو أبي .. وأنّ عينيها الجميلتين
النائمتين تمتلئان دمعاً .. وهززتُ رأسي كما لو كنتُ أطرد هذه الفكرة
اللعينة ..
ومسحتُ على رأسها في تعاطفٍ أيقظها من نومها .. أفاقت لتسألني :

- فيصل ، ماذا ، تريد شيئاً

كانت جميلةً رغم النعاس وشعرها المنكوش ، كان يعطيها ملاحةً بادية ،
ضحكتُ من جمالها الذي لا يُقهر رغم فوضى النوم..كان شرساً لا يُهزم .. طبعتُ على جبينها قبلةً ناعمة :

- لا شيء ، عودي للنوم .. غداً ينتظرنا طريقٌ طويل

..على بسمتها الهادئة كنت أرتمي بجوارها لأنام وأنسى كل شيء !

* * *


الجو غائم في الصباح ، ينطلق الموظفون لوظائفهم والطلاب لمدارسهم حين كنت وسارة نتجه لقريتنا ..أنفّذ وعداً قطعتهُ بعد إلحاح !

هذا الخط الطويل، كان مملاً ومرعباً أوقات العطل حين تمتطيه العرباتُ
بكثافة .. اليوم كان هادئاً ، أنتصرُ على ضجرهِ القديم بخير رِفقة !
أنطلقُ عبره أنا وسارة وأشعر أنه بات أقصر مما اعتدته، كأنما طويَ طرفاه فوق بعضهما وصار مختصراً ..
تتكيء بجانبي وتسألني عن كل ما يلوح لنا .. تقطع الجمال السائبة الطريق فتُرعبْ ..
نمر عبر الجبال فتُدهش.. ثم يفرش الرمل جوانب الطريق كبساطٍ أحمرٍ ممتد فتتأمله بإعجاب !

- ألستُ سخيفاً ياسارة ؟ ،يفترض بي أن أسافر بكِ إلى أجمل بقاع الأرض لكني أتجه بكِ لقريةٍ قديمة!
اعذريني ، سأعوضكِ صدقيني ، تعلمينَ إجازتي محدودة، بعد الغد سأعود لطلابي

- فيصل أظنني كنتُ ألح عليك منذ عرفتك أن تحدثني عن قريتك..
صدقني لا شيء أفضل من مشاهدة مكان صباك ، لا تحدثني عن السفر والسياحة في
أوروبا سئمتُ كل تلك الأماكن .. كنتُ أشعر أني في سجنٍ أنيق!


تسألني عن كل ما يخطرُ لنا .. وأجيبها كمرشدٍ سياحيّ يسيرُ مع مصطافين جاءوا من بعيد !
أقص عليها تفاصيل الأمكنة التي نمرها .. وأسمّي لها الجبال والأودية والأشعبة بمسمياتها .. كانت تضحك من غرابة الأسماء

- سارة ، تشبهين سائحةً قدمت من الغرب .. اندهاشكِ من كل شيء لا ينبيء أنكِ من أهل الرياض!
- فيصل نحنُ ننتمي لقريةٍ أعرف اسمها فقط لكن لم أزرها قط .. أسوأ مافي عائلتنا انفصالها عن ماضيها تماماً

آآآه ياسارة .. كم أتمنى لو انفصلت عائلتي أيضاً عن قديمها وأزالتهُ من ذاكرتها الصلبة!
لكنتُ الآن وأنتِ نرتشفُ قهوة الصباح مع أمي ..ولكان خالد وأبي عن يميني ويساري ليلة زواجي بك .. ولما كنتُ أهرب من سؤالك عن أهلي !

..لاح نخيلُ قريتنا فانقطعتُ عن أفكاري


- سارة ، بربك سوّي عباءتكِ جيداً ، هنا يستوطن الحرام والعيب ..صدقيني سنكون حديث عيونهم أعرف قومي جيداً!

كانت القرية هادئةً كعادتها .. والأطفال يتكدسون في فصولهم خَلَت منهم الطرقات ..
وتسللنا عبر الطريق المحاذي للنخيل .. ووقفتُ بها كما وعدتها


في هذه البِركة ياسارة تعلمت السباحة .. كنتُ صغيراً ، و شقيقي بدر كان مراهقاً مجنوناً، قلتُ له يوماً وهو يسبح أريد أن أكون مثلك !
سألني جاداً : أحقاً تريد ؟! وبحماس ابن الرابعة قلت نعم ! كان يطوّح بي بعيداً عنه في منتصفها ،
أهلع باكياً وأبتلع الماء وصوتهُ يصرخ فيني : هيّا كن رجلاً، حرك يديك وقدميك ، وحين أفشل كان يخرجني ويصفعني مرتين ثم يعيد الكرة!
أجدتها بعد أن اختنقتُ وبلعتُ كثيراً من حثال هذه المستطيلة وعكارة مائها ،


تعالي ياسارة وانظري..
هناك كان شقيقي محمد يلهو بأعواد الثقاب، طالما سرقهنّ من مطبخنا القديم،
دائماً ماكانت أمي تنهرهُ وتقول : الأنبياء يستعيذون من النار وأنت تعشقها!
وذات صباحٍ لا ينسى، قدحت يديه الصغيرتين حريقاً التهم جزءاً من نخيل جدي !
يومها هبت القرية جيشاً واحداً تتخندقُ ضد النيران حتى انتصروا بعد عناء.. يا لها من علقةٍ لن ينساها محمد ما عاش !


وهنا سقط فهد على رأسه ونزف كثيراً .. كان أكثرنا عبثاً وأكثرُ من ينال نصيب الضرب .. كل شيءٍ يتم تحذيرنا منه كان يرتكبه تمرداً !
في أحد الأيام ضربه خاله أمامنا ..ضربه بقسوة ياسارة، هل تدرين ماذا فعل ؟ كتم حنقه طوال الأسبوع حتى جاء يوم الجمـعة!
انتظر حتى شرع الإمام في خطبته ، وسرق حذاء خاله أثناءها وجئنا لهذا البستان .. رماه فهد هنا في هذا البئر !
هل تصدقين .. للتو انتبهتْ ! لم أبح بسر اختفاء الحذاء الأنيق حتى اليوم .. يا لسعدكِ أنتِ أول من يسمع بهذا النبأ العظيم هههه


وهذا النخيل ياسارة مازال شامخاً رغم رحيل أصحابه ، انظري !
كل كبار القرية يعتبرون آباءً لنا .. رحلوا آباءنا وتركنا بعدهم رعاية
النخيل ، أوكلناها لعمالةٍ تأتي من أصقاع العالم المُدقع فقراً !
أشعرُ أننا نرتكبُ بحق قريتنا خيانتين ، تركنا بيوت الطين ياسارة ..
تركناها كأحبابٍ بدلوا حبيباتهم بعشيقاتٍ حديثاتٍ يجدنَ التأنّق ..
ثم تركنا رعاية النخيل ، غابت بصماتُ أيدينا عن هذه الباسقات، غابت أصواتنا التي كانت قريبةً منها دوماً ..
تركناها كما تشاهدين ، لعمالةٍ لا تعرفُ لغتها !


قد تضحكين ياسارة من بلاهتي ، لكن عندما يهب الهواء ويتخلل جريد النخل ، هذا الصوتُ الذي تسمعينه ليس حفيفَ شجرٍ عادي !
هذا بكاء النخل يندبُ الراحلين !

كنتُ أحكي وأظنني اندمجتُ في الحوار للحد الذي نسيتُ سارة .. نسيتُ نفسي ،
ونسيتُ حاضري وبدأت أتقلّب في فضاء الماضي والحنينُ يتسلق ملامحي بوضوح !
كنتُ أبحث في الأرض عن خطوات جدي ، كان يخرج بعد الفجر لهذا الحقل ولا يعود إلا بعد الظهر ..
وضجّ صوتُ الأطفال في أذني ، أطفالٌ لا أدري أين باتوا الآن ، خبأتهم
الدنيا في زواياها بين مقبورٍ ومبتعثٍ وعاصميٍ لم يعد يحضر هاهنا إلا
لِماماً !

وبحثتُ عن والدي أربعينياً تدب فيه روح الشباب .. وأمي بذوائبها الطويلة السوداء تخلو من شرائح شيب ،
وإخوتي يوم كنا نتحلقُ سفرةً واحدةً ثلاث مراتٍ كل يوم !
بحثتُ عن كل هذا وأكثر ..
بحثتُ عني طفلاً يُحبهُ والدهُ ويضحكُ له كبار إخوته ، يا للأسى ، لم أجد
إلا رجلاً وحيداً ليس بجواره إلا سمراءَ لأول مرةٍ تحضر هاهنا..
يدخلُ القرية خائفاً يترقـب !
غاب الجمعُ القريب عن مشهـدي وبقيتُ وحيداً .. هذا ما يجب أن أتأقلم عليه منذ الآن وصاعداً ..
ورحتُ أجدل ذكرياتي .. مرت سريعاً كحبلٍ مشدودٍ متصل .. انقطع على صوت سارة :


- تُرى كم عمر هذا النخيل يافيصل؟
- هذا نخل جدي لأمي، ورثه عن أبيه.. يُقال أن عمر النخلة يصل 500 عام وقيل أكثر !
هل تشاهدين تلك الطويلة المنتشرة في كبد السماء، أذكرها جيداً ، قال لي أبي يوماً أنهُ منذ صِغرهِ كانت تثوي هنا ..
هي أطول نخلةٍ في الحقول جميعاً .. تقفُ كأنما تنتظرُ الغائبين في القبور ، لكنهم لن يعودوا والنخلُ لا يريد أن يفهـم !

كانت النساء يكدحنَ هنا ، ويلِدن ويستكملنَ أعمالهنّ المرهقة ، ينتشرون في
الحقول رجالاً ونساءً لم يقل لهم أحدٌ لا ، الاختلاطُ جُرم !
وتلك .. تلك النخلة المنفردة لوحدها ، تلكَ أحبها وكنتُ أتولّى جلبَ الماء
لسقايتها صغيراً ، تسبقني ضحكات أبي ليس لأنّ السواقي تفعلُ ذلك أفضل مني
..
لكنه سعيدٌ بعنايتي لها ، أحببتها منذ أخبرني أن جدتي ولدتهُ في ظلها ياسارة !

وذكرتُ والدي كان فتياً جميلاً تتضوّع منه طاقةُ الشباب..صار شيخاً كبيراً غاضباً مسحوقاً بيـدي !
وشعرتُ بحرارةٍ تسري في خـدي تسترجعُ صفعةً مرت قريباً ..
وتألمتُ لمنظر والدي حين صفعني أكثر من ألم خدي !


- وهذه الصغيرات يافيصل ماذا عنهن؟
- هذه فسائل النخل ، وعن قريبٍ ياسارة ستكبر، ستطول وتثمر، ثم تبقى لتكون تاريخاً يذكّر الأطفال بماضيهم عندما يكبرون!
وتبحثُ عن كل من كان هنا ثم غـاب ، النخل لا ينسى المارّين على أعتابه ..

وبلهجةٍ حالمة عاد حديث الحب يتدفق شلالاً عبر لسانها :

- فيصل أرجوك أخبر العمّال أن يهتموا بهذه الصغيرة ، سأزورها كل عام معك وستكون تاريخاً يخصنا ..
كلما تقادم بنا العهد وامتد العمر نأتي لها كل سنةٍ نجدد حبنا لبعض

مشت رويداً .. راحت تغمسُ يدها عبر السواقي التي تطفح بالماء المندفع ،
كل الأطفال توقفوا عن الركض ، رحلوا ، وبات هذا الماء المنهمرُ يلهو وحده !
ورأيتُها تتأمل المكان المفروش بالبرسيم والقمح ويقف فيه النخيل طاعناً هذا الهواء ..
عمّ تبحث ؟ كأنها تبحثُ عني طفلاً في هذه الأرجاء :

- الأسواق والمتاحف والمباني الشاهقة في باريس وميونخ، لا تصنعُ ذاكرةً جيدةً لطفل !
فيصل أنت محظوظ.. كم تمنيتُ طفولةً بريئة كطفولتك .

وابتعدنا عن فوتوغرافية صباي ، وتسللنا عائدين وأنا أردد في رأسي آخر مانطقتْ به :

" فيصل أنت محظوظ " هه، لأنكِ لا تعرفين شيئاً !







34



صباح الغـد ، أخبرتُها بذهابي للخرج طلباً في تمديد اجازتي يومين آخرين .. وكنتُ أكذب !

أقف أمام باب بيتنا حتى غادر والدي .. رأيتهُ يخرج صبحاً ويمتطي سيارته
ويذهب ، بدا لي أنه بات كبيراً جداً كأنما شاخ مرةً أخرى في يومين !
كم كان قلبي يبكي ويعتصرُ ألماً .. وددتُ لو أرمي فوق رأسهِ قبلاتٍ
واحتضنهُ طالباً الصفح ، لكنهُ سيلفظني عن طريقه .. ثم سأكون عبئاً على
ذاكرة يومـه !
تباعد والدي .. شيّعتهُ بنظراتٍ كانتْ للقبلاتِ أقرب ، ومسحتُ حزني عن صباحي ..
وتسللتُ لواذاً أقتحم منزلنا القديم كلص!

صوتُ القراءة يهطلُ عبر المذياع .. تستلقي أمـي على سجادتها وأمامها أدوية
الصباح .. لم تدري بالواقف خلفها ، بماذا تفكر ؟! ليس إلا أنا !

- صباح الخير أمـي !


ياللمسكينة.. كعادتها !
لجأت للدموع التي تتقن الحديث حين يُلجمها الحزن عن الكلام ،
كنتُ أقبل رأسها واحتضنها لدفء صدري ..وأعتذر، عن ماذا ..؟ أعن حقي في اختيار من أحببتْ؟!


- لماذا فعلت ذلك يافيصل

كانت تأنّ سؤالها،

- يا أمي أرجوكِ كفي الملام .. سبعة أشهر من العذاب ، كنت ممزقاً لكنكم لا تعرفون ..
سبعة أشهرٍ كنت أواجه صراعاً وأحزاناً لا تنقضي ، حتى إذا تمكنتُ من حلمي ، رفع الكل يديهم عني ونفضوا قلوبهم مني .. فقط لأني أحببت،
كل شيءٍ يدركه احتمالي إلا أنتِ ..أرجوك لا تغضبي.. أقسمُ لك أن الأقدار جرت بما لم يكن في حسباني، كل شيءٍ حدث فجأة !

راحتْ بقلبها العطوف تسألني عن زوجتي وصفاتها وحياتي معها ..
وكنتُ أخبرها بأن حياتي كما يرام إلا من هواجسي بشأنكِ يا أمي وغضب والدي !

- والدك غاضب منك، لكن لاتنقطع عنه أرجوك.. أنت تعرفه جيداً سيمنحك رضاه يوماً يافيصل

أحقاً سيسامحني !.. وسيعامل سارة كما يعامل زوجات أشقائي حين يأتين إلينا ..
كان يخاطبهن ويدللهن أكثر من بناته ..
أوَحقاً سأجلسُ أنا وسارة هنا معهم يوماً من الاسبوع كما يفعل أشقائي ؟!.. آآه متى تتحققُ أمانيّ لأرتاح ويتمّ لي عهد الصفو ؟!

ارتشفتُ معها "فنجالاً" سوّته يدها .. قهوةٌ لن تتقني يا زهرة ولا أيتها المطاعم والمقاهي الإتيان بمثلها وإن حرصتم !
هذا لمسةُ أمي، وطعم أمي ، ورائحة أمي ..
ثم لم أطِل مكوثي ، كنتُ أهرعُ للخارج سريعاً.. أخشى أن أضبط بجُرم زيارة أمي !


* * *


في المساء كان مجلس أبو مشاري يعج بأنسبائه ورفاقه ، وكنتُ بينهم كأخرس .. يبتلعُ الصمت لساني في زحمة الحضور !
كل يوم اثنين ، يكون هذا الجمع المعتاد ، جمعٌ زاد ضيفاً جديداً اسمه فيصل !
كان حضوراً نبيلاً .. لولا إلحاحُ سارة ماكنتُ أتيت !
تباً لعينيّ القرويّتين .. ها قد دبّ فيهما جينُ الفضول ، راح يشبرُ المجلس فرداً فرداً ..
منذ جئت وأنا لا أنفكّ من إعمال عقلي ورميه في جحيم المقارنة بيني وبين الصافّين في المجلس الفاخر ..
تركتُ لعيوني الحديث، حين كانت أبجديتي غادرتني في حضرة الغرباء !

أزواج بناتهِ لا يقلّون عنه ثراءً ، هكذا فهمت من سارة ، هكذا رأيت !
زوجُ منى من تجار العقار ، زوجُ رحاب رجل أعمالٍ حـرة ، ناجحٌ بما يكفي ليتردد اسمهُ في الصحف أحياناً !
ثالثهم شابٌ يكبرني قليلاً في العمر ويكبرني جداً في الثراء.. وليد زوج عهود ، أبوه وزيرٌ سابق ..
وذاك أحمد زوجُ فريال ، يرأسُ شركةً كنتُ مضحكاً وأنا أتهجأ نطقها بالانكليزية !
والخامس، آخرُ الحضور ، زوجُ سارة ، أبلهٌ يدير عينه في الجمع، معلم بمرتبٍ سيُضحكهم سماعه، وابنٌ لحارس مدرسة!


كنتُ مثار شفقتي .. وكان تركي سعيداً والأحاديث تدورُ بانسجام وقد تركني الجميع غارقاً في بحرٍ من التهميش ..
كان أبو مشاري يعاملني بفتورٍ ، كنت قبل ذلك أعزوهُ لقوة شخصيّته ، حتى أدركتُ غبائي حين كان بشوشاً مع بقيّتهم !
يسأل زوج رحاب عن صحة والده ، ويطمئن على صحة عم وليد في العناية المركزة ،
وكنتُ أمامهُ مباشرةً وكان يقفزُني لغيري..هه ! هوَ لا يعبأ بأمثال أبي !!
يدور حديثهم عن مخططات الأراضي ، عن المشاريع .. حتى تركي يجيدُ المشاركة في هذه الأحاديث الطويلة ، ووحدي من يُتقن الصمت هنا ..
لو تحدثوا عن الهلال كـ فهد ، لو تحدثوا عن التعليم ، لو تحدثوا عن الحـب ، لو تحدثـوا عن الكتابة والقصص .. سأكون مبهراً ..
لكن حديثُ المال ليس لأبناء البسطاء .. أخذتُ مكاناً قصياً ورحتُ أمارس الفرجة لا أكثـر


لم يراعي وجودي أحـد .. كانتْ تمرني من بعضهم لمحةٌ ثم ابتسامةٌ تأتي كصدقةٍ في خضم الحديـث !
لم يسألني أحدهم عن أي شيء ، وللحق لم أبحث عن أسئلتهم...
كنتُ أبحث في عقارب ساعتي علّها تتقدمُ سريعاً .. كانت تسير ثقيلةً أثقل من حديث هذا الجمع المريـض بالمال والزيـف !

- حسناً ، أستأذنكم لديّ موعدٌ مهم .. إلى اللقاء

قلتها وخرجتْ ، لم أحتمل البقاء أكثر ..
وأدركتُ أني لم أكن بحاجةٍ لأقول جملتي السخيفة " موعدٌ مهم " .. قلتها وكأنّ أحداً سيلح علي بالبقاء .. يا لبلاهتي !
حين كنت أرتدي حذائي كانت عينا تركي ترقصان جذلاً ..
وطرأت جملته في رأسي قبل الزواج بيوم " هذا البيت ليس لك فيه شيء ، تأخذ سارة وتنصرف من حياتنا " !
وأظنه صـدق !

أعزي نفسي قبل الخروج وأنا أدلفُ عبر البوابة الكبيرة :

- طالما سارة معي ، طالما حصلتُ عليها .. فاللعنة على كل من في هذا البيت !

* * *


لم أقل لسارة في الليل شيئاً عن تهميش والدها .. عن نظرته المزدريّة ،
عاملني بشيءٍ من احترام حين جئتُ خاطباً .. لأنه عاملني كصفقة !
صفقةٌ تستر بنته وتقطع دابر فضيحةٍ ملغومة ، اشتراني ولم أعرف ، كسب فتاته وسمعته ورمى بي في بنك أرباحه من حيث أدري ولا أدري ..
حين تمّ كل شيء .. صادر حتى قليل الإحترام الذي أبداهُ لي أول لقاءٍ تم بيننا ..

سألتني عن والدها فكذبتُ كثيراً ! ورغم موجة إلحادي تمتمتُ باستغفاري ..
كنتُ متعكراً حد النوم باكراً .. تركتُها تسهرُ مع قنوات الفضاء وأسبلتُ عيني للكرى .. مغتاظاً !


أخبرتها أننا في الصباح سنذهبُ لمكانٍ سوف تحبه ! لم أقـل لها أكثر من ذلك ،
كنت أحملُ بصيصاً من أملٍ عرفتْ أمي كيف تملؤني به ،
كنتُ قد عدتُ منها بالأمس وأنا سعيد، بعد أن أزمعتُ معها أمراً ..

في الصباح أخذتُ سارة وانطلقتُ بها باكراً :

- إلى أين فيصل ؟
- سنتناول قهوة الصباح عند امي.. أليس هذا ماتريدين


أمام بيتنا الصغير وأبوابه القديمة وطلائه المقشر ..
كنت وسارة نصعد درجات الباب وندخل ، كنتُ وقّتُ زيارتي بما لا يدع مجالاً للشك أن أبي قد مضى لمدرسته التي تنتظرهُ أبوابها!
وأشاهد عينا سارة تدوران في المكان بغرابة ..
يبدو أنها لا تصدق أن هذه البيوت تعج بالبشر وتصلح للسكنى ..
لم أتبرّم .. حُقّت لها الدهشـة .. في بيتهم هناك ، الفناء لوحده يبتلع بيتنا بأكمله لو أراد!


أظن الطيبة لو خُلِقتْ من تراب .. لكانت في صورة أمي !
وأظنّ الرحمة لو أرادت أن تتكلم يوماً .. لاستعارت نبرة أمـي !
وأظنّ القسوة لو تجسدت بشراً للحظة ، لعرفت كل العاجّين في المدينة
والرائحين والغادين ، نسائهم ورجالهم ، إلا براءة الأطفال و وجهَ أمي !

كانت أمي في انتظارنا .. وكأن البيت كله، بجدرانه وسقوفه وزواياه ينتظر إطلالة سارة!
حتى الخادمة، كانت تقف فضولاً لمشاهدة الزوجة الجديدة ، زوجة فيصل ذاك الشاب الذي خرج من البيت ذات ليلٍ ولم يعـد..


مدّت سارة يدها في ذهول ، كانتْ ترى أمي لأول مرة ، وقامتْ لها أمي كما تقومُ لأي ابنةٍ من بناتها ..
لم تثنِها ركبتيها أن تقوم لتقبّل سارة ، الأنثى التي انتزعت فتاها وشقّت في أساس البيت صدعاً سيطولُ ردمه !
قبلتها أمي ، ضمتها لصدرها وسألتها عنها عن أمها وتختم بالدعاء كل جوابٍ تسوقه سارة في ذهول ..
وأنظر لحنان أمي مبتسماً وأفكر:
أولئك لم يسألوا عنكِ أنتِ ولا أبي يا أمي، يهشّون ذِكراكم كما يهشّون
حشراتٍ تطوفُ فوق رؤوسهم .. لم يسألوا عنكِ حتى وأنا الآن زوج فتاتهم !

كانت أمي تدفن كل أوجاعها لترسم على ملامحي الباهتةِ ربع ابتسامة ، أنا الرجل الذي لم يجد في غمرة أفراحهِ مشاركةً من أحد !
انا الذي لم يسمع من أهل بيتهِ مباركةً في أهم ليالي عمره الكئيب !

كانت أمي تعلّم سارة كيف تكون رقة البسطاء .. وطيبة البسطاء .. وأن غبار المدينة لم يلفح كل وجوه القاطنين ..
.. هناك من يبقى في صفاءٍ لا يكدره القَتَر !
أمي ليستْ كأمهات تلك البيوت وتلك القاعات الكبيرة ، تلك المتشحات بأقنعةٍ تخبيء وجه الإنسان فيهن ..
حتى سارة تعرفُ الآن ذلك جيداً ، أظنها بدأتْ تُقارنُ كما كنتُ أفعل طويلاً منذ عرفتها ..
كانت تسأل سارة عني وعن أهلها وعن صلاتها ، أمي تجيدُ منح الدفء لكل مقتربٍ
منها ..كنتُ خجلاً من بيتنا من مساحته الضيقة من أثاثه البائد لكن أطاول
السماء فخراً بأمي !
كانتْ سارة على وشكِ أن تنام على ركبتي أمي وحديث أمي ومسحات أكفّ أمي ..


صوتُ سيارةٍ تتوقفُ أمام باب الفناء .. من هذا العـائد باكراً !؟
أظنني من فرط الخوف بدأتُ أنازع !

خطواتٌ أعرفها جيداً ، تقترب لترسمُ ظلّ رجلٍ أسفل الباب .. رجلٌ أعرفه !
صوتُ المفتاح يثقبُ الباب ثم يُفتح، و يطلّ أبـي ..
وعلى منظر عيناي الخائفتين و وجلِ أمـي تُدرك سارة أن الأمر جلل !


مشى رويداً .. كان ينظرُ لي وينظرُ لسارة .. ينقّل عينيه المتعبتين بيننا في صمت ، سكتتْ أمي وجمَد كل شيءٍ بدخول أبي !
قمتُ أشبهَ بطفلٍ بدأ تعلم المشي بعد الحبو .. ترنحتُ في طريقي ماداً إليهِ يميني ، ما موقفي حينَ أُصفع الآن أمامكِ ياسارة !
التقطتْ يدي يدهُ التي لم تُمـد !
قبلتُ رأسـه الذي كان يحاول أن يتراجع !
وجاءت سارة من خلفي تمارس ذات الطقوس .. لكنّ والدي كان يـمد لها يده ، تمتم بعبارةٍ لا أظنني أتخيلها :

- " هلا، حيّاك الله " !

نعم قالها لساره .. لستُ أهـذي ولستُ أحلم !
قالها ثم مضى شاقاً طريقهُ للخروج مجدداً من حيثُ جاء .. كان وجههُ متعباً وأظن ذاك يفسّر أوبتَه !

- فيصل !

كان يناديني قبل أن يخرج من حيث دخل مع ذات الباب !

اقتربتُ منه بعيداً عن المرأتين في وسط الفناء ،
وهمس في أذني بحيثُ لا يصل حديثه للفتاة القابعة بجوار أمـي :

- لو رأيتُك وحدك .. لطردتك ! لكنها تدخلُ بيتي للمرة الأولى ، لن أطردها وقد جاءت ..
سأعودُ بعد عشر دقائق ، إختلق أي عذر .. ولتخرجْ ، أي عذرٍ يا فيصل .. لكن لا أريد أن أراك بعد أن أعـود !
ثم لا تحضر هنا حتى أمـوت .. أتسمعني ؟ حتـى أمـوت !

قالها لاهثاً يغالب تعبـه ، أغلق الباب خلفه وخـرج !


دقيقتين وانطلقتُ بسارة مسرعاً .. خارجاً من بيتنا من حيّنا مطروداً للمرة الثانية .. لكنهُ طردٌ طويل الأجل !
كنتُ أمسح دمعتي ، وسارة تلح ماذا قال ماذا جرى يا فيصل :

- ولا كلـمة ! اسكتـي ! تلحّين على زيارة أهلي ـ أهذا ما تريدين أن ترينه ؟! والدي لا يريدني ..
لا يريدني كفّي عن الإلحاح كفّي ..
لديكِ أهلكِ يا سارة .. ولديكِ من تحبينه .. بربكِ اتركيني لا تعذبيني بسؤالي عن هذا البيت أبداً ..

- لا يريدك لأنه لا يريدني !؟

كان الغضب يتدفقُ في رأسي .. ومنظر والدي متعباً كسيراً كان يمزقني ،
تعاطفه معي رغم تحطيمي له كان يعذبني أكثر .. ليتك ضربتني يا أبي !

وصوتُ سارة ينهمر أخرى :

- فيصل لا تغضب ، لا تبكي ، ها أنا بجوارك .. وأهلي أهلك ، والدي والدك ..

كان دماغي في حالة غليان ،آخر ماينقصني هذه العبارة! شعرتُ باشمئزازٍ من جملتها الأخيـرة ، أوقفتُ سيارتي ورحتُ أصرخ فيها :

- والدكِ ليس والدي ولن يكـون ! والدكِ يحتقرني أتفهمين ؟ يحتقرني. ! ومن الآن أخبرك لن أعود لمجلسهِ أبداً !
صلافته وكبرهُ يمنعه حتى من اعتباري زوجاً لك .. كان يتوارى عن تقديمي لضيوفه .. يقدّم كل أزواج شقيقاتك ويحتقرني
ياسارة والدي كان بإمكانه الآن أن يدهسني .. أن يصفعني أمامك ، أن يسمعكِ كل ماتكرهين .. لكنهُ خرج .. خرج رغم مرضه وتعبه وشحوبه ،
لم يسئ إليكِ رغم سحقي له في سبيل الحصول عليك.. أقسم لكِ أني سحقتهُ تماماً قبل أن أصِل لكِ زوجاً !
أوتعلمين لماذا خرج .. هو لا يريدُ أن يجرحكِ كما يفعل والدك المتعجرف !
والدي ليس كوالدكِ يجيد احتقار ضيوفه ! إياكِ أن تكرريها إياكِ والدك ليس
والدي

عاد صوتها مبحوحاً ، هذه البحّة ، أول مراسم البكاء عند سارة :

- فيصل هل تدرك بماذا تتلفظ ؟ أنت تهينني .. تهين والدي ..
طالما لسنا " أصحاب واجب " كما تهذي ماذا تريد مني .. لماذا جئت ..لتسمعني هذا الألم

أوهووووه .. أوقفتُ سيارتي جانباً .. تركتها تبكي في المرتبة وأشعلتُ سيجارتي وبدأتُ أتأمل الطريق والسابلة كتائه !
فكرتُ كثيراً في حديثي في حديثها .. في صوتِ أبي المُتعب في امتقاع وجه أمي في اكتئاب هذا الصباح السعيد بغتة !
فكرتُ في هذه المسكينة ، ماذنبها في أن والدها ممتليءٌ بصلافته الزاكمة للأنوف !

فتحتُ الباب وعدتُ لمقعدي ، وعلى الفور كنت أرسم طريقاً جديداً لحياتنا :

- أحبك وتحبيني ، هذا هو المهم.. كل شيءٍ سواه لا يهـم !
دعينا نعيشُ حياتنا دون أن نُرهق أنفسنا في البحث عن الفروقات ، لا شأن لنا بمن حولنا ! أتسمعين ؟!


وانطلقنا لبيتنا البعيـد عن بيت أبي ..القريبِ من بيت أبيها !
كانتْ تمسح دمعها ، حين كنتُ أمسح عن جبيني عرقاً يتفصد ، وعن وجهي شحوباً يرتديه !
لكنّ ألماً في داخلي لن يُمسح ، هناك في أعمق أعماق جوفي ،
صداه يتكرر في داخلي :

" لن أطردها ، خذها واخرج، ثم لا تعـد حتى أمـوت " !


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ٺعٻٺ مڹ ٳڵۄڵہ
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
ڹآئـٻ ٳڵمډیــــــر
avatar



المشآركات : 130
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: " بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..   الإثنين ديسمبر 26, 2011 3:32 am

35

الحب طائرٌ جميل ، يهبط علينا كـ وحي ، يعلمنا أن نكون أجمل !

إبان فراقنا ، حين كنت أذهب للخرج ، لطلابي المتكدسين كسنابل قمح في حقلٍ ضئيل ، كنتُ أذهبُ كئيباً وأمشي كئيباً !
الاكتئاب عدوّ الجمال الأول ، يصيّرك رثاً وإن كنت أنيقاً ، كنتُ أتجافى عن الحديث مع زملائي وطلابي ،
وحين أبدأ الشرح ، يكاد الشرخ في قلبي يمنعني عن الإتقان ، كانت أياماً حسوماً كأيام عذاب .


الآن ، أمضي وأعود أنيقاً ، تسربلتُ بالنظارة يوم سربلني الحب رداءه ،
الحياة من حولي بدت أجمل ، عادت الألوان ترفرف من حولي وأنا الذي كنتُ أمر كل هذه الأمكنة فأراها باهتة !
أعود من الخرج متجهاً إلى الجنة ، هناك في البيت القصيّ من الرياض تنتظرني طفلةٌ يتراكم فيني الشوق لمرآها ..

قبلها ، كنت أعود لعزلتي لكتبي الغبيّة لسجائري لدموعي المتساقطة كحِمم !
الآن أعود لفاتنتي أتشظّى لهفة وعشقاً ورغبة !
لستُ سعيداً كلياً أعرف ذلك ، صوتُ أمي ووجه أبي وانقطاعي عن عائلتي كيتيمٍ وحيد ، يخزّني كشوكةٍ تُغرس في باطن قدمي ..
لكني أقفُ لأحزاني وقفة شجاعٍ يتترسُ بسلاحه .. سارة !


أقفُ أمام باب بيتي ، أو بيتها ، أو بيت والدها .. أووه البيتُ الذي نسكنه !
وتهبّ فيني رياحُ قومي بغتةً وتغرفُ عروقي من ماء موروثي لتعود ملأى بسؤالٍ متكرر :

- كيف أرضى السكن في بيتٍ لستُ أملكه ! أعيشُ في بيتٍ يحملُ اسم زوجتي ، كما لو كنتُ عالة ً أبحث عمّن يواري سوءة فقري !

ثم أعزي نفسي أن الأمر مؤقت ، ريثما تهدأ كل منغصاتي ، ويزداد مرتبي ورخائي ..
حينها سأرمي هذا المفتاح في حِجر والدها ببرود ، كما رماهُ في حجري ببرودٍ أول مـرة !


ما هو الجحيم ؟ هو كل العالم الواقف أمام هذا الباب ! بابٌ يقفُ كصخرةٍ تتكسرُ عليها أمواج هذه المدينة القاسية ،
ما هي الجنة ؟ هي كل ما يتوارى خلف هذا الباب .. حبيبتي وجهُ سعدي وطعمُ هنائي ،
أصعدُ خطوتين وأفتحُه وأدخل ..
ثم أغلقُه بقوّة ، بعزم ، في وجه هذه الدنيا المتطفلة ، والمجتمع الذي لا
يفهم الحب ولا يدركه ، في وجه التقاليد البالية التي تحب الأسماء أكثر من
الحب ذاته !
أغلقهُ ساجناً كل هذا الكون خلف بابي ممنوعاً عن اقتحام جنتي .

تمشطُ شعرها وتغني أمام المرآة ، صوتها عذبٌ حين تغني لي ، لكنه أعذب حين تختلسهُ أذني وهي لا تعلم !
طفلة ، ليست إلا طفلةً في جسم امرأة ، هكذا قلت لنفسي .. اللعنة على
أناقتها التي لا تكف عن الحضور .. ومظهرها الذي لا يكف عن ثورة التجدد !
وجمالها الذي يرمي بي في أسئلةٍ غبية : أحقاً من تُراب ؟! أم نزلتْ مع غمام
، أو ياترى حوريةٌ خرجتْ من البحر فضولاً يدفعها للتعرف على خفايا
البشر..
متكئاً على ضلفة الباب أسأل نفسي كل هذا وأكثر ..هائماً على وجهي في وجهها النورانيّ.

- بسم الله .. أفزعتني !

صوتُ شهقتها ويدها تُمسك صدرها الغض خوفاً !

- فيصل قلتُ لك ألف مرة لا تتأملني هكذا !

وكنتُ أبتسم !

- منذ متى عدت !

- فقط خمس دقائق ، أتأملكِ وأستمعُ لك خمس دقائق !

وتصعدُ حمرة الخجل لتكسو محيّاها .. لتنطق بصوتٍ هامس :

- لاتنظر لي هكذا اختلاساً .. أشعر أن عينيك تلتهمني

وأقتربُ منها مطوقاً حلمي بذراعيّ ، وأهمس في أذنها الصغيرة :

- ليست عينيّ وحدها .. ليست عيني !


* * *


طفلةٌ في الرابعة والعشرون من العمر !
حين أصحو وهي نائمةٌ بجواري ، اعتدتُ أن أتأملها .. يصبح الإنسان بريئاً
جداً حين يكسو النوم عينيه وجسده ، يبدو بسيطاً يخلو من الشر ،
وسارة حين تنامُ تتسامق براءتها لتصبح ملاكاً هابطاً من بعيد !
أمرر سبابتي فوق ملامحها كأنني أرسمها ، تراودني سبابتي عن تحسس أرنبة أنفِها الجميلة لكني أكف عن ذلك مبتسماً أخشى ايقاظها ..
بريئةٌ للحد الذي تخجلُ فيهِ الطفولة من براءتها ، لو مرّت على الماء، لفكر
الماء ألف مرة قبل التجرؤ على تبليلها ، ولو طار الحمام حين تمشي إليه
لكان جانياً ..
ما بال مجتمعي اللعين يرفضها .. أوااه يا سارة ! لماذا لا تأتي السعادة كأنثى مكتملة النموّ ولو لمرة ! ؟
لماذا حين يحضر وجهها يغيبُ جسمها ، وإن حضر كل هذا غابت أطرافها ، لماذا
يصر الصفو أن لا يهطل دفقةً واحدة ، يتجزأ كقبيلةٍ مشتتةٍ على تخوم دول !
لو عرفوا سارة جيداً ، لكرهوا أنفسهم قبل أن يكرهوها !

بإمكاني أن أقول لها أي شيءٍ لتصدق ، أختلقُ أي كذبةٍ لتصفق سعيـدة ، بريئةٌ حد السذاجة أحياناً !
تقول لي " فيصل أذّن العشاء صلّ " ، أخرج دقيقتين وأعود كاذباً في أداء صلاتي ، لتمطرني بوابل ثناء !
تسألني عن نفوري من مجلس والدها، وجمود علاقتي مع شقيقها ، فأختلقُ أي عذرٍ وأي حديث لتعود لها بسمتها بعد وجوم !
يخيّل لي أحياناً أنها تخدع نفسها بالتصديق فقط لتبقى سعيدة !

البارحة عدتُ من من شقة فهد ، سهرتُ طويلاً بين الأصدقاء وعدتُ متأخراً ، وجدتها متكومةً في الفراش كحلزونٍ غاضب !
كنتُ أعرف أن حديثاً ساخناً سيدور بيننا هذه اللحظة !
" مسا الخير ياحلوة " ، لم تـرد تحيتي ، كنتُ أتأملها في المرآة .. نهضت من
رقدتها ، تاكئةً ظهرها حافة السرير وركبتيها تتكومان لصدرها النافر
كقبتين ..
وابتسمتُ لرؤيتها ، حتى الغضب يجعل سـارة أجمل !
جلستُ بجوارها على السرير ، مررتُ يدي على شعرها فأنزلتْ يدي بحزم .. لاااا ... يبدو أن الطفلة غضبى جداً !

- كلهم حضروا إلا أنت !

اللعنة على مجلس والدها الغبيّ ، واجتماع النبلاء المتحلقين مائدة الوهم ، كنتُ أهربُ منه لثالث اسبوع !

- سارة أرجوكِ ، تحدثنا كثيراً في هذا الأمر بما يكفي !

لم يتزحزح غضبها ، كان خدها المحتقن بالدم يستند لراحة كفها ، وفي عينيها دمعةٌ تريد النزول ، كل شيءٍ يُحتملُ إلا بكاء طفلتي !

- سألوني عنك ، ومللتُ الأعذار يافيصل ، أنتَ لا تريدُ أهلي ، تحبني لكنك لا تحبهم !

أردتُ أن أقول لها يسألونكِ مجاملةً ليس إلا ، هناك في البيت الكبير لا أحد
يعبأ بالمعلم ابن الحارس ، لكن دموعها ستهطل ، ودمعها زنادٌ يقتلني :

- ألم نتفق يا سارة ، أن نعزل كل هذا العالم عن عالمنا ، حتى أقرباؤنا لن
ندعهم يقتربوا من حبل سعادتنا ، لا تدعي أحداً يُرخيه وقد شددناهُ بصعوبة

لم تفلح الكلمات ، انزوت عني واضطجعت لتنام ، لتبكي، أمسكتُ بقدمها الصغيرة
وكانت تريدُ الخصام أن يزداد ، كانت طفلةً تبحثُ عن مشكلة لتفرغ حنقها :

- اترك قدمي ! سأنام .. قلت لك اترك قدمي

كانت قدمها تهتز في يدي كسمكةٍ تريد الإفلات ناحية الماء ، وكنتُ أمرر
أصابعي على باطنها لتبتسم ، وكانت تواري ابتسامتها في جوف وسادتها ،
وطبعتُ على قدمها قبلةً لترضى ، وعادت كأرنبٍ سريع يركض ناحية الخصام :

-هـه ! ماذا سيقول " قومك " لو عرفوا أنك تقبل قدم أنثى !

هاهي الطفلة تبحثُ عن الغضب عن الجدال لتبكي ، لكن رياحها الساخنة كانت تتكسر على جبل برودي ، وطبعتُ اخرى :

- أبيع هذا العالم من أجل قدمك !

- سيرجمونك يا سيد نرجسـي

وطبعتُ ثالثةً تخبرها أني لا أبالي ..

- مجنون !

- أخباركِ قديمة يا ماما ، أنا مجنونٌ منذ تسعة أشهر !

لم تفلح في كتم رضاها ، طفلة ! تُغضبها أفعالي وأرضيها بكلمة ..
راح الليل يطوينا كعروسين جديدين ، وغلّفنا بعضنا بجسدينا، وانهمر الحب كزخات مطر ، غادرها الغضب .. رضت تماماً !
الطفلة الأجمل في هذه الدنيا بحوزتـي

* * *



الحب حالةٌ من الشعور تجعلك أحياناً تتصرفُ عكس ما تريد !
قد نُفلح في القبض على الحب و قد يفلتُ من أيدينا ، رهانٌ كثيراً ما يُربح في أوطانَ بعيدة ، وكثيراً ما يخسرُ ها هنا !
نحن لا نختار آباءنا وأشقاءنا ، نولدُ لنعرف أن هؤلاء يرتبطون بنا ..
نحن لا نختار من نحب ، تقعُ العين على الجمال كثيراً ، لكنها تسقطُ أحياناً
على أحدهم فتقذفَ ماء العشق في القلب ليتخصّب حبٌ نحملهُ كجنين ..
ثم يسيّرنا الحب رغماً عنا !

لكن الصداقة كنز ، لا قوة في الدنيا تجبرك لاعتماد أحدهم صديقا ً ، أن تكون
صديقي هذا يعني أن مساحاتٍ كبرى من ذاكرتي وخفاياي كتابٌ أفتحهُ لك ..
برغبتي !
نادراً ما تخسرُ الصداقة ، وكثيراً ما يخسرُ الحب !
زواجي من سارة علمني كيف أكون منبوذاً ، وأخبرني بإحساس من يعيشون هناك في ملاجيء الأيتام وكيف يقاسون ،
ماذا يعني أن يكون الفردُ لقيطاً وما هوَ بلقيط ، فقط تتسكعُ في ردهات المدينة مخذولاً من عائلتك ،
تعزّي نفسك بالحب لكن تذكر زواجك وحيداً وتأسى ، وتشاهد الآخرين محبورون بعوائلهم من حولهم فيدب فيك إحساس اليُتم فجأة !

وحدهم أصدقائي من كانوا يشاركوني فرحي رغم كل شيء ، حين أتيتُ للشقة بعد غياب شعرتُ بحفل زواجي حقاً وكأني أعيشهُ بأثرٍ رجعي !
وفهد حين احتضنني كان يعتذر لغيابه عن مشهدي بحجة أنهُ قريبٌ لا يريد أن يكون في خضمّ هذه الشوشرة العائلية ، وغفرتُ له ..
وسلمان المهووس بالشعر كان يحاولُ جاهداً ارتجال بيتين ولم يفلح .. لكني شعرتُ بمحاولاته قصيدة ً عصماء كاملة !
صالح صديقي كان أشدهم تأييداً لي ، أحضر وليمةً عامرة ،سهرتُ معهم على
مباركاتٍ تترى تباعاً ، ضارباً بمجلس أبو مشاري عرض الحائط للمرة اللا أعرف
كم..
وعرفتُ أننا أضعف من أن نواجه الحزن لوحدنا في هذا العالم دون مشاركة ، وأن
الفرحة وحيداً نوعٌ من أنواع الحزن الذي لا نعرفه إلا فيما بعد !
وأن كل شيءٍ نستطيع أن نعبر عنه بالحروف إلا خذلان الأقربون ، ذاك يستدعي
أبجديةً جديدة ، أبجدية قاسية كقساوة الخذلان الذي حقنوه فينا !

في الليل وقد ذهب الصِحاب وخلا المكان إلا مني وصديق القرية القديم ، كنتُ أشعل سيجارتي وأقدم له النصيحة الأثمن :

- فهد ، تـــزوّج !

- ههههه لا ياصديقي لا ، لم أجنّ بعد !

- الزواج ليس جنوناً ، راحة و ترتيب حياة ، كل شيءٍ قبل زواجي كان فوضى !

وشعرتُ بطعم عبارتي هذه غريبة ، كأن حياتي الآن تخلو من الفوضى هه !

- الزواج لأمثالي يافيصل ، يشبه حبلاً نهايتهُ في جبل ونهايته الأخرى في قدمي ، كلكم حين تتزوجون تقدمون هذه النصيحة ..
بعد أشهر ، تبدأون تبكون أيام الحرية والراحة وتتورطون بالمسؤولية !

- هل تظن أنني الآن مربوطٌ بحبل ! ها أنا الآن أسهر معك ، لم يمنعني الزواج أن أفعل ، لكني سأعود لدفء سارة وستعود لسريرك البارد !

شعرتُ بوجه صديقي يمتعض ، يسوؤه أن أتحدث هكذا بطلاقة عن زوجتي ، أصبحتُ متحرراً من كل شيء في حين حافظ هو على تركيبته القديمة !
بقيَ وفياً لعروقه يوم اجتثيتُ عروقي..

- الرياض يا فهد لا تسمحُ بالحب ، صارمةٌ على العشاق والمتجاوزين خصوصيتها ، أنت أكثر من يعرف ذلك ..
هذه المغامرات التي تقومُ بها صدقني لا تستحق !

- هل تذكر يافيصل حديثنا في المقهى عن الصقور و التحليق الاقتناص ؟ يوم قلت
لي أنكم قبيلةٌ عذرية تكتفون بالكلمات ، وأنك لست صقراً ولا ترى في
الأنثى فريسة؟
حينها قلت لك ليس هناك عذريةٌ في الحب ولا شيء إلا الرغبة والمساس !

- هههه نعم أذكر ، كنتُ غبياً يا صديقي أو أتغابى ، الحب الأفلاطوني تصويبٌ دائم دون الضغط على الزناد كما يقال ،
لا حب إلا بقدح الزناد لكلا الطرفين! .. ولا تحليق لصقرٍ دون اقتناص ، صدقت
..ها أنا أعترف يا دنجوان بهزيمتي لكن ماالذي ذكّرك بهذا الحديث القديم ؟

- لأني سأعطيك حقيقةً ثانية وأرجو ياصغيري أن لا تكابر ، خذها من الآن كـ مسلمّة :
الاقتناص الدائم ، مثل التحليق المستمر ، كلاهما وجهان لعملةٍ واحدة ، وسوف تأنفُ وتفترُ يافيصل كأي متزوجٍ آخر ، وتغادرك دهشتك ..
وحينها ، سـ تود العودة للتحليق حراً لكنك لن تستطيع ، لأنك تورطت وانقضى الأمر !

عاد دنجوان ، العارف كل شيء ، لإخافتي .. حين يتحدث أشعرُ أن عشرين ابليساً يلقنونه الكلمات !

- نحن رجال يافيصل ، رجال ! أنت تعرف ماذا يريد الرجال ، أرجوك لا تحدثني
عن الحب الدائم ، الحب لدينا نحن الرجال أشبه برشوة ، نقدمها لنحصل على
الثمن الأهم !
حين نحصل على بغيتنا ، لدينا تركيبةٌ تعرفها وأعرفها ويعرفها كل رجل ، ينتهي حديثُ الحب ، ويبدو الكون باهتاً !
بعدها تعاودنا الرغبة ، فنعود نقرعُ باب الحب وكلمات الغزل.. قنّاصةٌ
ياصاحبي مانحن إلا قناصة ، عازبنا اللعوب ومتزوّجنا المحب ، كلانا نسأم لا
أحد أفضل من أحد !


الآن ، تأكدتُ أن فهد هو من يستطيع تلقين الكلام لعشرين إبليس !

في الفترة الأخيرة ، بات يومي مع سارة ينقسم للونين : ورديّ اللون ، تلك
الساعات التي تسبق الوصال ، تلك الساعات التي أتحرق لاختراقها والتهامها
كنعقود عنب،
وساعات ما بعد الوصل ، لونٌ شاحب ، والبيتُ يحمل ضجراً يدعو للخروج ، وأبدأ التفكير في فهد وسهرات الأصدقاء ..
لكنّ سارة أنثى ، كل ساعاتها وردية اللون ، تركيبتها تختلف تماماً عني وعن فهد وعن الرجال جميعاً ، اللعنة على دنجوان كيف يعرف !
وعاد صوتهُ منبعثاً بين دخان لفافته :

- فيصل ، أنا لا أقول لك بأن حياتي هي الأجمل ، ولا أنفي هذا الملل الذي يتسربُ في حياتي الفوضويّة وصعلكتي وحيداً،
لكني أرفض أن تأتي إلي بنصيحة الزواج لتقدمها لي كأنها الأنموذج والحياة
الحلم! وكأن الملل كُتِب علينا دونكم ! كلانا يملّ لكن أصدقك القول ، مللي
يخلو من المسؤولية بعكسكم !
لهذا وفّر نصيحتك الثمينة ، تسوقها أيها المتحاذق وكأني لا أفهم شيئاً وسأصدقك بسرعة .. ههه لا ، أنا فهد تذكر ذلك دوماً ياصغيري

شعرتُ أني صغيرٌ جداً بالنسبة له ، لم أعترض على هذا التقزيم ، كنتُ أنظر
له منبهراً وكان يبتسم، عارفاً مدى تأثير كلماته ومبصراً لاعجابي :

- إحداهنّ أهدتني ديوان مجنون ليلى ، قالت اقرأ لتعرف كيف أحاديث العشاق يا متخلف ههه ، قرأت قصائده ولا أنكر راقتني يافيصل ،
أنت تعرفني لا أحب القراءة لكن هذا المجنون كان عظيماً ، وفكرتُ في سؤال
مهم : ماذا لو تزوجها ؟! هل كان هذا الديوان بين أيدينا ؟ هو مجنونٌ بها
لأنه لم يتذوقها ، الحب يقتله الوصال !
صدقني لن تجد شاعراً متزوجاً كتب ديواناً في زوجته ، لأنهم تورطوا بالملل ،
كل هذه الدواويين من عشاق، أناسٌ لم يطولوا حبيباتهم لم يقتل الوصال دهشة
الحب في عينيهم راحت عواطفهم تلتهبُ قوافٍ تصعد في السماء ..
دعني أحلم ياصغيري بحياة الحب والأحلام الوردية على أن أعيش التجربة لأُصدم
في الواقع المأساوي !! أنا حرٌ يأبى السجن وإن كانت قضبانه من عاج الفيل
وأشناف الذهب .

- فهد لماذا لا تؤلف كتاباً ؟! أو تكتب رواية ،أقسم بالله ستكتسح ! اللعنة عليك ياصاحبي من أين ألممتَ بكل هذه الرؤى في 26 عاماً !

وضجت الشقة بقهقهاته التي شَرَق بها وهو يصيح فيني :

- أخيراً أنصفتني ، كلما قلت لي أفلاطون وأرسطو كنتُ أقول : لا تضيّع وقتك معهم وأنت بجوار الفيلسوف الأهم !
أووووه يا صديقي ، دعنا من كل هذا ، ماذا عن أهل زوجتك عن أهلك حياتك ..!؟

- واهٍ يا فهد ماذا أقول ، مع سارة / الحياة أشبه بالفردوس ! رغم الملل
الذي تحدثتَ عنه ورغم تبرمها من خروجي الذي باتَ سمةً لي مؤخراً ، لكن كل
شيءٍ في الجوار جحيم !
أهلي مازالوا غاضبين ، والدي يافهد منذ أن طردني من بيته قبل شهر لم أعـد ،
أستسقي أخبار أمي من شقيقي محمـد كمهاجرٍ في أطراف العالم لستُ معها في
ذات المدينة !
أهلها لا أدري عنهم ، قُرابة الشهر لم أزرهم ولم يسألوا ! هناك يا فهد
يتحدثون المال وينظرون للمال ليس للرجل ، رجالٌ مثلي ومثلك لا يساوون هناك
شيئاً !
وشقيقها ! آآآه ، لولا سـارة ، لولا أخته المسكينة ، لكان لي معه تصرفٌ آخر !

يافهد ، منذ تسعة أشهر وهذا العالم لا يرعوي عن حربي ، كلما أمسكتُ خيط
الراحة في يدي ترهّل وانقطع ، لأجدني في دوامة البحث عنه مجدداً !
حياتي بقعة ماءٍ طهور ، ستكون راكدةً عذبة ، لولا أحجارٌ لعينة ـ لا تكف عن السقوط فيها محدثةً دوائر هائلة !
لا أدري متى يكف هذا العالم عن استبداده فأكف عن ثورتي ، آه لو يلقي إليّ جناح السِلم فأقوم كجيفارا وأمد له غصن الزيتون ،
وآه يا حلمي الذي ناضلتُ طويلاً لأجله يا فهد ، كأنما يراه السيّاب بين أستار الغيب وأنشده : " حلمي الذي يمد لي طريق المقبرة " ،
حياتي مع سارة جنة ، خارج سارة خراب !
حنيني لأمي يمزقني ، افتقادي لصوتها مسمارٌ يدق في سقف هدوئي ،
كيف أرتاح ويتم صفوي وأمي غائبةٌ عني خلف سجوف الليل ، والصبح يأبى
الإنبلاج ، أمِن أجل اسمٍ جديد أقحمتُ فيه العائلة يا فهد .. مجرد اسم ،
تقومُ الدنيا ولا تهدأ !

وجاء صوته مواسياً حرارة كلماتي :

- هذا هو اختيارك ، وهذا هو مجتمعك الذي تعرفهُ أكثر مني ، هذه الرياض يافيصل تقدس الأسماء أكثر من الفرد ذاته !

- نعم ياصديقي تقدس الاسم أكثر من الفرد ، شاهدهم وقد نفوني .. اختاروا اسمهم ونفوني كمتردمٍ في بحر الإثم ،
يرددون الدين وأحاديث المساواة ولافضل الا بالتقوى ، ثم يسقطون في أول محك !
لا ثمة وجوه هنا ، كلما حولك أقنعة ، لا تبحث عن وجه في الرياض .. الزيف
مخيف !
شاهد صديقنا صالح يا فهد ، نعرفه منذ عشرين سنة ، لا شيء يختلف فيه عنا ولا
نختلف عنه ، ربما يفوقنا خلقاً وحياءً .. لكنه لا ينتمي لقبيلة !
دينه وخلقه وحياؤه ونبله ، كل ما سَبَق لا يشفع لصالح أن يقترب منا أو
نقترب منه إلا صداقة. هو لا يحمل اسماً رناناً يا صديقي، قل معي : لعنة
الله على الأسماء

- لعنة الله على تركي !

- ههههههههههه وما دخل تركي !

- ألم يقل لك " أمثالك لا يمكن أن نزوجهم لولا الظروف " ؟ كلمة أمثالك يافيصل فيها تطاولٌ علي.. أنا الفيلسوف الكبير ..
بربك، قم معي الآن لنضرب ذلك الطفل ونعود هههههه "

على ضحكاتنا الصادحة ، وعيوني الغرقى بدمع الضحك تارة والمأساة تارة ، سرى ليلي سعيداً !
وحدهُ فهد من يستطيع أن يسلّني من همومي حين تطمرني ..
وحدهُ من يملكُ قلماً سحرياً برَتهُ الصداقة الطويلة ، يرسمُ به على شفتي
ابتسامة ، ثم يصعد لعيني ويعقف القلم ليزيل بممحاته دمعةً تغالبني عن
السقوط ..
منذ أن كنا أبناء الخامسة ، اعتدتُ أن أراهُ قريباً كظل ، أقرب إليّ من اسمي !
وذكرتُ قريتنا صبيحة يومٍ بارد ، كنتُ أبكي بدمعٍ ساخنٍ يذيبُ صقيع خدي
الصغير ، سألني فهد متدثراً في فِراءهِ المضحك ، ماذا يبكيك ..؟
وقلتُ له والدي ! لم يأخذني معه إلى الرياض ، أريد أن أرى الرياض ،
راح يحدثني عن وحوشٍ في العاصمة تأكل الصغار ، وأنهم هناك لديهم مستشفياتٌ كبيرة ،فيها حقنٌ أضخمُ من التي وخزونا بها الصيف الماضي ،
وتحسستُ كتفي وتذكرتُ رعب الدبوس المدبب ينغرسُ في جلدي ، ونضبَ ماء مقلتي .. أقلعتُ عن بكائي ..
وانطلقنا راكضين في الحقول والدروب الضيقة كأنما نتحدى ذاك البرد الذي
أتذكره الآن ، الآن ونحن كبارٌ في الرياض يضمنا مجلسٌ واحد .. يمارسُ فيه
فهد ذات الدور الذي ظل يمارسهُ طويلاً ، وعرفتُ أن الصداقة ثمرةٌ يتأخر
نضوجها ، فإذا نضجت طاب أكلها ولم يعتورها الذبول، و دامت ماشاءت لها
الأعمار !


واتجهتُ لبيت عائلتي جرياً على الأيام الخوالي ، ليس بينه وبين الشقة الا
خمس دقائق ، ووجدتهُ راقداً في الظلام ، ليس أنيقاً كتلك البيوت لكنّ البرد
يتكسرُ على جدرانه لا ينفذ فيه !
وأوقفتُ سيارتي في هدأة الليل أتأمل البيت القديم ، كانت الساعة الواحدة
والنصف ليلاً ولستُ أعبأ باتصال سارة المتكرر ، وقلتُ لنفسي :
حتى السياراتُ تأخذ ملامح أصحابها حين تطولُ عشرتها بهم !
كنتُ أشاهدت " وانيت " والدي وأراهُ يشبهه جداً، أو أن صورتهُ تنعكسُ عليه لا أدري!
أتأملُه وأفكر :
هنا ركبتُ كثيراً ، وانطلق بي لمدرستي صغيراً ، وحملني لأيامٍ سعيدة لستُ أنساها وقد ارتكست طويلاً في دفتر الماضي ..
كان أبي يضعني في مقعده الخلفيّ الطويل راقداً، يهرعُ بي في غيهب الغسق
للمستشفى لأن حرارتي ارتفعتْ فارتفع عن عينيه حمامُ النوم وأقلع بعيداً ،
وذكرتُ أمي ، وعرفتُ أنها الآن تصلي كعادتها ، وسمعتُ رغم البعد آياتٍ ترددها على سجادتها الخضراء الناحلة ،
وامتقعَ وجهي وأنا أرى بيني وبينها سورٌ لا أستطيع اجتيازه ، سورٌ داخلهُ الرحمة وخارجهُ العذاب ..
أحببتها قبل ميلادي وسأحبها في قبري ، ولا أفوزُ بقربها الآن حياً !
وتلطخ ثوبي بقطراتٍ تسقطُ تباعاً وعرفتُ أني بدأت أبكي..
لملمتُ خيباتي وزفرتُ ألمي ولم يخرج إلا صوتٌ أشبه بنحيب ،
و هب الهواء البارد وتحرك جريدُ نخلتنا المطل على الشارع ، وشعرتُ بالنخلة استيقظت من نومها وعرفتني ..
وذكرتُ قولي لسارة : النخل لا ينسى المارين على عتباته ، تركتُ نخلة بيتنا
تشيعني صامتة ، استودعتها سر زيارتي ودموعَ ليلي وحنينَ كلّي ، وانطلقتُ
لبيتي البعيـد بيت سارة !



هاهي غاضبةً كعادتها ، بات خروجي الكثير يزعجها وبات اسم فهد يمر على سمعها
مرور الصرخة الحادة ، تتمعرُ ملامحها بمجرد أن أجيب هاتفي " هلا فهد " !
كانت الساعة الثانية ليلاً ، بدخولي هبت في وجهي كطفلةٍ صودرت لعبتها ،
طفلةٌ جميلة باتت ترى آخرين يقاسمونها ذات اللعبة التي تتملكها :

- لماذا جئت،؟ أليس النوم هناك أفضل !

تريدُ أن تبكي ، تريدُ أن أصرخ فيها لأبكي ، تريدُ خلق أي حديثٍ ساخن لتبكي ، لكنّي بتّ أعرفها أكثر مما تعرفُ نفسها !

- من قال لكِ أني جئتُ لأنام !

وعاد صوتها المتترسُ بالغضب :

- ماذا تريد إذن ؟! عُـد إلى فهد وأكمل السهرة مع أصدقائك .. أنتَ لا تهتمّ لأمر وحدتي وبقائي هنا كسجينة !

يا للطفلة المدللة ، منذ أن كانت رضيعةً ودلال أبويها يمطرها ، كل هذه التهم لأني تركتها بضع ساعات !

- حسناً سأخبرك ماذا أريد ، لكن إياكِ أن يصعد الدم إلى خديك وتخجلي !

أشاحت وجهها يساراً ، تواري ابتسامةً أراها وإن اختبأت ، ودارت دوالب الليل
بنا ، وعاد الحب يطوينا ونطويه كسفينةٍ تمخر بحراً ، نتلمظ الغرام بطعم
الشهد ..
ودقت الثالثة فجراً وقد نامت سمراي فوق صدري كعصفورٍ أليفٍ مُتعب ، كأنما لم تغضب قط ..
وتأملتها نائمةً وقلتُ ليت للمجتمع غضب الأطفال !
وليت لوالدي وقبيلتي ومدينتي غضب الأطفال ، يهطلُ سريعاً وينقطعُ سريعاً ،
وليت الكلماتُ تفعلُ في مدينتي الغاضبة ما تفعلُ الكلمات للأطفال !
كانت سارة تنامُ سعيدةً وتركتْ لي طعم السهـر .. ورأيتُها طفلةً صغيرة ً بين أحضاني .. وسألتُ نفسي ماذا ينتظرني ..
صاح التفاؤل في أعماقي : كل ما مضى كان الأصعب ، نم قريراً !
وهتف التشاؤم بصوته الأشبه بنفخة صور : ما مضى ليس شيئاً ، القادمُ أسوأ !
وبين الصوتين أغمضتُ عيني ، وسؤالي كالقارعة يضج في صدري :
أين تبحر بنا الأقدار يا طفلتـي !




36



الحب يغذيه الاشتياق ..نادراً ما يُمطر في أيام صحو ، يأتي رتيباً، يحتاجُ ركاماً وعكارةً في الجو ليهطُل أغزر ..
الحب كائنٌ يجوعُ للحزن فيضمُر !
حين نبكي على البعد من نهوى ، يستبد بنا الحنين والالتياع ، البعدُ ماءٌ يُسقي أشجار الحب فتعلو ، يتضخّم ككرة الثلج المتدحرجة !
هذا الحب رجلٌ يكبر مع أوجاعنا ويقتات على أقدارنا السيئة !
..لا يفعل ذلك حين تضحك لنا الأيام وتجمعنا بمن نحب !

يتسامقُ للعُلا حد التعملق حين يلفحنا الحرمان ويضنينا الغياب ، فإذا ضحكت لنا الأقدار ، واندمجنا مع من نحب تحت سقفٍ وحيـد..
ينخلع عنا تاركاً لنا ما يكفي لنعيش به/عليه ، ويذهبَ نحو أشقياء محزونين ، كشحت الدنيا بوجهها الغاضب في وجوههم واعترضت طريقهم ،
تلك بيئته الخصبة ، ينمو بينهم هناك ويترعرع ، يغذيه الجوى واللهفة
وبكائيات الحنين ! فإذا ضحكت لهم الأقدار وتم لهم عهدُ الصفو ذاب وسافر
مرتحلاً لآخرين ..

غياب أحبائنا عن أعيننا ، هذا يخلدهم في كتاب مشاعرنا كأساطيـر ، يجعلنا نحلق بهم بعيداً في السماوات ..
لكنّ الالتصاق، القرب الدائم ، الاندماج مع معشوقك ووجوده دوماً على حد النظر .. هذا لا يقتل الحب ..
.. لكن يجعلهُ جنيناً ثابت الحجم في رحم حياتك ، تاركاً لعبة النمو !

هذا ما أعرفهُ الآن جيداً كما أعرفُ اسمي ، بل كما أعرف الحزن في ملامحـي !


عاطفتي تجاه سارة، وطوال عامٍ كامل ، كانت أشبهَ بقطارٍ مندفع ، يحطم كل شيءٍ أمامه ولا يعرف التوقف ، طوفانٌ خرج عن السيطرة !
قطارٌ أهوج ، قائده أهوج ، والوجهة لا وِجهة ، كل ما تجددت به الأيام كان
يضاعف سرعته ، وصل لانطلاقته القصوى منذ ثلاثة أشهر حين تزوجنا ..
ولأول مرة .. منذ سنة .. يكف هذا القطار الآن عن زيادة سرعته ، لم يُسرِع أكثر ولم يبطيء مشيته ، فقط يمضي بذات السرعة والوتيرة ..
وسارة لا تعرف أن الحب والقمر ، اثنان لا يؤمنان بمستقر ، إن لم يزدد نموّها عادا في التقلص ..


قبل زواجنا ، كنتُ أحبها بجنون ، شيءٌ في داخلي يقول إما الممات وإما سارة ،
تباً لكل هذه الحياة إن خلت من صوتها من عينيها من اسمها ،
عندما أفتح كتاباً ، كنت أقرأ صوتها في كل سطر ، عندما أخط بقلمي ، أجدني أرسم اسمها دون وعي ..
أنظر للناس فأرى طيفها يعبر في بصري كقاطع طريق !


الآن، أحبها، ومازلت أفعل .. لكنّ شيئاً من العقل أدركني !
هذا الوصل المستمر ، يعلم الجنون أن يتراجع ..ويهمسُ في أذن الشوق آمراً بالسكينة ،
ماعدتُ ذاك الطافح بهيامها كل لحظة ، باتت قريبةً مني ، شجرةٌ يانعة ، قطوفها دانية ، كلما اشتهيتُ ثمرتها أدركتُها دون عناء !

هذا القطار المتسارع في حبها لم يتوقف ، لكنّ عينا قائدهِ باتت تلتفتُ إلى الخلف، صوب الغائبين هناك ، في الضفة الأخرى من المدينة :
أمي والدي عائلتي وحاملي سحنات وجهي !
اللعنة على قلبي الشقي ، وعقلي الشقي ، وحظي الشقي ، كل مافيني يكفرُ بالراحة ويتخذ التعاسة مسلكاً !
حين كنتُ محاطاً بأسرتي ارتحلتُ بحثاً عن سارة ،
وأنامُ بجوار سارة الآن، ويسألني كل شيءٍ فيّ عن بيتنا القديم وأيامنا القديمة وذكرياتي الغابرة !
واللعنة على هذا الحب الذي لا يبحث إلا عن الغائبين ..
.. يقتاتُ على الحزن ويقتلهُ الفرح !


خروجي للشقة والسمر مع فهد بات عادةً في الليالي الأخيرة ، وشرودي الطويل ما عاد سراً ، سرحاني بات ملمحاً من ضمن ملامحي !
وحين أعود لطفلتي الغضبى ، كنتُ أنام أحياناً دون حتى تطييب خاطرها .. فهل بتّ أجازيها بتصرفات أهلها ؟! ياللمسكينة ..
كانت تلح أن أذهب لمجلس والدها ..ودب الخصامُ في غرفتنا مساء اليوم ، وتركتها تبكي أمام خصاص النافذة دون عزاء :

- ليس عدلاً أن تقارن أهلي بأهلك ، عائلتك لا تريدني .. وعائلتي استقبلتك يافيصل ليس عدلا ً !

كنتُ أستمعُ لإلحاحها بملل ..
نعم ليس عدلاً أن أقارن والدي الطيب بوالدك المتورم كِبراً، أبي الذي ينداحُ من صوتهِ عطفٌ أشبه بدعوات ناسكٍ في طهر الليل الأخير !
ولا أمي بأمكِ التي لم تسألني حتى الآن إن كانت لي والدةٌ على قيد الحياة أم لا..
مقارنتكِ مضحكة واسألي السماء التي تستمد صفاءها من وجه أمي، واسألي النسمة التي ليست أرق من نبرتها حين تحكي..
واسألي الطيبة المتبتلة في محرابها ، كل خيرٍ في هذا الوجود يخبرك عنها!


حين أوقفتُ سيارتي أمام بيت أبو مشاري ترجلتُ للسلام عليه نزولاً عند رغبة سارة ..
صافحتهُ بحرارةٍ مصطنعة كالتي يصطنعها الآن أمام ابنته ، كنا ممثلين بارعين
أمام هذه السمراء التي تنقل بصرها بيننا سعيدة ، قبلتُ رأسه الكبير
بالوهم !
وحفاوة الأغنياء تسألني :

- لماذا لم نعد نراك كثيراً ؟!

شعرتُ بسؤاله ينطلقُ من طرف عينه المتعجرفة، لم يحدثني بلسانه ، كان يتأملني باحتقار !

- أشغال ، أخذتني أشغالي الكثيرة يا أبومشاري وبإذن اللـ..

- و .. ما هي أشغالك !

هكذا، بنبرته التي تسحقني كل مرة ، نبرته الغليظة التي تصب في أذني كبُرادة
زجاج، يلتف المشلح الأسود على ساعده ويلقي أسئلته كما لو كان يتندر ..
شعرتُ بهِ هازئاً .. عينيه ونبرته وبسمتهُ الشامتة كانت ترمي السؤال هكذا : وما هي أشغال أبناء حراس المدارس ياترى هه !

حاصرتُ غضبي ولا أدري بماذا تمتمتُ من عبارات الاعتذار وانصرفتُ ألعن هذا البيت ومن فيه ..
وتقولين ليس عدلاً ياسارة .. نعم ليس عدلا ً أبداً !

* * *



هذا التعب الذي يتكدس في كل ذرةٍ من ذرات جسمي بات ينهكني ، محاربٌ شجاعٌ أنا .. لكن دب الضعفُ فيني من حيث أدري ولا أدري ،
نابليون كان يستريح من حروبه .. بين كل معركةٍ وأخرى يترك لجيشه فرصة
التقاط الأنفاس .. أراحهم في " فتبسك " طويلاً قبل حرب موسكو !
لكن نابليون العاصمة لم يهدأ عن الكر و الفر منذ سنـة ! كل ما خرج من معركةٍ لعنتهُ أختها ..
والحروب رغم الانتصارات لا تخلو من خسائر فادحة !

أثخنتني جراحي مخضماً بالمسك الأحمر ينزف من عروقي..وأشعر بجسدي لا شبر فيه
يخلو من ركزة رمح، ونصلٍ غادر ولهيب رصاصة .. بدأتُ أقف بصعوبة !
وحدتي أقوى من أن تملأها طفلتي ! وأكبر من أن تغطيها حبيبة ، وأسودَ من بياض قلبي وقلبها ..
لكني ذئبٌ ياوالدي .. والذئاب لا تتألمُ إلا في العزلة .. لا تترك لأحدٍ
فرصة مشاركتها الوجع ، أغمضتُ عيني على القذى وحبستُ صوت الأذى يا أبي!
كنتَ تقول لي في القرية طفلاً أروح وأغدو : "يا ذيب " ، نادراً ما كنت تقول فيصل !
وتراني منبثقاً من زحمة الأطفال مقبلاً عليك بين الرجال فتسألني بينهم مفتخراً : من أنت ... فأجيبك : " ولدك ، الذيب فيصل ! "
رأيتني مرةً أبكي ،وسألتَ ذئبك الصغير ماذا يبكيه .. وأخبركَ بأن فهد وعائلته سيذهبون غداً للرياض، سيتركون قريتنا يا أبي ..
طوقتني يدك القوية في ذلك الصبح الشاتي، ومضيت بي غاضباً ناحية أمي وشقيقاتي، ورفعت سبابتك في وجه دموعي :

- البكاء لهنّ .. الرجال لا يبكون !

بثوبي المتسخ كنتُ أطرد الدمع عن ساحة خدي ، وتمثلتها كعقيدةٍ من ساعتئذ ، وأمسكتُ زمام وصيّتك ولم أفلتها طويلاً..
الآن .. الآن يا أبي ، ترقد سارة بجواري ، والثالثة فجراً لم أنم ،
أضعتُ وصيتك كما أضعت أشياء كثيرة ، وبدأت أسفح دمعاً من خلائقه الكبرُ !
يا للذئب المفترس الذي عاد طفلاً !
رغم غضبك ، رغم صفعاتك ، رغم طردك لي كمجرم ، هل تعلم الآن يا نائماً في
البعيد، أني اشمأزيتُ من حبيبتي يومَ فكرتْ في مقارنتك بأبيها..!
شعرتُ أنك أكبر أسمى أقدس أطهر ، فلماذا حين صار الحلم في يدي خيّرتني بين عينٍ وعين .. وأنت تعلمُ أن الخيار يلوحُ كسيفٍ باتر !
ولماذا حين انتصر الذئب غاب تشجيعك وحضر غضبك .. أنت من علمني أن الذئاب يجب أن تكون قويةً دائماً وأن البكاء كبيرةٌ في خدود الرجال
أنتَ من علمني أن الدمع ينبتُ في العيون كخطيئة وأن الاستسلام إثـم..
لماذا خسرتكم يوم كسبتُ الحب .. ولماذا لن أعود لكسبكم إلا حين أخسر حلمي .. لماذا في هذه المدينة لا يكون الكسبُ كاملاً كالخسارة ..
ولماذا يا أبي باتت الأسماءُ أغلى ها هنا من حامليها !!

* * *



النساء يزددنَ مع الحب حباً ! كلما شدنا الزواج ناحية الفتور ، تسامى بهنّ صوب السعادة أكثر..
نحن الرجال أضعفَ منهن في مواجهة الرتابة والملل .. يهزمنهُ بقوةٍ لا تتوائم مع ضعفهنّ، ويهزمُنا بسهولةٍ لا تتلائم مع صلابتنا.
نعم ، صدق امبروس بيروس: هذا الحب جنونٌ مؤقت ، علاجه الزواج ! عرفَ ذلك لأنهُ رجل ..
ولم تعرف ذلكَ فيرجينا وولف لأنها أنثى : هناك صداقة وهناك حب ، وهناك مؤسسةٌ تجمع الأمرين تُدعى الزواج !
قلتيها يا فيرجينا ، وانتهت حياتكِ انتحاراً ، اكتئبتي للحد الذي كدستِ
جسدكِ بالحجارة كي لا تطفو جثتك على البحيرة، يوم هربتِ للموت غرقاً !

وسـارة قيثارةٌ لا تهدأ عن عزف الحـب ، لا يعلو أوتارها غبار الفتور !
تمطرني بوابل عباراتها المشحونة بالعاطفة تماماً كما عرفتني أول مرة .. وتريدني تماماً كما ذاقتني أول مرة ..
لم يتغيّر في الأمر شيء ، قبل الزواج وبعده .. هي سارة التي أحبتني بكل جوارحها .. لم يتبق في قلبها و عقلها حيّزاَ إلا سكنته !
تلتهم الحلوى دون ملل .. لا تسأم ثرثرة الغزل ،
حتى وأنا أرتمي في فراشي خادراً متعرقاً كانت رغم صوتها المتعب والراقد في اللذة تصر أن أحدثها بما تريد :
جمالها شيطنتها إغوائها .. " تكلم يا فيصل "، لا تكف عن سماع ماحفظتهُ عن ظهر قلب !

أحبها وأعلمُ أني أحبها ، ومازلتُ أحبها ، لكنها لا تعلمُ أن الرجال
يحتاجون مساحةً من البعد تُبقيهم جيدين ولائقين حين يريدون مشاركة الفتيات
حديث العاطفة ،
غيرتها بدأت تحاصرني كسجان يضيّق حريتي ، كلما عُدت : من أين أتيت ولماذا تأخرت !
تغرقُ في البكاء حين أغرق في سهرتي سامراً مع فهد ..
تغضب بسرعة ، أيضاً ترضى بسرعة ، لكني بدأتُ أتحلل من تدليلها رويداً
رويداً ، لم أعد أولي غضبها كل عنايتي .. بات من المعتاد بعض الشيء أن
تنام غضبى !
ليتها تعرفُ أن للرجال طقوسهم مع هذا الحب ، يقتلهم البعد لكن يحيي أشواقهم ، تماماً كما تفتر أشواقهم حين يغيب الغياب !


حين أكتب قصةً أو مقال .. حتى وقتي مع الكتابة يقتلها ويشعرها بالغيرة !
طفلةٌ تشربتِ الدلال ، وعوّدها والدها الثريّ امتلاك ما تريـد ، وتريد امتلاكي ، تماماً كأي لعبةٍ لا تريد أن تتركها !
حنقها أحال أفكاري هذا المساء الى الشتات ، رميتُ الورقة والقلم وصحت فيها :

- ماذا تريدين .. ساعة ولم أستطع كتابة ما يستحق ! ملامحك المحتقنة وتمتماتك تشتتني ماذا بك؟!

و هطلَ صوتها يواري سَورة الغضب :

- تعود من المدرسة متعباً ، تنام ثم تخرج لرفاقك .. وقتي معك يتقلص .. والآن في غرفتي تتركني للكتابة!

ليس ذا وقتُ الكتابة ! الكتابة تحتاجُ عزلةً لا تؤمنُ بها هذه الطفلة السمراء ..
وذكرتُ ورقةً أعطتينها زهرة مدبرة البيت يوم عدت ظهراً ، تمتليء بحاجات البيت الصغير والفتاة المدللة :

- حسنا..هل تريدين الخروج معي للتبضع ؟

وحلق غضبها بعيداً كأسراب حمام ، وارتفعت نبرتها الحادة وعاد صوتها هديلاً .. قفزت ترتدي ملابسها تسبقني للخروج ..تغضب بسرعة رضاها !


تتعضد يدي في السوق كأننا عاشقين مازالا بريئين لم يلوّثا حبهما بالوصل كل ليلة !
عباءتها الفوضوية ، عيونها الفاتنة ، شبابي الأنيق كل هذا يميّزنا عن كل
المبتضعين الجامدين .. لا أدري لماذا التجهم سمة سكان هذه المدينة !
يتركون الصمت عنواناً لهيئتهم ، تجمدُ أفواههم عن النطق وشفاههم عن ارتكاب الابتسام ، يتركون لعيونهم الثرثرة !
عيونُهم ترمقنا اختلاساً .. وأردتُ أن أقول لهم " زوجتي ! هل تفهمون ! "
لكني تركتهم، وغرقتُ في الصمت الذي يجمعنا كبصمةٍ مميزة ، تخبرنا أننا
كلنا هنا ذوو قربى !


صدفةٌ خير من ألف ميعاد ، لكن بعض الصدفِ شرٌ من ألف جيش !
لا أدري لماذا أقداري سيئةٌ للحد الذي تجعل من المعارك في حياتي شيئاً كانهمار مطر ، يصب دفعةً واحدةً بلا توقف !
رأيتهُ من بعيد .. وانقبض قلبي كخبرٍ مفجع ، واشتممتُ رائحة خوفي تتصاعدُ من مساماتي الطافحة الآن عرقاً !
قبضتُ يد سارة، وتركتُ العربة للمكان ، وانطلقتُ للخروج ، " فيصل ماذا بك " ولم أرد ..
كنت أتوقف في كل دهليز، أختلس النظر كسارق ثم أعبر .. لكن لا محيـص ،
يبدو أن يوم نحسي في أوج عزه !


ها أنا .. أقفُ وسارة المتلثمة بعباءةٍ ليست من أعرافنا ، وجهاً لوجه .. مع شقيقي خالد !
صدفةٌ أحضرتهُ ها هنا لتعلمني طعم النحس .. صدفةٌ أخرجتني في التوقيت الذي خرج فيه لتجمعنا كفتنةٍ أشد من قتل !
حاولتُ الهروب وتفاديه .. وعادت الصدفةُ ترميني في طريقه حتى اقتنتعتُ أن كل شيءٍ في هذه الأرض ضدي !

وقفنا كخصمين كانت تجمعهما قبل العداوةِ عروةٌ وثقى ، ودارت أيامنا تترددُ في المساحة القصيرة بيني وبينه !
تبادلنا النظرات الجديدة والقديمة .. كان يمسك ابنه مشعل في يده وكنت أمسك السمراء المغضوب عليها في يدي !

كنتُ واقفاً كأي رجلٍ أنهكهُ الوقوف الطويل ، أنفاسي تخبر الرائين أني
متعبٌ للحد الذي أغالب السقوط ، كان سقوطي لحوحاً كنبي ٍ يستميتُ في
الإقناع !
وأخي منتصبٌ كسبابةٍ تتوعد.. نعم خالد ، الفتى الذي علمني القيادة قبل ثلاث عشرة سنة ..
كنتُ كلما انطفأت المركبة لبلاهتي وجهلي أتوتر ، ويخبرني " لا عليك لا عليك
كلنا بدأنا هكذا " ، ودرستُها معه حتى حذقتها ، وجئتُ هنا !

خالد .. رجلٌ غاضب في الخامسة والثلاثين من العمر ، كان قبل عشر سنوات يسمعني قصائده أول ماذاع صيته في قبيلتنا ..
على رقصات النار في جسد الحطب كنتُ أشيد بما أسمع ليدب الرقص في عينيه
بريقاً .. الآن ترقصُ في عينيه نارٌ أسمع فرقعة ألسنتها تماماً كذاك المساء
القديم !

خالد .. يوم كنا في عمرة رمضان وأنا ابن التاسعة ، وتدافع الناس وارتج المكان وضاق بمن فيه كيوم قيامة ..
رفعني على كتفهِ كرضيع يوم بكيتُ وأنا أشتم الموت في ذاك الزحام !

يقفُ أمامي الآن ، ليس أخي القديم ، رجلٌ غاضب .. عينيه تحملقان فيني كما لو كانتا تريدان القفز وضربي ثم العودة لمكانهما ،
وعرفني مشعل وانطلق مسلماً في حبور ..
ورأس مشعل الصغير يتلقى صفعةً من والده تخبرهُ بالتراجع ، وتخبرني أني ما عدتُ قريباً !

تخطانا ، بصق على الأرض ساخطاً وتخطانا ، كانت بصقته على الأرض وشعرتُ بها
تلطخ وجهي .. تخطاني كأي رجلٍ آخر .. لا يعرفه ولم تجمعهُ بهِ الأيام
يوماً !
تخطاني كما لو لم أكن في يومٍ شقيقاً .. وتركني مع وجومي حتى أفقت ، وسحبتُ
سارة للخارج ، أسحبها خلفي كحملٍ عرفتُ الآن أنه ثقيلٌ حقاً ..
"من هو تكلم من ؟! "، وببرود أجبتها:
" خالد، أخي خالد ، هذا الذي رأيتيه وبصق عليّ اسمه خالد ،شقيقي الكبير "

ألقيتُ جملتي الغبية كإعتراف ، إقرارٌ مزفوف بنبرةٍ بلهاء ، سئمتُ تجميل الصور القبيحة في هذا البلـد!
وتركتُ للدمع عينيها الجميلة ، وسخطها يرتطم بوجهي ولا إجابة :

- لا يريدني .. كوالدك ، كشقيقاتك ، كلهم لا يريدونني .. يأنفون مني

ماعدتُ قادراً على العزاء ، أصبحتُ أبلهاً سأِم الربت على الكتوف :

- أتعلمين لماذا شقيقاتي وأمي لا يهاتفونك ؟ والدي حلف عليهم أن يقاطعوكِ ويقاطعوني .. ها مارأيك ؟!

قلتها ببرود .. برود من أعيته المعارك والحروب ، وتركتها للنحيب والدمع الغزير ..
نزلَتْ إلى البيت وأغلقت الباب بقوة ، وضحكتُ منها ومن بلاهة اعترافاتي ..
وضحكتُ من مشعل وهو ينظر لوالده بعد الصفعة المفاجأة ، ضحكتُ حتى من البصقة
التي لوّثت حذائي ، وتأملتُ هاتفي وأعلم أن صمته لن يُكسـر !


قديماً يا خالد ، كنت توبخني ، وتضربني ، لكن اعتذارك لم يكن ليتأخر !
تأتي على الفور محمّلاً بالندم قبل الهديّة ، تجيد إرضائي تماماً كما تجيد إثارة سخطي ..
وتجيدُ اجباري على حبك بقدر ماكنت تجبرني على كرهك ! وهذا الهاتف اللعين لن يحمل رقمك الآن ياخالـد ..

قبل عقدين من الزمن ، كنت تلعبُ مع أقرانك أمام بيتنا في تلك القرية
المنسيّة ، وكنتُ طفلاً أرصد باب بيتنا كحارس ، وطاشت كرتكم وارتطمت بوجهي
..
سقطتُ من درج البيت متدحرجاً كالكرة تماماً .. وانحبس نفسي دقيقةٌ كنت أشهق فيها ببكائي الحاد ،
حملتني لأم فوّاز ، وفرشتَ بصري على البساكيت والحلوى التي تبيعُها .. وبت أتبوأ من بسطتها ما أشاء
لكنك الآن لن تتصل !

وحين أيقظتك من نومك صبح خميسٍ بارد ، كان صوتي الصادح يطرق سمعك في فراشك حتى أضجرك ، خرجتَ مسعوراً ،
وحملتَ حذاءً لعيناً لطمتهُ في فخذي الصغير أربع مراتٍ لعينة ..
عدتَ لنومك تسبقك لعناتي ، واستيقظتَ وخرجتَ لرفاقك تشيّعك نظراتي الحاقدة ،
وددتُ حينها لو كنتُ كبيراً بما يكفي لأرد لك الصفعات المؤلمة ..
أتيتَ مساءً تحمل قفصاً فيه أنثى أرنب ، بطنها يمتليء بصغارٍ على وشك خروج ،
وفرحتُ بها وشكرتك .. وأحببتك بسرعة كرهك ، وتكاثرت الأرانب في حديقتنا
الصغيرة ..
ذاك وقتٌ زلّ ... يوم كنا أشقاء جيدين .. ماتت أم فواز وماتت الأرانب
الصغيرة وماتت أمهم وماتت تلك الأيام ومات ذلك البيت ولن تتصل ..

لن تبحث عني تطلب صفحاً كما كنتَ تفعل .. جدارٌ شُرِخ وصدعٌ دب فيما بيننا .. وانقسمنا وكنا نسيجاً واحداً ، مزقتنا الأسماء ياخالد !


سأصعدُ الآن لطفلتي الغضبي ياشقيقي ، وسأكذب عليها وعليّ وأن الأمر سيمر
بخير ، وسأنام متفائلاً لأصحو كما اعتدتُ على خيبةٍ جديدةٍ تنتظرني ..
وصدفة لعينة تقرع بابي أو تلجُ بلا استئذان.. تماماً كصدفة انشقاق الأرض عنك في ذلك السوق اللعين .
من أنا ؟ لا أدري .. أنا الذي ترك الجهات الأربع واختار الضياع ..
ابحثوا عن الضياع ، وإذا وجدتموه ، هناك ستجدوني .. أسكنُ في الضياع وحدي، بعيداً عنـكـم وعن صوت أمـي !

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
" بعضُ ما خبأتهُ الرياض .. " رواية رومنسية جريئة حزينة لـ فيصل الخالدي ..أبو بقيـة ..
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 2انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: ھَﻣ̝̚س ﺂﻟﺣـــړُف :: أِسَاطْيْر الحَكَايَا ♠-
انتقل الى: